[84] 1365 - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ قَالَ : فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ : وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا : مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ . قَالَ : وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً وَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَهُ دِحْيَةُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ . فَقَالَ : اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً . فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ . قَالَ : ادْعُوهُ بِهَا ، قَالَ : فَجَاءَ بِهَا ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا . قَالَ : وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا . فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ : يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا ؟ قَالَ : نَفْسَهَا أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنْ اللَّيْلِ ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا فَقَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ قَالَ : وَبَسَطَ نِطَعًا . قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ ، فَحَاسُوا حَيْسًا فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 14 ) باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها قَوْلُهُ : ( فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَسْمِيَتِهَا الْغَدَاةَ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُكْرَهُ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ ) دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْإِرْدَافِ إِذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مُطِيقَةٌ ، وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمِثْلِهِ . قَوْلُهُ : ( فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ ) دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ الْمُرُوءَةَ ، وَلَا يُخِلُّ بِمَرَاتِبِ أَهْلِ الْفَضْلِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلْقِتَالِ أَوْ رِيَاضَةِ الدَّابَّةِ أَوْ تَدْرِيبِ النَّفْسِ وَمُعَانَاةِ أَسْبَابِ الشَّجَاعَةِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذَا مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقُولُ : الْفَخِذُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ عَوْرَةٌ ، وَيَحْمِلُ أَصْحَابُنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ انْحِسَارَ الْإِزَارِ وَغَيْرِهِ كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْحَسَرَ لِلزَّحْمَةِ وَإِجْرَاءِ الْمَرْكُوبِ ، وَوَقَعَ نَظَرُ أَنَسٍ إِلَيْهِ فَجْأَةً لَا تَعَمُّدًا ، وَكَذَلِكَ مَسَّتْ رُكْبَتُهُ الْفَخِذَ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا بَلْ لِلزَّحْمَةِ ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، وَلَا أَنَّهُ حَسَرَ الْإِزَارَ بَلْ قَالَ : انْحَسَرَ بِنَفْسِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْحَرْبِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا فَذَكَرُوا فِيهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ دُعَاءٌ تَقْدِيرُهُ أَسْأَلُ اللَّهَ خَرَابَهَا ، وَالثَّانِي أَنَّهُ إِخْبَارٌ بِخَرَابِهَا عَلَى الْكُفَّارِ وَفَتْحِهَا لِلْمُسْلِمِينَ . قَوْلُهُ : ( مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِرَفْعِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ الْجَيْشُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، سُمِّيَ خَمِيسًا ؛ لِأَنَّهُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : مُقَدِّمَةٌ وَسَاقَةٌ وَمَيْمَنَةٌ وَمَيْسَرَةٌ وَقَلْبٌ ، وَقِيلَ لِتَخْمِيسِ الْغَنَائِمِ ، وَأَبْطَلُوا هَذَا الْقَوْلَ ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَانَ مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَخْمِيسٌ . قَوْلُهُ : ( وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ قَهْرًا لَا صُلْحًا ، وَبَعْضُ حُصُونِ خَيْبَرَ أُصِيبَ صُلْحًا ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَهُ دِحْيَةُ إِلَى قَوْلِهِ : فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ) أَمَّا ( دِحْيَةُ ) فَبِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَأَمَّا ( صَفِيَّةُ ) فَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا كَانَ اسْمَهَا قَبْلَ السَّبْيِ ، وَقِيلَ : كَانَ اسْمَهَا ( زَيْنَبُ ) فَسُمِّيَتْ بَعْدَ السَّبْيِ وَالِاصْطِفَاءِ ( صَفِيَّةَ ) . قَوْلُهُ : ( أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ : ادْعُوهُ بِهَا قَالَ : فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا ) قَالَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ يَحْتَمِلُ مَا جَرَى مَعَ دِحْيَةَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ رَدَّ الْجَارِيَةَ بِرِضَاهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي غَيْرِهَا ، وَالثَّانِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي جَارِيَةٍ لَهُ مِنْ حَشْوِ السَّبْيِ لَا أَفْضَلَهُنَّ . فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخَذَ أَنْفَسَهُنَّ وَأَجْوَدَهُنَّ نَسَبًا وَشَرَفًا فِي قَوْمِهَا وَجَمَالًا اسْتَرْجَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا ، وَرَأَى فِي إِبْقَائِهَا لِدِحْيَةَ مَفْسَدَةً لِتَمَيُّزِهِ بِمِثْلِهَا عَلَى بَاقِي الْجَيْشِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ انْتِهَاكِهَا مَعَ مَرْتَبَتِهَا وَكَوْنِهَا بِنْتَ سَيِّدِهِمْ ، وَلِمَا يَخَافُ مِنَ اسْتِعْلَائِهَا عَلَى دِحْيَةَ بِسَبَبِ مَرْتَبَتِهَا ، وَرُبَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ شِقَاقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَكَانَ أَخْذُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا لِنَفْسِهِ قَاطِعًا لِكُلِّ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ الْمُتَخَوَّفَةِ ، وَمَعَ هَذَا فَعَوَّضَ دِحْيَةَ عَنْهَا . وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : إِنَّهَا وَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : ( وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ ) أَيْ حَصَلَتْ بِالْإِذْنِ فِي أَخْذِ جَارِيَةٍ لِيُوَافِقَ بَاقِي الرِّوَايَاتِ . وَقَوْلُهُ : ( اشْتَرَاهَا ) أَيْ أَعْطَاهُ بَدَلَهَا سَبْعَةَ أَنْفُسٍ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ ، لَا أَنَّهُ جَرَى عَقْدَ بَيْعٍ ، وَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الرِّوَايَاتُ . وَهَذَا الْإِعْطَاءُ لِدِحْيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : التَّنْفِيلُ يَكُونُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ يَكُونُ هَذَا التَّنْفِيلُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ بَعْدَ أَنْ مُيِّزَ أَوْ قَبْلَهُ وَيُحْسَبُ مِنْهُ . فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ، وَحَكَى الْقَاضِي مَعْنَى بَعْضِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ تَكُونَ صَفِيَّةُ فَيْئًا لِأَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَهُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ بَنِي أَبِي الْحَقِيقِ كَانُوا صَالَحُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ لَا يَكْتُمُوهُ كَنْزًا ، فَإِنْ كَتَمُوهُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ . وَسَأَلَهُمْ عَنْ كَنْزِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ فَكَتَمُوهُ ، وَقَالُوا : أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ ، ثُمَّ عَثَرَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ ، فَانْتَقَضَ عَهْدَهُمْ فَسَبَاهُمْ . ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ . فَصَفِيَّةُ مِنْ سَبْيِهِمْ فَهِيَ فَيْءٌ لَا يُخَمَّسُ ، بَلْ يَفْعَلُ فِيهِ الْإِمَامُ مَا رَأَى . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ مِنْهُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُخَمَّسُ كَالْغَنِيمَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ : يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا ؟ قَالَ : نَفْسَهَا أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْتِقَ الْأَمَةَ وَيَتَزَوَّجَهَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ ( لَهُ أَجْرَانِ ) . وَقَوْلُهُ : ( أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا ) اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَالصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا تَبَرُّعًا بِلَا عِوَضٍ وَلَا شَرْطٍ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا بِلَا صَدَاقٍ ، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُ بِلَا مَهْرٍ لَا فِي الْحَالِ ، وَلَا فِيمَا بَعْدُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا فَقَبِلَتْ فَلَزِمَهَا الْوَفَاءُ بِهِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا عَلَى قِيمَتِهَا ، وَكَانَتْ مَجْهُولَةٌ وَلَا