عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهَا
وَمِنْ كِتَابِ الْعِدَّةِ
ذِكْرُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهَا
(ح 298)
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَرْوَزِيُّ ، ثَنَا الْوَاقِدِيُّ ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَوَّلُ امْرَأَةٍ اعْتَدَّتْ مِنْ زَوْجِهَا وَحَدَّتْ عَلَيْهِ جَمِيلَةُ بِنْتُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، لَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا حَنْظَلَةُ بْنُ أبي عَامِرٍ بِأُحُدٍ ، سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اعْتَدِّي فِي بَيْتِكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَأَمَرَهَا بِاجْتِنَابِ الطِّيبِ .
فأَخَذَ بِذَلِكَ النِّسَاءُ اللَّاتِي قُتِلَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأُحُدٍ ، وَشَكَا نِسَاءُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْوَحْشَةَ فِي دُورِهِنَّ ؛ لِفَقْدِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ ، فَأَمَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَحَدَّثْنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ منهن حَتَّى يَرِدْنَ النَّوْمَ ، فَتَرْجِعُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى بَيْتِهَا .
هَذَا السَّنَدُ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ وَشَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ السَّبْرِيُّ ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي مَسْكَنِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَخُرُوجُهَا مِنُهُ .
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ ، وَلَا بَأْسَ بِانْتِقَالِهَا مِنْ مَسْكَنِهَا إِلَى مَسْكَنٍ آخَرَ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
قُلْتُ : الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ لَا يَسْتَقِيمُ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، إِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ أذن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ نَهَارًا إِلَى حَالَةِ النَّوْمِ ، وَالنِّزَاعُ فِي الِانْتِقَالِ ، لَا فِي التَّرَدُّدِ .
وَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهَا لِلْحَاجَةِ ، وَعَلَى هَذَا الْمَسَاقِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَلَا وَجْهَ فِي الْمَصِيرِ فِيهِ
إِلَى النَّسْخِ ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ فِي حَدِيثِ فُرَيْعَةَ ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَسْكَنِهَا ، وَلَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ . رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ: عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .
وَجَوَّزَ هَؤُلَاءِ خُرُوجَهَا نَهَارًا لِلْحَاجَةِ ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَذِنَ لَهُنَّ فِي الِانْتِقَالِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ .
دَلِيلُ ذَلِكَ :
(ح 299)
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وأخبرَنَا جَمَاعَةٌ قَالُوا : أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ محمد ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْحَافِظِ ،
أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، ثنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ شُعْبَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سَعدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ ، عَنِ الْفَارِعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ : أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْلَاجٍ وَكَانَتْ فِي دَارٍ قَاصِيَةٍ ، فَجَاءَتْ وَمَعَهَا أَخَوَاهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرُوا لَهُ فَرَخَّصَ لَهَا حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ دَعَاهَا ، فَقَالَ : اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
(ث 043) وَأَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْرِيُّ ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ ، أَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئ ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : قال اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا الْآيَةَ .
وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ للفارعَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وَكَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا : امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَامِلٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، ومَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ ، أَوْ كَبِيرَةً قَدْ بَلَغَتْ .
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي مَسْكَنِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَخُرُوجُهَا مِنْهُ .
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : عَلَيْهَا أَنْ تَبِيتَ فِي مَنْزِلِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، هَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَالنُّعْمَانِ ، وأصحابه ، وَقَدْ رُوِّينَا أَخْبَارًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ تَدَلُّ عَلَى مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ ، هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَرُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ هُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي .
(ث 044)
أَخْبَرْنَاهُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ ،
أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حمد ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، ثَنَا يَزِيدُ ، ثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا إلى أَهْلِهَا ، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : غَيْرَ إِخْرَاجٍ .
(ح 300)
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ ، أَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ ، أَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ ، أَنَا أَبُو حُمَةَ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ،
عَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا : أَنَّ زَوْجَهَا قُتِلَ عِنْدَ طَرَفِ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ : الْقَدُومُ ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْتَأْذِنُهُ فِي الِانْتِقَالِ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ : وَكَانَتْ فِي مَسْكَنٍ لَيْسَ لِزَوْجِهَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَكَتْ إِلَيْهِ قِلَّةَ النَّفَقَةِ ، قَالُوا : فَأَذِنَ لَهَا ، فَلَمَّا أَدْبَرَتْ دَعَاهَا فَقَالَ : امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ . فَفَعَلَتْ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ : ثُمَّ سَأَلَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَنْ شَأَنِهَا هَذَا فَأَخْبَرَتْهُ ، فَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ .
وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حَتَّى يُبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، بَعْدَ إِذْنِهِ لَهَا فِي الِانْتِقَالِ إِلَى أَهْلِهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .