51 - قَالُوا : أَحَادِيثُ مُتَنَاقِضَةٌ الرَّضَاعُ بَعْدَ الْفِصَالِ قَالُوا : رُوِّيتُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ ، وَقَالَ : انْظُرْنَ ، مَا إِخْوَانُكُنَّ ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ ، يُرِيدُ مَا رَضَعَهُ الصَّبِيُّ فَعَصَمَهُ مِنَ الْجُوعِ ، ثُمَّ رُوِّيتُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ عَلَيَّ كَرَاهَةً فَقَالَ : أَرْضِعِيهِ . قَالَتْ : أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ ، فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ : أَلَسْتُ أَعْلَمَ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ؟ . وَقُلْتُمْ : قَالَ مَالِكٌ عَنِ الزَّهْرِيِّ : إِنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تُفْتِي بِأَنَّ الرَّضَاعَ يُحَرِّمُ بَعْدَ الْفِصَالِ حَتَّى مَاتَتْ ، تَذْهَبُ إِلَى حَدِيثِ سَالِمٍ ، قَالُوا : وَهَذَا طَرِيقٌ عِنْدَكُمْ مُرْتَضًى صَحِيحٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ وَلَا يُدْفَعَ . حَدِيثُ رَضَاعِ سَالِمٍ وَهُوَ كَبِيرٌ خَاصٌّ بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ . وَقَدْ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَغَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهُ كَانَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً ، غَيْرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُبَيِّنَّ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا لِسَالِمٍ وَنَحْنُ مُخْبِرُونَ عَنْ قِصَّةِ أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَالِمٍ وَالسَّبَبِ بَيْنَهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . أَمَّا أَبُو حُذَيْفَةَ فَهُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ فِي الْهِجْرَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُنَاكَ وُلِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَقُتِلَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَلَا عَقِبَ لَهُ . وَأَمَّا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فَإِنَّهُ بَدْرِيٌّ وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ وَفَاتِهِ : لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا مَا تَخَالَجَنِي فِيهِ الشَّكُّ . يُرِيدُ لَقَدَّمْتُهُ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ أَصْحَابُ الشُّورَى عَلَى تَقْدِيمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ قَدَّمَ صُهَيْبًا . وَكَانَ سَالِمٌ عَبْدًا لِامْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ سَلْمَى مِنْ بَنِي خَطْمَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ ثُبَيْتَةُ . وَكُلُّهُمْ مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ ، فَأَعْتَقَتْهُ فَتَوَلَّى أَبَا حُذَيْفَةَ وَتَبَنَّاهُ فَنُسِبَ إِلَيْهِ بِالْوَلَاءِ ، وَاسْتُشْهِدَ سَالِمٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَوَرِثَتْهُ الْمُعْتِقَةُ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقِبٌ وَلَا وَارِثٌ غَيْرَهَا ، وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدُّمِ أَبِي حُذَيْفَةَ وَسَالِمٍ فِي الْإِسْلَامِ وَجَلَالَتِهِمَا وَلُطْفِ مَحَلِّهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا ذَكَرَتْ لَهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ مَا تَرَاهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ عَلَيْهِ ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى مَوْلَاتِهِ الْمُعْتِقَةُ لَهُ وَيَدْخُلُ عَلَيْهَا كَمَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ النَّاشِئُ فِي مَنْزِلِ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ يُعْتَقُ فَيَدْخُلُ أَيْضًا بِالْإِلْفِ الْمُتَقَدِّمِ وَالتَّرْبِيَةِ . التَّرْخِيصُ فِي الدُّخُولِ لِبَعْضِ الرِّجَالِ بَأَسْبَابٍ . وَهَذَا مَا لَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ مِنْ مَثَلِ سَالِمٍ وَمِمَّنْ هُوَ دُونَ سَالِمٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي دُخُولِ مَنْ مَلَكْنَ عَلَيْهِنَّ وَدُخُولِ مَنْ لَا إِرْبَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ : كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، وَالطِّفْلِ ، وَالْخَصِيِّ ، وَالْمَجْبُوبِ ، وَالْمُخَنَّثِ ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ ذَوِي الْمَحَارِمِ فَقَالَ تَعَالَى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ يَعْنِي الْمُسْلِمَاتِ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ يَعْنِي الْعَبِيدَ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ يَعْنِي مَنْ يَتْبَعُ الرَّجُلَ وَيَكُونُ فِي حَاشِيَتِهِ كَالْأَجِيرِ وَالْمَوْلَى وَالْحَلِيفِ وَأَشْبَاهِ هَؤُلَاءِ وَلَيْسَ يَخْلُو سَالِمٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فِي النِّسَاءِ . وَلَعَلَّهُ كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْقِبْ ، أَوْ يَكُونُ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَرَعِ وَالدِّيَانَةُ وَالْفَضْلِ ، وَمَا خَصَّهُ بِهِ حَتَّى رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ أَهْلًا لِأُخُوَّةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَأْمُونًا عِنْدَهُ بَعِيدًا مِنْ تَفَقُّدِ النِّسَاءِ وَتَتَبُّعِ مَحَاسِنِهِنَّ بِالنَّظَرِ . وَقَدْ رُخِّصَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُسْفِرْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى مَعْرِفَتِهِنَّ لِلْقَاضِي وَالشُّهُودِ وَصُلَحَاءِ الْجِيرَانِ ، وَرُخِّصَ لِلْقَوَاعِدِ مِنَ النِّسَاءِ وَهُنَّ الطَّاعِنَاتُ فِي السِّنِّ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ . وَقَدْ كَانَ سَالِمٌ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَتَرَى هِيَ الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَلَوْلَا أَنَّ الدُّخُولَ كَانَ جَائِزًا مَا دَخَلَ ، وَلَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَنْهَاهُ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَحَلِّهِمَا عِنْدَهُ ، وَمَا أَحَبَّ مِنَ ائْتِلَافِهِمَا وَنَفْيِ الْوَحْشَةِ عَنْهُمَا أَنْ يُزِيلَ عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ وَيُطَيِّبَ نَفْسَهُ بِدُخُولِهِ ، فَقَالَ لَهَا : أَرْضِعِيهِ . وَلَمْ يُرِدْ ضَعِي ثَدْيَكِ فِي فِيهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْأَطْفَالِ ، وَلَكِنْ أَرَادَ احْلِبِي لَهُ مِنْ لَبَنِكِ شَيْئًا ، ثُمَّ ادْفَعِيهِ إِلَيْهِ لِيَشْرَبَهُ ، لَيْسَ يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِسَالِمٍ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى ثَدْيَيْهَا إِلَى أَنْ يَقَعَ الرَّضَاعُ ، فَكَيْفَ يُبِيحُ لَهُ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ ، وَمَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ مِنَ الشَّهْوَةِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُرْضِعُهُ وَهُوَ كَبِيرٌ ، فَضَحِكَ ، وَقَالَ : أَلَسْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرٌ ؟ وَضَحِكُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَلَطَّفَ بِهَذَا الرَّضَاعِ لِمَا أَرَادَ مِنَ الِائْتِلَافِ وَنَفْيِ الْوَحْشَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ سَالِمٍ كَانَ حَرَامًا ، أَوْ يَكُونُ هَذَا الرَّضَاعُ أَحَلَّ شَيْئًا كَانَ مَحْظُورًا ، أَوْ صَارَ سَالِمٌ لَهَا بِهِ ابْنًا . وَمِثْلُ هَذَا مِنْ تَلَطُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ بِرَجُلٍ قَدْ قَتَلَ حَمِيمًا لَهُ فَقَالَ لَهُ : أَتَأْخُذُ الدِّيَةَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَفَتَعْفُو ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَاذْهَبْ فَاقْتُلْهُ . قَالَ : فَلَمَّا جَاوَزَ بِهِ الرَّجُلُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ . فَخُبِّرَ الرَّجُلُ بِمَا قَالَ فَتَرَكَهُ ، فَوَلَّى وَهُوَ يَجُرُّ نِسْعَهُ فِي عُنُقِهِ . وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْمَأْثَمِ وَاسْتِيجَابِ النَّارِ إِنْ قَتَلَهُ ، وَكَيْفَ يُرِيدُ هَذَا وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ قَتْلَهُ بِالْقِصَاصِ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ ، وَأَحَبَّ لَهُ الْعَفْوَ فَأَوْهَمَهُ أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْإِثْمِ لِيَعْفُوَ عَنْهُ ، وَكَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ نَفْسًا كَمَا قَتَلَ الْأَوَّلُ نَفْسًا ، فَهَذَا قَاتِلٌ وَذَاكَ قَاتِلٌ ، فَقَدِ اسْتَوَيَا فِي قَاتِلٍ وَقَاتِلٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ ظَالِمٌ وَالْآخَرَ مُقْتَصٌّ .
أصل
تأويل مختلف الحديثأَحَادِيثُ مُتَنَاقِضَةٌ الرَّضَاعُ بَعْدَ الْفِصَالِ · ص 434 الاعتبار في الناسخ والمنسوخحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ · ص 659 وَمِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ (ح 301) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عِيسَى ، أَنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، ثَنَا عَنْبَسَةُ ، وحَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ : إِنْ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ تَبَنَّى سِالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدًا . وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَوَرِثَ ميراثه حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ أَبًا كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ . فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ ثُمَّ الْعَامِرِيِّ ، وَهِيَ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، وَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَيَرَانِي فَضْلًا ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا عَلِمْتَ ، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْضِعِيهِ . فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضْعَاتٍ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضْعَاتٍ ، ويَدْخُلُ عَلَيْهَا ، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فيَ الْمَهْدِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : وَاللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ . هَذَا حَدِيثٌ صحيح ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ دَارِ الْهِجْرَةِ ، وَلَهُ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ طُرُقٌ ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ : مِنْهَا عِدَّةُ أَحْكَامٍ مِنْ مَفَارِيدِ الْمَدَنِيِّينَ . وَأَمَّا مُدَّةُ الرَّضَاع الَّتي يَتَعَلَّقُ بِالرَّضَاعِ فِيهَا التَّحْرِيمُ اخْتُلِفَ فِيهَا : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنَّهَا حَوْلَانِ ، وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ وَالأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ . وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ قَالُوا : فَدَلَّ على أَنَّ مُدَّةَ الْحَوْلَيْنِ إِذَا انْقَضَتْ فَقَدِ انْقَطَعَ حُكْمُهَا ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا زَادَ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى : إِنْ زَادَ شَهْرٌ جَازَ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : إِنْ زَادَ شَهْرَيْنِ جَازَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يحرم الرَّضَاعُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا . وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ : ثَلَاثُ سِنِينَ . وَمَذْهَبُ عَائِشَةَ أَنَّهُ يحرم أَبَدًا ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ . وَخَالَفَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ كَافَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ حَمَلَ أَصْحَابُنَا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ ، وَإِمَّا عَلَى النَّسْخِ ، وَلَمْ يَرَوُا الْعَمَلَ بِهِ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ هُوَ الْخَمْسُ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْعَمَلَ بِبَاقِي الْحَدِيثِ وَذَلِكَ سَائِغٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : إِنَّ الْخَبَرَ يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ رَضَاعُ الْكَبِيرِ ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى عدد الْخَمْسِ ، فَإِذَا جَرَى النَّسْخُ فِي أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى ، لَمْ يُوجِبْ نَسْخُ الْآخَرِ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَنْسُوخٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قِصَّةَ سَالِمٍ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ ؛ لِأَنَّهَا جَرَتْ عُقَيْبَ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ . وَالْحُكْمُ الثَّانِي رَوَاهُ أَحْدَاثُ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٌ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمْ نَحْوُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ لَا خَفَاءَ بِهِ . (ح 302) قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِيِّ ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دُبَيْسٍ ، وَغَيْرُهُمَا قَالُوا : ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ بُرْدٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، ثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يُسْنِدْهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرُ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ . (ح 303) وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ ، أَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، قَالَ : كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَدَّثَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ ، وَلَا يَحْرُمُ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ مِنَ اللَّبَنِ . هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ اقْتَصَرْنَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ ، وَهُوَ جَيِّدٌ فِي التَّمَسُّكِ بِهِ .