17 - كِتَاب الرِّضَاعِ [1] ( 1444 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا وَإِنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُرَاهُ فُلَانًا - لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا - لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ - دَخَلَ عَلَيَّ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ . كتاب الرضاع ( 1 8 ) باب ما يحرم الرضاع هُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَالرَّضَاعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ، وَقَدْ رَضِعَ الصَّبِيُّ أُمَّهُ بِكَسْرِ الضَّادِ يَرْضَعُهَا - بِفَتْحِهَا - رَضَاعًا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَيَقُولُ أَهْلُ نَجْدٍ : رَضَعَ يَرْضِعُ بِفَتْحِ الضَّادِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ رَضْعًا يَضْرِبُ ضَرْبًا وَأَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ ، وَامْرَأَةٌ مُرْضِعٌ أَيْ لَهَا وَلَدٌ تُرْضِعُهُ فَإِنْ رضعتها بِإِرْضَاعِهِ قُلْتَ : مُرْضِعَةٌ بِالْهَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُهُ الْوِلَادَةُ ، وَفِي رِوَايَةٍ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَفِي حَدِيثِ قِصَّةِ حَفْصَةَ وَحَدِيثِ قِصَّةِ عَائِشَةَ الْإِذْنُ لِدُخُولِ الْعَمِّ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَلَيْهَا . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ عَمُّكِ ، قُلْتُ : إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ ، قَالَ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ . هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى ثُبُوتِ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ثُبُوتِهَا بَيْنَ الرَّضِيعِ وَالْمُرْضِعَةِ وَأَنَّهُ يَصِيرُ ابْنَهَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا أَبَدًا وَيَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا وَالْمُسَافَرَةُ ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأُمُومَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَلَا يَتَوَارَثَانِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ الْآخَرِ ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهَا ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهَا ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى انْتِشَارِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الْمُرْضِعَةِ وَأَوْلَادِ الرَّضِيعِ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ وَأَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ وَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَوَلَدِهَا مِنَ النَّسَبِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمَنْسُوبُ ذَلِكَ اللَّبَنُ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ زَوْجَ الْمَرْأَةِ أَوْ وَطِئَهَا بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ثُبُوتُ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّضِيعِ وَيَصِيرُ وَلَدًا لَهُ ، وَأَوْلَادُ الرَّجُلِ أخْوَةَ الرَّضِيعِ وَأَخَوَاتِهِ ، وَتَكُونُ أخْوَةُ الرَّجُلِ أَعْمَامَ الرَّضِيعِ وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتِهِ ، وَتَكُونُ أَوْلَادُ الرَّضِيعِ أَوْلَادَ الرَّجُلِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَابْنُ عُلَيَّةَ فَقَالُوا : لَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالرَّضِيعِ . وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْبِنْتَ وَالْعَمَّةَ كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي النَّسَبِ . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي عَمِّ عَائِشَةَ وَعَمِّ حَفْصَةَ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ إِذْنِهِ فِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَأَجَابُوا عَمَّا احْتُجُّوا بِهِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ بِإِبَاحَةِ الْبِنْتِ وَالْعَمَّةِ وَنَحْوِهِمَا لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ الْحُكْمِ عَمَّا سِوَاهُ لَوْ لَمْ يُعَارِضْهُ دَلِيلٌ آخَرُ ، كَيْفَ وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُرَاهُ فُلَانًا ) لِعَمِّ حَفْصَةَ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ · ص 17 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة · ص 175 أبواب الرضاع ( 19 ) باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ( 1444 ) ( 1 ) [1505] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا ، وَإِنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُرَاهُ فُلَانًا ( لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا ( لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ ) دَخَلَ عَلَيَّ؟ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ . ( 1445 ) ( 9 ) [1506] وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عَمَّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ يُسَمَّى أَفْلَحَ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَحَجَبَتْهُ ، فَأَخْبَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا: لَا تَحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ . أبواب الرِّضاع ( 19 ) ومن باب : يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ( قول عائشة رضي الله عنها : لو كان فلان حيًّا - لعمها من الرَّضاعة - دخل عليَّ ؟ ) نصٌّ في : أنَّ هذا السؤال إنَّما كان بعد موت عمها ، وهو يخالف قولها : إن عمّها من الرّضاعة يُسَمَّى : أفلح استأذن عليها . وهذا نصٌّ في أن سؤالها كان وهو حيٌّ ، فاختلف المتأولون لذلك : هل هما عمَّان أو عمّ واحد ؟ فقال أبو الحسن القابسي : هما عمَّان ؛ أحدهما : أخو أبيها ، أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ من الرَّضاعة ، أرضعتهما امرأة واحدة . والثاني : أخو أبيها ، أبي القُعَيس من الرضاعة . وقال ابن حازم : هما واحد . قال القاضي أبو الفضل : والأشبه قول أبي الحسن . قلت : وتتميم ما قاله : أنهما عمَّان ، وأن سؤالها للنبي صلى الله عليه وسلم كان مرتين في زمانين ، وتكرر منها ذلك . إمَّا لأنها نسيت القضية الأولى ، فاستجدَّت سؤالاً آخر ، وإمَّا لأنَّها جوزت تَبَدُّل الحكم . فسألت مرة أخرى ، والله تعالى أعلم . و( قوله صلى الله عليه وسلم : إن الرَّضاعة تحرّم ما تحرِّم الولادة ) وفي الأخرى : ( يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب ) دليل على جواز نقلهم بالمعنى ، إن كانت القضية واحدة . ويحتمل أن يكون تكرر ذلك المعنى منه باللفظين المختلفين . وقد صرَّح الرواة عن عائشة برفع هذه الألفاظ للنبي صلى الله عليه وسلم فهي مسندة ، مرفوعة ، ولا يضرَّها وقف مَنْ وقفها على عائشة ، كما جاء في الرواية الأخرى . ويفيد هذا الحديث : أن ينشرُ الحرمةَ بين الرضيع والمرضعة ، وزوجها صاحب اللَّبن ، أو سيدها ، فإذا أرضعت المرأةُ صبيًّا حُرِّمت عليه ؛ لأنها أمه ، وأمُّها ؛ لأنها جدَّته . وأختها ؛ لأنها خالته ، وبنتها لأنَّها أخته . وكذلك بنت صاحب اللبن ؛ لأنها أخته ، وأمِّه ؛ لأنّها جدته ، وأخته لأنَّها عمته ، وهكذا . غير أن التحريم لا يتعدَّى الرضيع إلى أحد من قرابته . فليس أخته من الرَّضاعة أختًا لأخيه ، ولا بنتًا لأبيه ، إذ لا رضاع بينهم . وحكمة ما ذكرناه : أن الشرع اعتبر في التحريم ما ينفصل من أجزاء المرأة وهو اللَّبن ، ويتصل بالرضيع ، فيغتذي به ، فتصير أجزاؤها أجزاءه ، فينتشر التحريم بينهما . واعتبر في حقّ صاحب اللبن : أن وجود اللَّبن بسبب مائه ، وغذائه . فأمَّا قرابات الرَّضيع فليس بينهم ولا بين المرضعة ، ولا زوجها نسبٌ ، ولا سببٌ . فَتَدَبَّرْهُ .