[64] 1419 - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ ، وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا عِيسَى يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ وَإِسْنَادِهِ ، وَاتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامٍ وَشَيْبَانَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . [65] 1420 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ : قَالَ ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ تُسْتَأْمَرُ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ لَهُ : فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ . [66] 1421 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : حَدَّثَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . [67] - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا . [68] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَقَالَ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَرُبَّمَا قَالَ : وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا . ( 9 ) بَاب اسْتِئْذَانِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ وَالْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا . قَالَ الْعُلَمَاءُ : ( الْأَيِّمُ ) هُنَا الثَّيِّبُ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرْنَا ، وَلِلْأَيِّمِ مَعَانٍ أُخَرُ . وَ ( الصُّمَاتُ ) بِضَمِّ الصَّادِ هُوَ السُّكُوتُ . قَالَ الْقَاضِي : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَيِّمِ هُنَا مَعَ اتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا . وَالْأَيْمَةُ فِي اللُّغَةِ الْعُزُوبَةُ ، وَرَجُلٌ أَيِّمٌ وَامْرَأَةٌ أَيِّمٌ . وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ أَيِّمَةٌ أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي : ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَا هُنَا ، فَقَالَ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالْفُقَهَاءُ كَافَّةً : الْمُرَادُ الثَّيِّبُ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالثَّيِّبِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَبِأَنَّهَا جُعِلَتْ مُقَابِلَةً لِلْبِكْرِ ، وَبِأَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهَا فِي اللُّغَةِ لِلثَّيِّبِ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَزُفَرُ : الْأَيِّمُ هُنَا كُلُّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ . قَالُوا : فَكُلُّ امْرَأَةٍ بَلَغَتْ فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَعَقْدُهَا عَلَى نَفْسِهَا النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ . قَالُوا : وَلَيْسَ الْوَلِيُّ مِنْ أَرْكَانِ صِحَّةِ النِّكَاحِ ، بَلْ مِنْ تَمَامِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النِّكَاحِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ . قَالَ الْقَاضِي : وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَحَقُّ مِنْ وَلِيِّهَا ) هَلْ هِيَ أَحَقُّ بِالْإِذْنِ فَقَطْ ، أَوْ بِالْإِذْنِ وَالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا ؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ بِالْإِذْنِ فَقَطْ ، وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ بِهِمَا جَمِيعًا . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَحَقُّ بِنَفْسِهَا ) يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ مِنْ وَلِيِّهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ عَقْدٍ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُدُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِالرِّضَا أَيْ لَا تُزَوَّجُ حَتَّى تَنْطِقَ بِالْإِذْنِ بِخِلَافِ الْبِكْرِ ، وَلَكِنْ لَمَّا صَحَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ تَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ وَالثَّانِي . وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَةَ ( أَحَقُّ ) هُنَا لِلْمُشَارَكَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهَا فِي نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ حَقًّا ، وَلِوَلِيِّهَا حَقًّا ، وَحَقُّهَا أَوْكَدُ مِنْ حَقِّهِ . فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا كُفُؤًا وَامْتَنَعَتْ لَمْ تُجْبَرْ ، وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ كُفُؤًا فَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ أُجْبِرَ ، فَإِنْ أَصَرَّ زَوَّجَهَا الْقَاضِي ، فَدَلَّ عَلَى تَأْكِيدِ حَقِّهَا وَرُجْحَانِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِكْرِ : ( وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ) فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمُ : الِاسْتِئْذَانُ فِي الْبِكْرِ مَأْمُورٌ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا كَانَ الِاسْتِئْذَانُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ ، وَلَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهَا صَحَّ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ وَلَمْ يَصِحَّ إنكاحها قَبْلَهُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْكُوفِيِّينَ : يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ فِي كُلِّ بِكْرٍ بَالِغَةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبِكْرِ : ( إِذْنُهَا صُمَاتُهَا ) فَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ بِكْرٍ ، وَكُلُّ وَلِيٍّ ، وَأَنَّ سُكُوتَهَا يَكْفِي مُطْلَقًا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا فَاسْتِئْذَانُهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَيَكْفِي فِيهِ سُكُوتُهَا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ نُطِقْهَا لِأَنَّهَا تَسْتَحْيِي مِنَ الْأَبِ وَالْجَدِّ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا . وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ السُّكُوتَ كَافٍ فِي جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ لِوُجُودِ الْحَيَاءِ . وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ النُّطْقِ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ كَمَالُ حَيَائِهَا بِمُمَارَسَةِ الرِّجَالِ ، وَسَوَاءٌ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ ، أَوْ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ بِزِنًا ، وَلَوْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِوَثْبَةٍ أَوْ بِإِصْبَعٍ أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ أَوْ وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا فَلَهَا حُكْمُ الثَّيِّبِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : حُكْمُ الْبِكْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِعْلَامُ الْبِكْرِ بِأَنَّ سُكُوتَهَا إِذْنٌ ، وَشَرَطَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُشْتَرَطُ ، وَلَا يَصِحُّ نِكَاحٌ إِلَّا بِوَلِيٍّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّيِّبِ وَلَا فِي الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ ، بَلْ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ : يُشْتَرَطُ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِ الْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ " لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ " وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ الصِّحَّةِ . وَاحْتَجَّ دَاوُدُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي مُسْلِمٍ صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، وَأَنَّ الثَّيِّبَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَنَّهَا أَحَقُّ أَيْ شَرِيكَةٌ فِي الْحَقِّ بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ ، وَهِيَ أَيْضًا أَحَقُّ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ . وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ فِيهِ بِلَا وَلِيٍّ ، وَحَمَلَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ عَلَى الْأَمَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، وَخَصَّ عُمُومَهَا بِهَذَا الْقِيَاسِ ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ؛ وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا يُرَادُ لِيَخْتَارَ كُفُؤًا لِدَفْعِ الْعَارِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِذْنِهِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : نَاقَضَ دَاوُدُ مَذْهَبَهُ فِي شَرْطِ الْوَلِيِّ فِي الْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ ؛ لِأَنَّهُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ فِي مَسْأَلَةٍ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَلَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ مِثْلِ هَذَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب اسْتِئْذَانِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ وَالْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ · ص 546 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب استئمار الثيب واستئذان البكر · ص 118 ( 1421 ) [1472] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا . وفي رواية : وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا . و( قوله في الرواية الأخرى : " والبكر يستأذنها أبوها " ) هذه الزيادة من رواية ابن أبي عمر . قال أبو داود : وليست بمحفوظة . وعلى تقدير صحة هذه الزيادة ، فمحملُها على الاستحباب ، لا على الإيجاب ؛ بدليل الإجماع المنعقد على أن للأب إنكاح ابنته الصغيرة وإجبارها عليه بغير إذنها . وكذلك السيّد في أَمَتِه . وقد أبدى بعض أصحابنا لاستئذان الأب لابنته البكر فائدة ، وهي : تطييب قلبها ، واستعلام حالها ، فقد تكون موصوفةً بما يخفى على الأب مما يمنع النكاح ، فإذا استأذنها أعلمته . وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة من طريق صحيحة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تستأمر اليتيمة في نفسها ، فإن سكتت فهو إذنها ، وإن أبت فلا جواز عليها ) وفي رواية : ( فإن بكت أو سكتت ) . قال : وليس ذلك بمحفوظ . قلت : وتفسير حديث أبي داود مقيدٌ لمطلق البكر الذي جاء في حديث مسلم وغيره ، ومبيّن أن استئذان الأب البكر ليس بواجب ، وإنما يجب ذلك في اليتيمة باتفاق . ثم اختلف القائلون باشتراط الولي ، هل يكتفى في صحة العقد بوجود ولي ، أيِّ وليٍّ كان ، من غير مراعاة لولاية خاصة ولا عامة ، أو لا بدّ من مراعاة الخاصّة على مراتبها ، فإن فقدت رُجع للعامة ؟ قولان : وللأول ذهب أبو ثور ، وقال : كل مَنْ وَقَعَ عليه اسم وليٍّ فله أن ينكح . وقاله بعض علمائنا . وحكاه ابن المنذر عن مالك . والجمهور على القول الثاني ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) ثم قال بعد ذلك : ( فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ) . فاقتضى : أن ولاية القرابة مقدّمة على ولاية السلطان . وإذا كان كذلك كان أحرى أن تكون مُقدَّمة على ولاية الدين ، وهو واضحٌ . ويقول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ : ( لا تنكح المرأة إلا بإذن وليّها ، أو ذي الرأي من أهلها ، أو السلطان ) . ثم اختلف المرتِّبون فيما إذا أنكح الأبعد مع وجود الأقعد في الولاية الخاصة فيمن يستأذن ؟ على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه يفسخ على كل حال . وبه قال المغيرة . وثانيها : أن الأقعد مخيَّر في فسخه أو إجازته . وعليه جماعة من أصحابنا . ومأخذ خلافهما : أن الفسخ لحقِّ الله ، فلا بدّ منه ، أو لحق الولي فله إجازته وفسخه . وثالثها : أنه ماضٍ ، ولا مقال للولي الخاص . وهو قول مالك . وهو بناءٌ على أنَّ مراعاة المراتب من باب الأَوْلى ، والأحسن ، والله تعالى أعلم .