[480] 1375 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ . 1376 وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . قَوْلُهَا : ( قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ ) هِيَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ ، يَعْنِي ذَاتَ وَبَاءٍ ، بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَهُوَ الْمَوْتُ الذَّرِيعُ ، هَذَا أَصْلُهُ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْأَرْضِ الْوَخِمَةِ الَّتِي تَكْثُرُ بِهَا الْأَمْرَاضُ لَا سِيَّمَا لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُسْتَوْطِنِيهَا . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَدَمُوا عَلَى الْوَبَاءِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا الْقُدُومَ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ اسْتِيطَانِهَا ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الْقُدُومُ عَلَى الْوَبَاءِ الذَّرِيعِ وَالطَّاعُونِ ، وَأَمَّا هَذَا الَّذِي كَانَ فِي الْمَدِينَةِ فَإِنَّمَا كَانَ وَخَمًا يَمْرَضُ بِسَبَبِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْغُرَبَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : كَانَ سَاكِنُو الْجُحْفَةِ فِي تِلْكَ الْوَقْتِ يَهُودًا ، فَفِيهِ : دَلِيلٌ لِلدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ وَالْهَلَاكِ . وَفِيهِ : الدُّعَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالصِّحَّةِ وَطِيبِ بِلَادِهِمْ وَالْبَرَكَةِ فِيهَا وَكَشْفِ الضُّرِّ وَالشَّدَائِدِ عَنْهُمْ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ : إِنَّ الدُّعَاءَ قَدْحٌ فِي التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُهُ ، وَخِلَافُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ : إنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الدُّعَاءِ مَعَ سَبْقِ الْقَدَرِ ، وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ ، وَلَا يُسْتَجَابُ مِنْهُ إِلَّا مَا سَبَقَ بِهِ الْقَدَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ الْجُحْفَةَ مِنْ يَوْمِئِذٍ مُجْتَنَبَةٌ ، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْ مَائِهَا إِلَّا حُمَّ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِالْبَرَكَةِ وَبَيَانِ تَحْرِيمِهَا وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا · ص 502 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها · ص 493 1376 [1230] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ . وقوله وحًوَّل حُمَّاها إلى الجحفة ، قد ذكرنا الجحفة في باب المواقيت ، وإنما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا رحمة لأهل المدينة ولأصحابه ونقمة من أهل الجحفة ؛ فإنهم كانوا إذ ذاك كفارًا . قال الخطابي : كانوا يهودًا . وقيل : إنه لم يبق أحد من أهل الجحفة في ذلك الوقت إلا أخذته الحمَّى . وفيه الدعاء للمسلم وعلى الكافر ، وهذا وما في معناه من أدعية النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تفوق الحصر حجَّة على بعض المعتزلة القائلين لا فائدة في الدَّعاء مع سابق القدر ، وعلى غلاة الصوفية القائلين إن الدعاء قادح في التوكل ، وهذه كلها جهالات لا ينتحلها إلا جاهل غبيٌّ لظهور فسادها وقُبح ما يلزم عليها ، ولبسط هذا موضع آخر .