حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ
وَمِنْ كِتَابِ الرَّضَاعِ
(ح 301)
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي عِيسَى ، أَنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، ثَنَا عَنْبَسَةُ ، وحَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ
وَأُمِّ سَلَمَةَ : إِنْ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ تَبَنَّى سِالِمًا وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدًا .
وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَوَرِثَ ميراثه حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ فَرُدُّوا إِلَى آبَائِهِمْ ، فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ أَبًا كَانَ مَوْلًى وَأَخًا فِي الدِّينِ .
فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ ثُمَّ الْعَامِرِيِّ ، وَهِيَ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، وَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَيَرَانِي فَضْلًا ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا عَلِمْتَ ، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْضِعِيهِ . فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضْعَاتٍ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا وَبَنَاتِ إِخْوَتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضْعَاتٍ ، ويَدْخُلُ عَلَيْهَا ، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَرْضَعَ فيَ الْمَهْدِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : وَاللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ .
هَذَا حَدِيثٌ صحيح ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ دَارِ الْهِجْرَةِ ، وَلَهُ عِنْدَ الْمَدَنِيِّينَ طُرُقٌ ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ :
مِنْهَا عِدَّةُ أَحْكَامٍ مِنْ مَفَارِيدِ الْمَدَنِيِّينَ .
وَأَمَّا مُدَّةُ الرَّضَاع الَّتي يَتَعَلَّقُ بِالرَّضَاعِ فِيهَا التَّحْرِيمُ اخْتُلِفَ فِيهَا :
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إِنَّهَا حَوْلَانِ ، وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ ، رُوِيَ ذَلِكَ
عَنْ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ وَالأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ .
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ قَالُوا : فَدَلَّ على أَنَّ مُدَّةَ الْحَوْلَيْنِ إِذَا انْقَضَتْ فَقَدِ انْقَطَعَ حُكْمُهَا ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا زَادَ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى : إِنْ زَادَ شَهْرٌ جَازَ .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : إِنْ زَادَ شَهْرَيْنِ جَازَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يحرم الرَّضَاعُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا .
وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ : ثَلَاثُ سِنِينَ .
وَمَذْهَبُ عَائِشَةَ أَنَّهُ يحرم أَبَدًا ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ .
وَخَالَفَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ كَافَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ حَمَلَ أَصْحَابُنَا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إِمَّا عَلَى الْخُصُوصِ ، وَإِمَّا عَلَى النَّسْخِ ، وَلَمْ يَرَوُا الْعَمَلَ بِهِ .
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ هُوَ الْخَمْسُ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْعَمَلَ بِبَاقِي الْحَدِيثِ وَذَلِكَ سَائِغٌ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : إِنَّ الْخَبَرَ يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ رَضَاعُ الْكَبِيرِ ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى عدد الْخَمْسِ ، فَإِذَا جَرَى النَّسْخُ فِي أَحَدِهِمَا لِمَعْنًى ، لَمْ يُوجِبْ نَسْخُ الْآخَرِ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَنْسُوخٌ ؛ وَذَلِكَ
أَنَّ قِصَّةَ سَالِمٍ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ ؛ لِأَنَّهَا جَرَتْ عُقَيْبَ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ .
وَالْحُكْمُ الثَّانِي رَوَاهُ أَحْدَاثُ الصَّحَابَةِ وَجَمَاعَةٌ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمْ نَحْوُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي النَّسْخِ لَا خَفَاءَ بِهِ .
(ح 302)
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِيِّ ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ، أَنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دُبَيْسٍ ، وَغَيْرُهُمَا قَالُوا : ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ بُرْدٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، ثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يُسْنِدْهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرُ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ .
(ح 303)
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ الْأَدِيبُ ، أَنَا سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ ، أَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ ، قَالَ :
كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَدَّثَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ ، وَلَا يَحْرُمُ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ مِنَ اللَّبَنِ .
هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ اقْتَصَرْنَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ ، وَهُوَ جَيِّدٌ فِي التَّمَسُّكِ بِهِ .