[38] ( 1459 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ " ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ، فَقَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ : إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ ؟ [39] - وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ " ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ ، وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ " . [40] - وَحَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَ قَائِفٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ . وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَزَادَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ وَكَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا . ( 11 ) بَاب الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ : إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ ؟ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَوْلُهُ : ( تَبْرُقُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ تُضِيءُ وَتَسْتَنِيرُ مِنَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ وَ( الْأَسَارِيرُ ) هِيَ الْخُطُوطُ الَّتِي فِي الْجَبْهَةِ وَاحِدُهَا سِرٌّ وَسُرُورٌ وَجَمْعُهُ أَسْرَارٌ وَجَمْعُ الْجَمْعِ ( أَسَارِيرُ ) وَأَمَّا ( مُجَزِّزٌ ) فَبِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ زَايٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ زَايٍ أُخْرَى ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَعَبْدِ الْغَنِيِّ أَنَّهُمَا حَكَيَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ بِفَتْحِ الزَّاي الْأُولَى . وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَبِي عَلِيٍّ الْغَسَّانِيِّ أَنَّ ابنَ جُرَيْجٍ قَالَ أَنَّهُ ( مُحْرِزٍ ) بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ . وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . وَهُوَ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَكَسْرِ اللَّامِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَكَانَتِ الْقِيَافَةُ فِيهِمْ وَفِي بَنِي أَسَدٍ تَعْتَرِفُ لَهُمُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ . وَمَعْنَى نَظَرَ آنِفًا أَيْ قَرِيبًا وَهُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِقَصْرِهَا وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقْدَحُ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ ، كَذَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، فَلَمَّا قَضَى هَذَا الْقَائِفُ بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَمِدُ قَوْلَ الْقَائِفِ فَرِحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ زَاجِرًا لَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ ، قَالَ الْقَاضِي : قَالَ غَيْرُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ : كَانَ زَيْدٌ أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَأُمُّ أُسَامَةَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا ( بَرَكَةُ ) وَكَانَتْ حَبَشِيَّةً سَوْدَاءَ . قَالَ الْقَاضِي : هِيَ بَرَكَةُ بِنْتُ مُحْصَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُصَيْنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْقَائِفِ ، فَنَفَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ . وَأَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ إِثْبَاتُهُ فِي الْإِمَاءِ وَنَفْيُهُ فِي الْحَرَائِرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِثْبَاتُهُ فِيهِمَا . وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ مُجَزِّزٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لِكَوْنِهِ وَجَدَ فِي أُمَّتِهِ مَنْ يُمَيِّزُ أَنْسَابَهَا عِنْدَ اشْتِبَاهِهَا وَلَوْ كَانَتِ الْقِيَافَةُ بَاطِلَةً لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ سُرُورُهُ . وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقَائِفِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ ؟ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ . وَقَالَ مَالِكٌ : يُشْتَرَطُ اثْنَانِ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ لِلِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اخْتِصَاصِهِ بِبَنِي مُدْلِجٍ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِهَذَا مُجَرِّبًا ، وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقَائِفِ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا أَشْكَلَ مِنْ وَطْأَيْنِ مُحْتَرَمَيْنِ كَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ يَطَآنِ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ فِي طُهْرٍ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي ، وَلِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْأَوَّلِ ، وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْقَائِفِ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا لُحِقَ بِهِ ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا تُرِكَ الْوَلَدُ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَنْتَسِبَ إِلَى مَنْ يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا . وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا فَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَتْرُكُهُ يَبْلُغُ فَيَنْتَسِبُ إِلَى مَنْ يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَسَحْنُونٌ : يَكُونُ ابْنًا لَهُمَا . وَقَالَ الْمَاجِشُونُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيَّانِ : يَلْحَقُ بِأَكْثَرِهِمَا لَهُ شَبَهًا قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ : إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ الْأَوَّلُ فَيَلْحَقَ بِهِ . وَاخْتَلَفَ النَّافُونَ لِلْقَائِفِ فِي الْوَلَدِ الْمُتَنَازِعِ فِيهِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْحَقُ بِالرَّجُلَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيهِ ، وَلَوْ تَنَازَعَ فِيهِ امْرَأَتَانِ لَحِقَ بِهِمَا . وقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ : يَلْحَقُ بِالرَّجُلَيْنِ إِلَّا بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ · ص 33 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب قبول قول القافة في الولد · ص 198 ( 27 ) باب قبول قول القافة في الولد ( 1459 ) ( 38 و39 ) [1522] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . وفي رواية : عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤوسَهُمَا ، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ . وفي رواية : وكان مجزز قائفا . ( 27 ) ومن باب : قبول قول القافة في الولد ( قول عائشة رضي الله عنها : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورًا تبرقُ أسارير وجهه ) وفي رواية : ( أسارير جبهته ) وهي : الطرائق الدقيقة ، والتكَسُّر اليسير الذي يكون في الجبهة والوجه ، والغضون أكثر من ذلك . وواحد الأسارير : أسرار ، وواحدها : سِرٌّ وسَرَرٌ . فأسارير : جَمْعُ الجمع . ويجمع في القلة أيضًا : أسرّة . وهذا عبارة عن انطلاق وجهه ، وظهور السرور عليه ، ويُعَبِّر عن خلاف ذلك بالمقطب ؛ أي : المجمع . فكأنَّ الحزن والغضب جَمَعَهُ وقبضَه . و( مُجَزِّز )- بفتح الجيم ، وكسر الزاي الأولى - هو المعروف عند الحفَّاظ . وكان ابن جريج يقول : مجزز - بفتح الزاي - . وقيل عنه أيضًا : مُحْرِز - بحاء مهملة ساكنة ، وراء مكسورة - . والصَّواب الأول . فإنه روي أنه إنما سُمِّي مُجززًا ؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا جز ناصيته . وقيل : حلق لحيتَه . قاله الزُّبيري . وكان من بني مُدلج ، وكانت القِيافة فيهم وفي بني أسد . قال الإمام أبو عبد الله : كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة ، لكونه أسود شديد السَّواد ، وكان زيدٌ أبوه أبيض من القطن . هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح . قال القاضي : وقال غير أحمد : كان زيدٌ أزهر اللون ، وكان أسامةُ شديد الأُدْمة . وزيد بن حارثة عربيٌّ صريحٌ من كلب ، أصابه سِبَاءٌ ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، فوهبته للنبي صلى الله عليه وسلم فتبنَّاه ، فكان يُدْعَى : زيدَ بنَ محمد . حتى نزل قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ فقيل : زيد بن حارثة . وابن زيد أسامة ، وأمُّه أمُّ أيمن : بركة ، وكانت تُدْعَى : أم الظِّباء ، مولاة عبد الله بن عبد المطلب ، وداية رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولم أر لأحد أنها كانت