يَجُوزُ هَذَا وَلَا الَّذِي قَبْلَهُ لِغَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ هُمَا مِنَ الْخَصَائِصِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ ، وَيَكُونَ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ . وَمِمَّنْ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنْ أَعْتَقَهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَقَبِلَتْ عَتَقَتْ ، وَلَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ ، بَلْ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِعِتْقِهَا مَجَّانًا ، فَإِنْ رَضِيَتْ وَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ فَلَهُ عَلَيْهَا الْقِيمَةُ ، وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى قِيمَتِهَا فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ مَعْلُومَةً لَهُ وَلَهَا صَحَّ الصَّدَاقُ وَلَا تَبْقَى لَهُ عَلَيْهَا قِيمَةٌ وَلَا لَهَا عَلَيْهِ صَدَاقٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا ، أَحَدُهُمَا يَصِحُّ الصَّدَاقُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعْلُومَةً ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ الْمُسَامَحَةِ وَالتَّخْفِيفِ . وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ الصَّدَاقُ بَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَيَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَهَا عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ ، وَيَكُونُ عِتْقُهَا صَدَاقَهَا ، وَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ ، وَيَصِحُّ الصَّدَاقُ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ بِمَا سَبَقَ . قَوْلُهُ ( حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا ) وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : ( ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَصْنَعُهَا وَتُهَيِّئُهَا قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا ) . أَمَّا قَوْلُهُ : ( تَعْتَدُّ ) فَمَعْنَاهُ تَسْتَبْرِئُ فَإِنْ كَانَتْ مَسْبِيَّةً يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا وَجَعَلَهَا فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ ، فَلَمَّا انْقَضَى الِاسْتِبْرَاءُ جَهَّزَتْهَا أُمُّ سُلَيْمٍ وَهَيَّأَتْهَا أَيْ زَيَّنَتْهَا وَجَمَّلَتْهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرُوسِ بِمَا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ مِنْ وَشْمٍ وَوَصْلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ . وَقَوْلُهُ : ( أَهْدَتْهَا ) أَيْ زَفَّتْهَا يُقَالُ : أَهْدَيْتَ الْعَرُوسَ إِلَى زَوْجِهَا أَيْ زَفَفْتَهَا . وَالْعَرُوسُ يُطْلَقُ عَلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ جَمِيعًا . وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَمَعْنَاهُ اعْتَدَّتْ أَيِ اسْتَبْرَأَتْ ، ثُمَّ هَيَّأَتْهَا ، ثُمَّ أَهْدَتْهَا . وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبَهَا . وَفِيهِ : الزِّفَافُ بِاللَّيْلِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ تَزَوُّجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الزِّفَافُ نَهَارًا ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ جَوَازَ الْأَمْرَيْنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْنِي بِهِ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( فَلْيَجِئْ بِهِ ) بِغَيْرِ نُونٍ فِيهِ دَلِيلٌ لِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ ، وَأَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهَا تَجُوزُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ، وَفِيهِ إِدْلَالُ الْكَبِيرِ عَلَى أَصْحَابِهِ وَطَلَبُ طَعَامِهِمْ فِي نَحْوِ هَذَا . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِأَصْحَابِ الزَّوْجِ وَجِيرَانِهِ مُسَاعَدَتُهُ فِي وَلِيمَتِهِ بِطَعَامٍ مِنْ عِنْدِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَبَسَطَ نِطَعًا ) فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٍ فَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَعَ فَتْحِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِهَا أَفْصَحُهُنَّ ، كَسْرُ النُّونِ مَعَ فَتْحِ الطَّاءِ ، وَجَمْعُهُ نُطُوعٌ وَأَنْطَاعٌ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ ، فَحَاسُوا حَيْسًا ) ( الْحَيْسُ ) هُوَ الْأَقِطُ وَالتَّمْرُ وَالسَّمْنُ يُخْلَطُ وَيُعْجَنُ ، وَمَعْنَاهُ جَعَلُوا ذَلِكَ حَيْسًا ثُمَّ أَكَلُوهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب فَضِيلَةِ إِعْتَاقِهِ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا · ص 559 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب عِتْق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا · ص 136 ( 11 ) باب عِتْق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا ؟ ( 1365 ) [1480] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْحَسَرَ الْإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنِّي لَأَرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمدْينَةَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ قَالَهَا ثَلَاثَ مرار قَالَ: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً ، وَجُمِعَ السَّبْيُ ، فَجَاءَهُ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا نبي اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ: ادْعُوهُ بِهَا قَالَ: فَجَاءَ بِهَا ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا نَّبِيُّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا قَالَ: وَأَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا . فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ، حَتَّى إِذَا كَانَت بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنْ اللَّيْلِ ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ قَالَ: وَبَسَطَ نِطَعًا قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ فَحَاسُوا حَيْسًا فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 11 ) ومن باب : عِتْق الأمةِ وتزويجها ( قوله : فانحسر الإزار عن فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ) إلى قوله : ( وإن ركبتي لتمسُّ فخذه ) قد ذكرنا الخلاف في الفخذ : هل هو عورةٌ أم لا ؟ وهذا الحديث مما يستدلُّ به من قال : إنه ليس بعورة ، وكذلك حديث عائشة رضي الله عنها الذي ذكرت فيه : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مُضطجعًا في بيتها كاشفًا عن فخذيه ، فدخل أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما - وهو كذلك . وسيأتي الحديث في مناقب عثمان ـ رضي الله عنه ـ . وقد عارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي وصححه غيره من حديث جَرْهَدٍ ، عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ به وهو كاشف فخذه ، فقال : ( غط فخذك فإنها من العورة ) . قال البخاري : حديث أنس أسند ، وحديث جَرْهَد أحْوط كي يخرج من اختلافهم . قلت : وقد يترجّح الأخذ بحديث جَرْهَد من وجهٍ آخر ، وهو : أن تلك الأحاديث قضايا معيّنة في أوقات وأحوال مخصوصة ، يتطرَّق إليها من الاحتمال ما لا يتطرَّق لحديث جرهد ، فإنه إعطاء حُكم كلِّيٍّ وتقعيد للقاعدة ، فكان أولى . بيان ذلك : أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، أو البقاء على البراءة الأصلية ؛ إذ كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء ، ثم بعد ذلك حكم عليه : بأن الفخذ عورة . ويحتمل حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشعر بانكشافه لِهَمِّه بشأن فتح خيبر ، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يتوجه بشيء منها على حديث جَرْهَد ، فكان أولى ، والله تعالى أعلم . وتكبيرُه صلى الله عليه وسلم تعظيم لله ، وتحقيرٌ لهم ، وتشجيع عليهم . وقد تكلَّمنا على معنى الله أكبر في كتاب الحج . و( قوله : خربت خيبر ) أي : صارت خرابًا منهم . وهل ذلك على حقيقة الخبرية ، فيكون ذلك من باب الإخبار عن الغيب ، أو على جهة الدُّعاء عليهم ، أو على جهة التفاؤل لَمَّا خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم ومرورهم ؟ وقد قيل كل ذلك . والأوَّل أولى ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) . و( الساحة ) : الناحية ، والجهة . و( ساء ) : أي : صار سيئًا ؛ من السُّوء . و( المنذر ) : أبلغ الإنذار ، وهو التخويف بالإخبار عن المكروه . و( البشارة ) : الإخبار بالمحبوب . و( الخميس ) : الجيش ؛ سُمِّي بذلك ؛ لأنه يقسم خمسة أخماس : القلب ، والميمنة ، والميسرة ، والمقدمة ، والساقة . وقيل : لأنه يخمَّس . وليس بشيء ؛ لأن هذا أمر مستجد من جهة الشرع ، وكان الخميس اسما للجيش معروفًا قبل ذلك . و( المكاتل ) : القفف والزنابيل . و( المرور ) : الحبال ؛ لأنها تمرُّ ؛ أي : تفتل ، واحدها : مَرٌّ ، كانوا يصعدون بها النخل ، وقيل : هي المساحي . و( قوله : وأصبناها عنوة ) يعني : أوَّل حصونهم ، وسيأتي ما افتتح منها عنوة ، وما افتتح منها صلحًا . و( قوله : فجاء دِحْيَةُ فقال : يا رسول الله ! أعطني جارية من السبي . فقال : ( اذهب فخذ ) فأخذ صفية . ثم ذكر استرجاع النبي صلى الله عليه وسلم لصفية منه . قد ظنَّ بعض المتكلّمين على هذا الحديث : أن هذه العطية