[36] ( 1457 ) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ " عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ : هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ ، قَالَتْ : فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ " ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَوْلَهُ : يَا عَبْدُ . ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ غَيْرَ أَنَّ مَعْمَرًا ، وَابْنَ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِمَا : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلَمْ يَذْكُرَا : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ . [37] ( 1458 ) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ : ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ " . وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ فَقَالَ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَمَّا عَبْدُ الْأَعْلَى فَقَالَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ زُهَيْرٌ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ عَمْرٌو : ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ مَرَّةً عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ . ( 10 ) باب الولد للفراش وتوقي الشبهات قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ " ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْعَاهِرُ الزَّانِي وَعَهَرَ : زَنَى ، وَعَهَرَتْ زَنَتْ ، وَالْعَهْرُ : الزِّنَا ، وَمَعْنَى له الْحَجَرِ أَيْ لَهُ الْخَيْبَةُ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ تَقُولَ : لَهُ الْحَجَرُ وَبِفِيهِ الْأَثْلَبُ ، وَهُوَ التُّرَابُ . وَنَحْوَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخَيْبَةُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْحَجَرِ هُنَا أَنْ يُرْجَمَ بِالْحِجَارَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ زَانٍ يُرْجَمُ ، وَإِنَّمَا يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ خَاصَّةً ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ رَجْمِهِ نَفْيُ الْوَلَدِ عَنْهُ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَةٌ أَوْ مَمْلُوكَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَصَارَ وَلَدًا يَجْرِي بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الشَّبَهِ أَمْ مُخَالِفًا . وَمُدَّةُ إِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ اجْتِمَاعِهِمَا . أَمَّا مَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً صَارَتْ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ عَقْدِ النِّكَاحِ ، وَنَقَلُوا فِي هَذَا الْإِجْمَاعَ وَشَرَطُوا إِمْكَانَ الْوَطْءِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْفِرَاشِ . فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ نَكَحَ الْمَغْرِبِيُّ مَشْرِقِيَّةً وَلَمْ يُفَارِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَطَنَهُ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَلْحَقْهُ لِعَدَمِ إِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ . هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَلَمْ يَشْتَرِطِ الْإِمْكَانَ بَلِ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ . قَالَ : حَتَّى لَوْ طَلَّقَ عَقِبَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ إِمْكَانِ وَطْءٍ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ لَحِقَهُ الْوَلَدُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ وَهُوَ حُصُولُ الْإِمْكَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ ، هَذَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ . وَأَمَّا الْأَمَةُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ ، وَلَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ فِي مِلْكِهِ سِنِينَ وَأَتَتْ بِأَوْلَادٍ وَلَمْ يَطَأْهَا وَلَمْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا لَا يَلْحَقُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ فِرَاشًا ، فَإِذَا أَتَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ بِوَلَدٍ أَوْ أَوْلَادٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ لَحِقُوهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إِلَّا