سوداء ، إلا ما روي عن ابن سيرين في تاريخ أحمد بن سعيد . فإن كان هذا ؛ فلهذا خرج أسامة أسود ، لكن لو كان هذا صحيحًا لم ينكر النَّاس لونه ؛ إذ لا ينكر أن يلد الإنسان أسود من سوداء . وقد نسبها الناس فقالوا : أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان . وقد ذكر مسلم في الجهاد عن ابن شهاب : أن أم أيمن كانت من الحبش وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب : أبي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكره الواقديُّ . وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم بركة أخرى حبشية ، كانت تخدم أمِّ حبيبة ، فلعلّه اختلط اسمها على ابن شهاب ، على أن أبا عمر قد قال في هذه : أظنَّها أمَّ أيمن . أو لعلّ ابن شهاب نسبها إلى الحبشة ؛ لأنها من مهاجرة الحبشة ، والله تعالى أعلم . وقلت : هذا أظهر ، وتزوَّجها عبيد بن زيد من بني الحارث ، فولدت له أيمن ، وتزوَّجها بعده زيد بن حارثة بعد النُّبوة ، فولدت له أسامة . شهدت أحدًا ، وكانت تداوي الجرحى . وشهدت خيبر ، وتوفيت في أول خلافة عثمان بعشرين يومًا . روى عنها ابنها أنس ، وأنس بن مالك ، وطارق بن شهاب . قالت أم أيمن : بات رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت ، فقام من الليل ، فبال في فخارة ، فقمت وأنا عطشى ، لم أشعر ما في الفخارة ، فشربت ما فيها ، فلما أصبحنا . قال : ( يا أم أيمن ! أهريقي ما في الفخارة ) قلت : والذي بعثك بالحق ! لقد شربت ما فيها ، فضحك حتى بدت نواجذه ، قال : ( إنه لا تتجعّنَّ بطْنُك بعدها أبدًا ) . و( القطيفة ) : كساء غليظ . وقد استدل جمهور العلماء على إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبي صلى الله عليه وسلم بقول هذا القائف . وما كان صلى الله عليه وسلم بالذي يسر بالباطل ، ولا يعجبه . ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة والثوري ، وإسحاق ، وأصحابهم متمسّكين بإلغاء النبي صلى الله عليه وسلم الشَّبَه في حديث اللعان على ما يأتي ، وفي حديث سودة كما تقدم ، وقد انفصل عن هذا بما تقدم آنفًا ، من أن إلغاء الشَبَه في تلك المواضع التي ذكروها ، إنما كانت لمعارض أقوى منه ، وهو معدوم هنا ، فانفصلا ، والله تعالى أعلم . ثم اختلف الآخذون بأقوال القافة : هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء ، أو يختص بأولاد الإماء ؟ على قولين : فالأول : قول الشافعي ، ومالك في رواية ابن وهب عنه . ومشهور مذهبه : قَصْرُه على ولد الأمة . وفرَّق بينهما : بأن الواطئ في الاستبراء يستند وطؤه لعقد صحيح فله شبهة الْمِلْك ، فيصح إلحاق الولد به ، إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وطئه ، وليس كذلك الوطء في العدَّة ؛ إذ لا عقد إذ لا يصحّ . وعلى هذا فيلزم من نكح في العدَّة أن يُحَدَّ ، ولا يلحق به الولد ؛ إذ لا شبهة له . وليس مشهور مذهبه . وعلى هذا فالأولى : ما رواه ابن وهب عنه ، وقاله الشافعي . ثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في الحرائر ، فإن أسامة وأباه ابنا حُرَّتَيْن . فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم ، وهو الباعث عليه ؟! هذا ما لا يجوز عند الأصوليين . وكذلك اختلف هؤلاء ؛ هل يكتفى بقول واحد ؛ لأنه خبر من القافة ، أو لا بدَّ من اثنين ؛ لأنها شهادة ؟ وبالأوَّل قال ابن القاسم . وهو ظاهر الخبر ، بل نصُّه . وبالثاني قال مالك ، والشافعي ، ويلزم عليه أن يراعى فيها شروط الشهادة ؛ من العدالة وغيرها . واختلفوا أيضًا فيما إذا ألحقته القافة بمدَّعِيَيْن ، هل يكون ابنًا لهما ؟ وهو قول سحنون ، وأبي ثور . وقيل : يُترك حتى يكبر ، فيُوالي من شاء منهما ؛ وهو قول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ . وقاله مالك والشافعي . وقال عبد الملك ، ومحمد بن مسلمة : يُلْحَق بأكثرهما شبهًا . واختلف نفاة القول بالقافة في حكم ما أشكل ، وتُنُوزِع فيه . فقال أبو حنيفة : يلحق الولد بهما ، وكذلك بامرأتين . وقال محمد بن الحسن : يلحق بالآباء وإن كثروا ، ولا يلحق إلا بأم واحدة . ونحوه قال أبو يوسف . وقال إسحاق : يقرع بينهم . وقاله الشافعي في القديم . ويُستدل على هذا بما خرَّجه أبو داود من حديث عليّ ـ رضي الله عنه ـ وذلك أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد ، فأتت بولد فترافعوا إلى عليّ ، وكلهم يدّعي الولد لنفسه ، فأقرع عليّ بينهم ، فألحقه بالذي طارت عليه القرعة . وكان عليّ باليمن ، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه . وسنده صحيح .