20 - كِتَاب الْعِتْق [1] ( 1501 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ : حَدَّثَكَ نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ، فَأَعْطِيَ شُرَكَاؤهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ جَمِيعًا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ح ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ . [2] ( 1502 ) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ : يَضْمَنُ . كِتَابُ الْعِتْقِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعِتْقُ الْحُرِّيَّةُ . يُقَالُ مِنْهُ : عَتَقَ يَعْتِقُ عِتْقًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَعَتْقًا بِفَتْحِهَا أَيْضًا ، حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَغَيْرُهُ . وَعَتَاقًا وَعَتَاقَةً فَهُوَ عَتِيقٌ وَعَاتِقٌ أَيْضًا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ ، وَهُمْ عُتَقَاءُ ، وَأَعْتَقَهُ فَهُوَ مُعْتَقٌ ، وَهُمْ عُتَقَاءُ ، وَأَمَةٌ عَتِيقٌ وَعَتِيقَةٌ وَإِمَاءٌ عَتَائِقُ ، وَحَلَفَ بِالْعَتَاقِ أَيِ الْإِعْتَاقِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ : عَتَقَ الْفَرَسُ إِذَا سَبَقَ وَنَجَا ، وَعَتَقَ الْفَرْخُ طَارَ وَاسْتَقَلَّ ، لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَخَلَّصُ بِالْعِتْقِ وَيَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ : وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً إِنَّهُ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَفَكَّ رَقَبَةً فَخُصَّتِ الرَّقَبَةُ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مَعَ أَنَّ الْعِتْقَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ ، لِأَنَّ حُكْمَ السَّيِّدِ عَلَيْهِ وَمِلْكَهُ لَهُ كَحَبْلٍ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَكَالْغِلِّ الْمَانِعِ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ ، فَإِذَا أَعْتَقَ فَكَأَنَّهُ أُطْلِقَتْ رَقَبَتُهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ، فَأَعْطَي شُرَكَاؤهُ حِصَصَهُمْ وَعُتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . وَفِي نُسْخَةٍ ( مَا أَعْتَقَ ) هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ : يَضْمَنُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( قَالَ : مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتَقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ ) . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي ذِكْرِ الِاسْتِسْعَاءِ : هُنَا خِلَافٌ بَيْنَ الرُّوَاةِ قَالَ : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ ، وَهِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَهُمْ أَثْبَتُ ، فَلَمْ يَذْكُرَ فِيهِ الِاسْتِسْعَاءَ ، وَوَافَقَهُمَا هَمَّامٌ فَفَصَلَ الِاسْتِسْعَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَجَعَلَهُ مِنْ رَأْيِ قَتَادَةَ قَالَ : وَعَلَى هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ يَقُولُ : مَا أَحْسَنَ مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ وَضَبَطَهُ ، فَفَصَلَ قَوْلَ قَتَادَةَ عَنِ الْحَدِيثِ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ ، وَابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُمَا مَنْ أَسْقَطَ السِّعَايَةَ مِنَ الْحَدِيثِ أَوْلَى مِمَّنْ ذَكَرَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الَّذِينَ لَمْ يَذْكُرُوا السِّعَايَةَ أَثْبَتُ مِمَّنْ ذَكَرُوهَا . قَالَ غَيْرُهُ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فَتَارَةً ذَكَرَهَا وَتَارَةً لَمْ يَذْكُرْهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ مِنْ مَتْنِ الْحَدِيثِ . كَمَا قَالَ غَيْرُهُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ وَمَعْنَى الِاسْتِسْعَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَبْدَ يُكَلَّفُ الِاكْتِسَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى تحَصِّلَ قِيمَةَ نَصِيبِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ ، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ عُتِقَ . هَكَذَا فَسَّرَهُ جُمْهُورُ الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِسْعَاءِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ أَنْ يَخْدُمَ سَيِّدَهُ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِيهِ مِنَ الرِّقِّ فَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب ذِكْرِ سِعَايَةِ الْعَبْدِ · ص 104 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فيمن أعتق شركًا له في عبد وذكر الاستسعاء · ص 310 ( 1502 ) [1570] وعَنْ أبي هريرة: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ . زاد في أخرى : إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ . وفي رواية : قَالَ عليه الصلاة والسلام فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ: يَضْمَنُ . و( الشَّقْصُ ) والشُّقَيْصُ : النصيب والجزء . والتشقيص : التجزئة . و( العبد ) : اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه ، ومؤنثه : أمة - من غير لفظه - ، وقد حُكي : عبدةٌ . ولهذا قال إسحاق بن راهويه : إنَّ هذا الحديث إنّما يتناول ذكور العبيد دون إناثهم ، فلا يكمَّل على من أعتق شِرْكًا في أنثى . وهو على خلاف الجمهور من السَّلف ، ومن بعدهم : فإنهم لم يفرِّقوا بين الذكر والأنثى ؛ إمَّا لأن لفظ العبد يُراد به الجنس ، كما قال تعالى : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا فإنه قد يتناول الذكر والأنثى من العبيد قطعًا . وإمَّا على طريق الإلحاق بنفي الفارق الذي هو القياس في معنى الأصل ، كما بينَّاه . ومراتبه في كتابنا في أصول الفقه . و( المال ) هنا : كل ما يُتَموَّلُ ؛ أي : يتملك ، فيباع عليه كل ما يُباع على المفلس . و( الثمن ) : أراد به هنا القيمة . والتقويم : اعتبار مقدار ثمن العبد المعتق بعضُه . ولا يكون ذلك إلا من عارفٍ بقيم السِّلع ، موثوقٍ بدينه ، وأمانته ؛ لأنَّ التقويم فَصْل بين الخصوم ، وتمييز لمقادير الحقوق . وظاهر هذا الحديث : أنَّه يقوَّم عليه كاملاً ، لا عتق فيه ، وهو المعروف من المذهب . وقيل : يقوَّم على أن بعضه حُرٌّ . والأول أصحُّ ؛ لأن جناية المعتق هي سبب تفويت مِلك الشَّريك ، فيقوَّم عليه على ما كان عليه حال الجناية ، كالحكم في سائر الجنايات المفوتة ، وهل تعتبر قيمته يوم العتق ، أو يوم الحكم ؟ قولان . والثاني هو المشهور . و( قوله : فأُعْطِيَ شركاؤه حِصَصَهم ) . الرواية : ( أعطي ) مبنيًّا للمفعول . ( شركاؤه ) مفعول لما لم يُسمِّ فاعله . وهو مُشْعرٌ بِجبرِ الْمُعتِق على الإعطاء ، وجبرِ الشَّرِيك على الأخذ . لكن إنما يٌجبرُ الشَّريك إذا لم يَعْتِق حصَّتَه ، فلو أعتقها لم يجبر على المشهور ، وسيأتي . ويعني بقوله : ( حصصهم ) أي : قيمة حصصهم . و( قوله : وعتق عليه العبد ) ( عَتَق )- بفتح العين والتاء ، مبنيًّا للفاعل ، واسم الفاعل : عتيق . ولا يقال مبنيًّا لما لم يسمِّ فاعله إلا بهمزة التعدية ، فيقال : أُعتِق ، فهو : مُعْتَق . ويستفاد منه : أن من حكم عليه بالعتق نسب إليه ، وإن كان كارهًا . وإذا صحت نسبته إليه ثبت الولاء له ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الولاء لمن أعتق ) . وظاهر هذا الحديث : أن العتق لا يكمل للعبد إلا بعد التقويم ودفع القيمة إلى الشريك . وهو مشهور قول مالك وأصحابه ، والشافعي في القديم ، وبه قال أهل الظاهر . وعليه فيكون المعتق بعضه قبل التقويم والدفع حكم العبد مطلقا . ولو مات لم يقوَّم على المعتق . ولو أعتق الشريك نفذ عتقه ، وكان الولاء بينهما . وذهبت طائفة أخرى : إلى أن عتق البعض يسري إلى نصيب الشريك ، فيلزم التكميل على الأول إن كان موسرًا ، ولا يقف ذلك على تقويم ، ولا حكم ، ولا دفع . وإليه ذهب الثوري ، والأوزاعي . وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، ومالك ، والشافعي في قولهما الآخر . وعلى هذا فيكون حكم المعتق بعضه حكم الأحرار مطلقا من يوم العتق . ولو أعتق الشريك لم ينفذ عتقه . ولو مات العبد قبل التقويم ودفع القيمة مات حرًّا . ومتمسَّك هؤلاء حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الذي قال فيه : ( من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصُه في ماله إن كان له مال ) . وأظهر من هذا : ما رواه النسائي من حديث ابن عمر وجابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أعتق عبدًا وله فيه شركاء ، وله وفاء فهو حُرٌّ ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم ) . قلت : وهذا التمسك ليس بصحيح لما يقتضيه النظر الأصولي . وذلك : أن هذه الأحاديث وإن تعدد رواتها ، وكثرت ألفاظها ؛ فمقصودها كلها واحد . وهو : بيان حكم من أعتق شركًا في عبدٍ ، فهي قضية واحدة . غير أن من ألفاظ الرواة ما هو مقيَّد ، ومنها ما هو مطلق ، فيحمل مطلقها على مقيدها . وقد اتفق الأصوليون على ذلك ، فيما إذا اتحدت القضية . وهذا من ذلك النوع المتفق عليه ، ثم إن هذا من باب الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا المعنى . والجمع أولى من الترجيح إذا أمكن باتفاق أهل الأصول . ثم ظاهر ذلك اللفظ الأول : أنَّه لو وجد التقويم دون الإعطاء لم يكمل الإعتاق إلا بمجموعهما . وهو ظاهر حكاية الأصحاب عن المذهب ، غير أن سحنونًا قال : أجمع أصحابنا : على أن من أعتق شقصًا له في عبد إنَّه بتقويم الإمام عليه حُرٌّ بغير إحداث حكم . فظاهر هذا : أن نفس التقويم على الموسر موجب للحرية ، وإن لم يكن إعطاء ، وفيه بُعْدٌ ؛ لأن التقويم لو كان محصِّلاً للعتق للزم الشريك أن يتبع ذمة المعتق إذا أعسر بالقيمة بعد التقويم . وذلك لا يتمشى ؛ لا على القول بالسِّراية ، ولا على مراعاة التقويم ولا على قوله : ( وعتق عليه ) . و( قوله : وإلا فقد عتق منه ما عتق ) . ذكره مالك عن نافع على أنّه من قول النبي صلى الله عليه وسلم وجزم بذلك . وهو الظاهر من مساق الحديث . فروايته أولى من رواية أيوب عن نافع ، حيث اضطرب في ذلك . فقال مرة : قال نافع : ( وإلا فقد عتق منه ما عتق ) ومرة قال : فلا أدري ، أشيء قاله نافع ، أم هو من الحديث ؛ لأن مالكا جازم غير شاك ! وقد تابعه على ذلك جماعة من الحفاظ عن نافع كجرير بن حازم ، وعبيد الله ، وغيرهما . وتضمَّن هذا الحديث : أنَّه لا بدَّ من عتق نصيب المعتق وتنفيذه موسرًا كان أو معسرًا . وهو مذهب كافة العلماء . وشذَّ آخرون ، فأبطلوا عتق ذلك الشقص إن كان معسرًا . وهو مصادمة للنص المذكور . وكأنَّه راعى حق الشريك بما يدخل عليه من الضرر بحرية الشقص . وهو قياس فاسد الوضع ؛ لأنه مخالف للنص . ويلزمه على هذا : أن يرفع الحكم بالحديث رأسًا ، فإنه مخالف للقياس ، حيث حكم الشرع بعتق حصة الشريك ، وإخراجها عن ملكه جبرًا ، فإن اعتذر عن هذا : بأن الشرع إنما حكم بذلك تعبدًا ، أو تشوفًا للعتق ، اعتذرنا بذلك عن تنفيذ عتق الشقص على المعتق المعسر . وحاصله : أن مراعاة حق الله تعالى في العتق مقدَّمة على مراعاة حقِّ الآدمي ، ولا سيما والعتق قد وقع على حصة المعتِق . وما وقع فالأصل بقاؤه . وظاهر حديث ابن عمر وإن اختلفت طرقه ، وألفاظه - : أن المعتق إذا كان معسرًا لم يكلف العبد السعي في تخليص ما بقي منه ، وهو مذهب كافة العلماء ما عدا أبا حنيفة ؛ فإنَّه يجبر الشريك في العتق ، واستسعاء العبد ، متمسِّكًا في ذلك بما في حديث أبي هريرة من ذكر الاستسعاء الذي قال فيه : ( فإن لم يكن له مالٌ اسْتُسعِي العبد غير مشقوقٍ عليه ) . وقد رد علماؤنا ذكر الاستسعاء المذكور في هذا الباب بوجهين : أحدهما : التأويل . وهو أن قالوا : معناه : أن يُكلَّف المتمسَّك بالرِّق عَبْدَه الخدمة على قدر ملكه ، لا زيادة على ذلك . ولفظ الاستسعاء قابل لذلك ؛ لأنه استدعاءٌ للسعي ؛ الذي هو العمل . لكن لماذا ؟ هل لحق العتق ، أو لحق السَّيد ؟ الأمر محتمل ، ولا نصَّ ، غير أن تأويلنا أولى ؛ لأنه موافق للقواعد الشرعية ، وتأويلهم مخالف لها على ما نبينه إن شاء الله تعالى . قلت : هذا معنى ما أشار إليه أصحابنا . وقد جاء في كتاب أبي داود ما يبطل هذا التأويل من حديث أبي هريرة . قال : ( فإن لم يكن له مال قوِّم العبد قيمة عدلٍ ، ثم يُستسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه ) . والوجه الثاني : الترجيح . وهو من أوجه : الأول : أن سند حديثنا أقرب سندًا من حديثهم ، فتطرُّق احتمال الغلط إليه أبعد . الثاني : أن حديثهم قد رواه شعبة ، وهشام ، وهمَّام موقوفًا على قتادة من قوله ، وفتياه . وحديثنا متفق على رفعه ، فكان أولى . والثالث : أن حديثنا معمولٌ به عند أهل المدينة ، وجمهور العلماء . وحديثهم إنما عمل به أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق ، فكيف تخفى سُنَّة على أهل المدينة ، وتظهر بالعراق ؟! وهذا في الاستبعاد والهذر ، كمستبضع التمر إلى هجر . الرابع : أن حديثهم مخالف للأصول في حق السَيِّد والعبد ، أما في حق السيد : فإنه إخراج لملك عن مالك من غير عوض ولا تنجيز عتق جبرًا . وبيانه : أن مدَّة الاستسعاء تفوِّت على السيد عبده ، وقد لا يحصل له شيء يعتق به ، فتفوت عليه منافع عبده لغير فائدة . وأما في حق العبد : فإن تكليفه السعي ليحصل له العتق في معنى الكتابة . والكتابة لا يجبر عليها العبد إذا لم يطلبها بالاتفاق بيننا وبينه . والسعي لا يجبر عليه . وأيضًا فإن منع المالك من التصرف في ملكه ، وإدخال العبد فيما لا يريده مؤاخذات لهما بسبب جناية غيرهما الذي هو المعتق . ومن الأنسب الأحرى : أَن لَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . فقد ظهر بهذه الأوجه : أن حديث ابن عمر أولى وأوجه . تنبيهان : الأول : ذهب بعض المتأخرين : إلى أن الحكم بالتكميل غير معلَّل ، وليس بصحيح . بل قد نصَّ الشرع على تعليله في الحديث الذي ذكرناه من حديث ابن عمر ، وجابر ، حيث قال فيه : ( من أعتق عبدا وله فيه شركاء ، وله وفاء فهو حرٌّ ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته ، لما أساء من مشاركتهم ، وليس على العبد شيء ) . وإذا علل ذلك بسوء المشاركة فذلك موجود فيما إذا دبَّر بعض عبده ، فيكمِّل عليه التدبير بعد التقويم . وهو أحد الأقوال في المذهب . أو لا يلحق به ذلك لمخالفة حكم الفرع حكم الأصل ؛ فإن حكم الأصل عتق ناجز لازمٌ ، إمَّا في الجزء ، وإمَّا في الكلِّ . وفي الفرع تدبير قد لا يحصل منه شيء لإمكان لحوق الدين تركة السيد ، فيباع المدبَّر ، فلا يَكْمُل التدبير . وهو القول الثاني عندنا . وإذا لم يصحّ ذلك في التدبير فالكتابة أبعد ؛ لأنها مع توقع عجز المكاتب معاوضة . وعلى هذا : فتكون علَّه الحديث قاصرة ، والله تعالى أعلم . الثاني : إن الشَّرع لَمَّا جبر الشَّريك على أخذ قيمة شقصه ، فَهِمَ العلماء من ذلك تشوُّف الشَّارِع إلى العتق . وإذا كان ذلك في ملك الغير كان أحرى وأولى في ملك نفسه . فإذا أعتق جزءًا من عبده كُمِّل عليه عتق جميعه . وهل بالسراية ، أو بالحكم ؟ قولان . القول بالسراية هنا أولى ؛ إذ لا حاجة إلى التقويم ، ولا إلى الحكم بخلاف الأصل ، فإن التقويم ثَمَّ أحوج إليه حق الشريك . وقد شذَّ بعض العلماء فمنع هذا الإلحاق ، وقصر وجوب التكميل على من أعتق شقصًا من مشترك . وكذلك شذَّ عثمان البَتِّيِّ فقال : لا شيء على المعتق إلا أن تكون جارية رائعة الجمال تراد للوطء ، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من الضرر . وكذلك أيضًا شذَّ ابن سيرين ؛ فرأى القيمة في بيت المال . وشذَّ آخرون منهم زفر ، والبصريون ؛ فقالوا : يقوَّم على الموسر والمعسر ، ويُتّبع إذا أيسر . وهذه كلها أقوال شاذَّة مخالفة للنصوص والظواهر ، فلا يلتفت إليها .