إِذَا وَلَدَ وَلَدًا وَاسْتَلْحَقَهُ ، فَمَا تَأْتِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْحَقُهُ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ ، قَالَ لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ لَصَارَتْ بِعَقْدِ الْمِلْكِ كَالزَّوْجَةِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : الْفَرْقُ أَنَّ الزَّوْجَةَ تُرَادُ لِلْوَطْءِ خَاصَّةً فَجَعَلَ الشَّرْعُ الْعَقْدَ عَلَيْهَا كَالْوَطْءِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ ، وَأَمَّا الْأَمَةُ تُرَادُ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَأَنْوَاعٍ مِنَ الْمَنَافِعِ غَيْرِ الْوَطْءِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ وَأُمًّا وَابْنَتَهَا ، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَمْ تَصِرْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِرَاشًا فَإِذَا حَصَلَ الْوَطْءُ صَارَتْ كَالْحُرَّةِ وَصَارَتْ فِرَاشًا . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ الْمَذْكُورَ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ مَصِيرُ أَمَةِ أَبِيهِ زَمْعَةَ فِرَاشًا لِزَمْعَةَ فَلِهَذَا أَلْحَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ الْوَلَدَ . ثُبُوتُ فِرَاشِهِ إِمَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ وَإِمَّا بِعِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ . وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِزَمْعَةَ وَلَدٌ آخَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ قَبْلَ هَذَا وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ خِلَافَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ عَلَى مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ فِي اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : يِجَوَزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الْوَارِثُ نَسَبًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَائِزًا لِلْإِرْثِ أَوْ يَسْتَلْحِقَهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ ، وَبِشَرْطِ أَنْ يُمْكِنَ كَوْنُ الْمُسْتَلْحَقِ وَلَدًا لِلْمَيِّتِ ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَبِشَرْطِ أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُسْتَلْحَقُ إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا . وَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا الْوَلَدِ الَّذِي أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَمْعَةَ حِينَ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ . وَيَتَأَوَّلُ أَصْحَابُنَا هَذَا تَأْوِيلَيْنِ : أَحَدَهُمَا أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ عبد اسْتَلْحَقَتْهُ مَعَهُ وَوَافَقَتْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَكُونَ كُلُّ الْوَرَثَةِ مُسْتَلْحِـقِينَ ، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي أَنَّ زَمْعَةَ مَاتَ كَافِرًا فَلَمْ تَرِثْ سَوْدَةُ لِكَوْنِهَا مُسْلِمَةً وَوَرِثَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ) فَأَمَرَهَا بِهِ نَدْبًا وَاحْتِيَاطًا ، لِأَنَّهُ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ أَخُوهَا لِأَنَّهُ أُلْحِقَ بِأَبِيهَا ، لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّبَهَ الْبَيِّنَ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَائِهِ فَيَكُونَ أَجْنَبِيًّا مِنْهَا فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ احْتِيَاطًا . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ ( احْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَكِ ) وَقَوْلُهُ : ( لَيْسَ بِأَخٍ لَكِ ) لَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ هِيَ زِيَادَةٌ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِلزِّنَا فَمَنِ اعْتَرَفَتِ الْأُمُّ بِأَنَّهُ لَهُ أَلْحَقُوهُ بِهِ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ وَبِإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْفِرَاشِ الشَّرْعِيِّ ، فَلَمَّا تَخَاصَمَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَامَ سَعْدٌ بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عُتْبَةُ مِنْ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَعْدٌ بُطْلَانَ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ إِلْحَاقُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، إِمَّا لِعَدَمِ الدَّعْوَى ، وَإِمَّا لِكَوْنِ الْأُمِّ لَمْ تَعْتَرِفْ بِهِ لِعُتْبَةَ ، وَاحْتَجَّ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ بِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ فَحَكَمَ لَهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( رَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّه الشَّبَهَ وَحُكْمَ الْقَافَةِ إِنَّمَا يُعْتَمَدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَقْوَى مِنْهُ كَالْفِرَاشِ كَمَا لَمْ يَحْكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّبَهِ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ جَاءَ عَلَى الشَّبَهِ الْمَكْرُوهِ . وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ بِالزِّنَا لَهُ حُكْمُ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ : لَا أَثَرَ لِوَطْءِ الزِّنَا ، بَلْ لِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وابْنَتَهَا ، بَلْ زَادَ الشَّافِعِيُّ فَجَوَّزَ نِكَاحَ الْبِنْتِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ مَائِهِ بِالزِّنَا . قَالُوا وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّ سَوْدَةَ أُمِرَتْ بِالِاحْتِجَابِ . وَهَذَا احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ ذَكَرَهُ ، لِأَنَّ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِنَ الزِّنَا وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ سَوْدَةَ لَا يَحِلُّ لَهَا الظُّهُورُ لَهُ سَوَاءٌ أُلْحِقَ بِالزَّانِي أَمْ لَا ، فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الْأَمْرَ فِي الْبَاطِنِ ، فَإِذَا حُكِمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ زُورٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحِلَّ الْمَحْكُومُ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ . وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ وَأَنَّهُ أَخٌ لَهُ وَلِسَوْدَةَ ، وَاحْتُمِلَ بِسَبَبِ الشَّبَهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ عُتْبَةَ فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يُحِيلُ الْبَاطِنَ لَمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ · ص 30 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الولد للفراش · ص 194 ( 26 ) باب الولد للفراش ( 1457 ) ( 36 ) [1521] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ؛ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ ، قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ . ( 26 ) ومن باب : الولد للفراش ( قوله : اختصم سعد بن أبي وقاص ، وعبد بن زمعة في غلام ) سببُ هذا الاختصام : أنهم كانوا يبتاعون الإماء في الجاهلية ، ويستأخرونهن للوطء ، ويُلحقون النسب بالزنى ، فمن ألحقته المزنيُّ بها التحق به ، ومن ألحقه بنفسه من الزناة بها التحق به إذا لم ينازعه غيره . فكان عتبة بن أبي وقاص قد وقع بأَمَةِ زمعة ؛ فحملت فولدت غلامًا ، فلمَّا حضرت وفاةُ عتبة عَهِدَ لأخيه سعدٍ بأن يأخذه إليه ، لأنه ابنه ، ثم مات عتبة على شركه ، فحينئذٍ تخاصم سعد مع عبد بن زمعة في ذلك الغلام ، فاحتجّ سعد باستلحاق أخيه عتبة له على عاداتهم في الاستلحاق بالزنى . وتمسَّك عبدٌ بفراش أبيه ، وكأنَّ عبدًا كان قد سمع : أن الشرع يُلْحق بالفراش . وإلاَّ فلم تكن عادتهم الإلحاق به . فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالولد لصاحب الفراش ، وقطع الإلحاق بالزنى بقوله : ( وللعاهر الحجر ) . و( قول عبد بن زمعة في الغلام : أخي ، وابن وليدة أبي ) تمسَّك به الشافعي : على أن الأخ يستلحق ، ومنعه مالك وقال : لا يستلحق إلا الأب خاصَّة ؛ لأنه لا يتنزل غيره في تحقيق الإصابة منزلته . وقد اعتذر لمالك عن ذلك الظاهر بوجهين : أحدهما : أن الحديث ليس نصًّا في أنه ألحقه به بمجرد نسبة الأخوة ، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم علم وطء زمعة تلك الأمة بطريق اعتمدها من اعترافٍ ، أو غيره ، فحكم بذلك ، لا باستلحاق الأخ . والثاني : أن حكمه به لم يكن لمجرد الاستلحاق ، بل بالفراش . ألا ترى قوله : ( الولد للفراش ) ؟ وهذا تقعيد قاعدة ، فإنه لَمَّا انقطع إلحاق هذا الولد بالزاني ، لم يَبق إلا أن يلحق بصاحب الفراش ؛ إذ قد دار الأمر بينهما . وهذا أحسن الوجهين . وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة ، حيث يقول : إن الولد لا يلحق إلا إذا تقدَّمه ولد سابق ، على ما حكاه عنه الإمام أبو عبد الله المازري . و( قوله : فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة ، وقال : ( هو لك يا عبد ) يدلُّ على أن الشبه لا يعمل عليه في الإلحاق عند وجود ما هو أقوى منه ، فإنَّه ألغاه هنا ، وحكم بالإلحاق لأجل الفراش ، كما ألغاه في حديث اللعان لأجل اللعان . وأمَّا في حديث القافة : فليس له هناك معارض هو أقوى منه ، فأُعْمِل . و( قوله : هو لك يا عَبْدُ ) هكذا الرواية بإثبات ( يا ) النداء و( عبد ) منادى مفرد ، يريد به : عبد بن زمعة ، ولا شك في هذا . وقد وقع لبعض الحنفية : ( عبْدُ ) بغير ( يا ) فنوَّنه . وفرَّ بذلك عمَّا لزمهم من إلحاق الولد من غير اشتراط ولد متقدم . وقالوا : إنما ملَّكَه إياه ؛ لأنه ابن أَمَةِ أبيه ، لا أنَّه ألحقه بأبيه . وهذه غفلةٌ عن الرواية واللسان . أمَّا الرواية : فقد ذكرناها . وأمَّا اللسان : فلو سلَّمنا أن الرواية بغير ( يا ) فالمخاطب عبد بن زمعة ، وهو بلا شك : منادى ، إلا أن العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام ؛ كما قال تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ، وهو كثير . و( عبد ) هنا : اسم علمٌ يجوز حذفُ حرف النداء منه . و( قوله : الولد للفراش ) الفراش هنا : كناية عن الموطوءة ؛ لأن الواطئ يستفرشها ؛ أي : يُصَيِّرها كالفراش . ويعني به : أن الولد لاحِقٌ بالواطئ . قال الإمام : وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش ، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرَّة . واحتجُّوا بقول جرير : باتت تعانقه وبات فراشها خلق العباءة في الدماء قتيلاً يعني : زوجها ، والأول أولى لما ذكرناه من الاشتقاق ، ولأن ما قدَّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلُّ عليه ، ولا يُحوج إليه . وعلى ما أصَّلناه فقد أخذ بعموم قوله : ( الولد للفراش ) الشعبيُّ ، ومن قال بقوله . فقال : الولد لا ينتفي عمَّن له الفراش لا بلعان ، ولا غيره . وهو شذوذ ، وقد حكي عن بعض أهل المدينة ، ولا حجة لهم في ذلك العموم لوجهين : أحدهما : أنه خرج على سبب ولد الأمة ، فيُقصر على سببه . وثانيهما : أن الشرع قد قعَّد قاعدة اللّعان في حقّ الأزواج ، وأن الولد ينتفي بالتعانهما ، فيكون ذلك العموم المظنون مخصَّصًا بهذه القاعدة المقطوع بها . ولا يختلف في مثل هذا الأصل . و( قوله : وللعاهر الحجر ) العاهر : الزاني . وهو اسم فاعل من : عَهَرَ الرَّجلُ المرأة ، يعْهَرُهَا : إذا أتاها للفجور . وقد عهرت هي ، وتعيهرت ؛ إذا زنت . والعهر : الزنى . واختلف في معنى : ( للعاهر الحجر ) . فمنهم من قال : عنى به الرَّجم للزاني المحصن . ومنهم من قال : يعني به : الخيبة ؛ أي : لا حظَّ له في الولد ؛ لأن العرب تجعل هذا مثلاً . كما يقولون : امتلأت يده ترابًا ؛ أي : خيبة . قلت : وكأن هذا هو الأشبه بمساق الحديث ، وبسببه . وهي حاصلة ؛ أي : الخيبة لكل الزناة . فيكون اللفظ محمولاً على عمومه . وهو الأصل . ويؤخذ دليل الرَّجم من موضع آخر . وحمله على الزاني المحصن تخصيص اللفظ من غير حاجة ولا دليل . و( قوله صلى الله عليه وسلم لسودة : ( احتجبي منه ) يُستَدلُّ به على إعطاء الشوائب المختلفة أحكامها المختلفة ؛ فإنه ألحق الولد بصاحب الفراش ، وأمر سودة بالاحتجاب من الغلام الملحق ، وإن كان أخاها شرعًا للشَّبَه . وهذا منه صلى الله عليه وسلم من باب الاحتياط ، وتوقَّي الشُّبهات . ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق سودة ؛ لأنها من زوجاته رضي الله عنهنّ . وقد غلّظ ذلك في حقهنَّ ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لحفصة وعائشة في حق ابن أم مكتوم : ( أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه ؟! ) . وقال لفاطمة بنت قيس : ( انتقلي إلى بيت ابن أمِّ مكتوم ، تضعين ثيابك عنده ) فأباح لها ما منعه لأزواجه . وفيه ما يدلُّ على أن وطء الزنى يُوجب الحرمة . وهو مذهب أهل الرأي ، والثوري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وهو أحد قولي مالك ، وروي عنه في الموطأ : أنه لا يُحرِّم ، وهو قول الشافعي ، وأبي ثور . وهو الصحيح ؛ لأن وطء الزنى لا حرمة له اتفاقًا ، فلا تكون له محرمية . وتفصيله في الخلاف . وعلى القول بأنَّه لا يحرّم ، يكون الأمر لسودة بالاحتجاب من الملحق واجبا .