هبةٌ من النبي صلى الله عليه وسلم لدحية ، فأشكل عليه استرجاعه إيَّاها ، فأخذ يعتذر عن هذا بأعذار . وهذا كله ليس بصحيح ، ولا يحتاج إليه . وقد أزال إشكال هذه الرواية الروايات الآتية بعْد التي ذكر فيها : أن صفية إنّما صارت لدحية في مَقْسَمِه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراها منه بسبعة أرؤسٍ . وهذه الروايات المتفقة لا إشكال فيها . بل هي رافعة لما يتوهَّم من إشكال غيرها . ويبقى إشكال بين قوله : ( خذ جارية من السَّبي ) وبين قوله : ( وإنها صارت إليه في مَقْسَمِه ) يزيله تقدير : إنه إنما أراد : ( خذ ) بطريق القسمة . وفهم ذلك دِحْية بقرائن أو تصريح لم ينقله الراوي ، فلم يأخذ دِحْية شيئًا إلا بالقسمة . ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم حصل عنده أنها لا تصلح إلا له ، من حيث إنها من بيت النبوَّة ؛ فإنها من ولد هارون . ومن بيت الرئاسة ؛ فإنها بنت سيد قريظة والنضير ، مع ما كانت عليه من الجمال المراد لكمال اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل ، وإلى جمال الولد . وهذا من فعله كما قد نبَّه عليه بقوله : ( تخيَّروا لنطفكم ) . وأيضًا : فمثل هذه تصلح أن تكون أمًّا للمؤمنين . وحذارِ من أن يظنَّ جاهل برسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي حمله على ذلك غلبةُ الشهوة النفسانية ، وإيثار اللَّذة الجسمانية ؛ فإن ذلك اعتقاد يَجره جهلٌ بحال النبي صلى الله عليه وسلم وبأنّه معصوم من مثل ذلك ؛ إذ قد أعانه الله تعالى على شيطانه فأسلم ، فلا يأمره إلا بخير . وقد نزع الله من قلبه حظَّ الشيطان ، حيث شقَّ قلبه ، فأخرجه منه ، وطهَّره ، وملأه حكمة وإيمانًا ، كما تقدَّم في الإسراء . وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرت لك ، وما في معناه ، والله تعالى أعلم . و( قوله : أصدقها عتقها ، أو نفسها ) استدل بهذا طائفةٌ من أهل العلم على جواز جَعْل العتق صداقًا . وبه قال الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو يوسف ، وروي عن ابن المسيب ، والحسن ، والنخعي ، والزهري . غير أن الشافعي يقول : هي بالخيار إذا أعتقها . فإن امتنعت فله عليها قيمتها . ومنع ذلك آخرون ؛ منهم : مالك ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وزُفر ؛ متمسِّكين باستحالة ذلك . ويتقرر ذلك من وجهين : أحدهما : أن عقدها على نفسها ، إمَّا أن يقع قبل عتقها ؛ وهو محال ؛ لتناقض الحكمين : الحرَّية ، والرِّق . فإن الحرية حكمها الاستقلال ، والرِّق حكمه الجبر ، وهو عدم الاستقلال . فهما متناقضان . وإمَّا بعد العِتْق ، وهو أيضًا محال ؛ لزوال حكم الجبر عنها بالعتق ، فيجوز ألا ترضى ، وحينئذ لا تنكح إلا برضاها . وثانيهما : إنَّا إذا جعلنا العتق صداقًا ، فإمَّا أن يتقرر العتق لها حالة رِقِّها ، وهو محال ؛ لتناقضهما ، أو حال حُرِّيتها ، وحينئذ يلزم بسبقيته على العقد ، فيلزم وجود العتق حال فرض عدمه . وهو محال . وبيانه : أنَّ الصَّداق لا بدَّ أن يتقرر تقدمه على الزوج ، إمَّا نصًّا ، وإمَّا حُكْمًا ، حتى تملك الزوجة طلبته . وحينئذ يلزم ما ذكرناه ، لا يقال يبطل بنكاح التفويض ، فإنا قد تحررنا عنه بقولنا : وإمَّا حكمًا . فإنها وإن لم يتعين لها حالة العتق شيء ، لكنها تملك مطالبته بالفرض وتعيين الصَّداق ، لا سيما على مذهب الشافعي ؛ فإن مرجعه عنده إلى صداق المثل في الحياة والموت . فقد ظهر أنها ثبت لها حالة العقد شيء تُطالب به الزّوج ، ولا يتأتى مثل ذلك في العتق ، فاستحال أن يكون صداقًا . ولَمَّا تقرَّر هذا عند أصحابنا اعتذروا عن قول أنس من أوجه : أحدها : إنَّه قوله ، وموقوف عليه . والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم . وثانيها : إن ظاهر قوله : ( أعتقها وتزوَّجها ) أنه كان قد أعتقها ثم تزوَّجها بَعْدُ . وهذا على ما قدمناه في قوله تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أبدأ بما بدأ الله ) فبدأ بالصَّفا . وثالثها : إن قوله : ( أصدقها نفسها ) يحتمل أن يكون أنس لَمَّا لم ير صداقًا ، وسُئل عنه ، قال ذلك . ويعني به : أنه لم يصدقها شيئًا . ويكون هذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم . ورابعها : إنه لو سلم كونه مرفوعًا نصًّا ؛ فحينئذ يكون من خصائصه صلى الله عليه وسلم في باب النكاح . وقد ظهرت له فيه خصائص كثيرة ، والله تعالى أعلم . و( قوله : حتى إذا كانت بالطريق جهّزَتْها له أُمُّ سُلًيم ، وأهدتها له من الليل ) يعني : طريقَ رجوعه من خيبر إلى المدينة ، كما جاء في الرواية الأخرى مفَسَّرًا . وكان بين سبائها وبين دخول النبي صلى الله عليه وسلم بها زمان أسلمت فيه ، واستبرئت ، وأصلح حالها فيه ، ثم دخل بها بَعْدُ . ولذلك قال أنس في الرواية الأخرى : ( ثم دفعها لأُمِّي تُصَنِّعُها ، وتُهَيِّئُهَا ، وتعتّدُ في بيتها ) يعني : في بيت أم أَنس .