( 3 ) باب لا يبع حاضر لباد ( 1521 ) [1603] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ طاوس : فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا . ( 1522 ) [1604] وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقْ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . ( 1523 ) [1605] وعَنْ أَنَسِ قَالَ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ . و( قوله : لا يبع حاضر لبادٍ ) مفسَّر بقول ابن عباس : لا يكن له سمسارًا ، وظاهر هذا النهي العموم في جميع أهل البوادي ، أهل العمود وغيرهم ، قريبًا كانوا من الحضر ، أو بعيدًا ، كان أصل المبيع عندهم بشراء أو كسب . وإليه صار غير واحدٍ . وحمله مالك على أهل العمود ممن بعد منهم عن الحضر ، ولا يعرف الأسعار ، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء . وإنما قيده مالك بهذه القيود نظرًا إلى المعنى المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) . وذلك : أن مقصوده أن يرتفق أهل الحاضرة بأهل البادية ، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا . وهذا لا يحصل إلا بمجموع تلك القيود . وبيانه : أنهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى ، وغالبهم يعرف الأسعار . وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم . فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم . وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار يقصدون الأرباح ، فلا يحال بينهم وبينها . فلهم التوصل إليها بالسَّماسرة وغيرهم ، وأما أهل العمود ، والموصوفون بالقيود المذكورة : فإن باع لهم السماسرة وغيرهم ضروا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان ، فيما أصله على أهل البادية بغير ثمن ، فقصد الشرع أن يباشروا بيع سلعهم بأنفسهم ليرتفق أهل الحاضرة بالرخص فيما لا ضرر على أهل البادية فيه . وأعرض الشرع عما يلحق أهل البادية في ذلك دفعًا لأشد الضررين ، وترجيحًا لأعظم المصلحتين . واختلف في شراء أهل الحاضرة للبادي . فقيل بمنعه قياسًا على البيع لهم . وقيل : يجوز ذلك ؛ لأنه لما صار ثمن سلعته بيده عينًا أشبه أهل الحضر . فإذا وقع هذا البيع فهل يفسخ معاقبة لهم ، أو لا يفسخ لعدم خلل ركن من أركان البيع ؟ قولان . و( قوله : لا تُصَرُّوا الإبل والغنم ) : روايتنا فيه بضم التاء وفتح الصاد ، وضم الراء مشددة بعدها واو الجمع . ( الإبلَ ) بالنصب ، نحو : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وهو الصحيح تقييدًا ولغة . وقد قيده بعضهم ( لا تَصُرُّوا بفتح التاء ، وضم الصاد ، ونصب ( الإبل ) . وبعضهم : بضم التاء وفتح الصاد ، ورفع ( الإبل ) والأول هو الصحيح . ووجهه : أنها مأخوذة من : صريت اللبن في الضَّرع : إذا جمعته . وليست من الصَّر الذي هو الربط ، ولو كانت من ذلك لقيل فيها : مُصَرَّرة . وإنما جاء : مصراة . وإلى معناه ذهب أبو عبيد وغيره ، وعلى هذا : فأصل ( تُصَروا الإبل ) : تقربوا ، استثقلت الضمَّة على الياء ، فنقلت إلى ما قبلها ؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا فانقلبت الياء واوًا ، واجتمع ساكنان ، فحذفت الواو الأولى ، وبقيت واو الجمع ساكنة ، فحذفت لاجتماع الساكنين . و( الإبل ) : نصب على أنه مفعول ( تُصَرُّوا ) . هذا أحسن ما قيل في هذا ، وأجراه على قياس التصريف . ومعنى : ( التصرية ) عند الفقهاء : أن يجمع اللَّبن في الضرع اليومين والثلاثة حتى يعظم ، فيظن المشتري : أن ذلك لكثرة اللبن ، وعظم الضرع . وهي المسمَّاة أيضًا بـ ( الْمُحَفَّلَة ) في حديث آخر . يقال : ضرع حافل ؛ أي : عظيم . و( الْمحْفَل ) : الجمع العظيم . وقال الشافعي : التصرية : أن يربط أخلاف النَّاقة ، أو الشاة ، ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجتمع لبنها ، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك . قال الخطابي : والذي قال الشافعي صحيح . والعرب تصُرُّ الحلوبات ، وتسمي ذلك الرباط : صِرارًا . واستشهد لهم بقول العرب : العبد لا يحسن الكرَّ ، وإنما يحسن الحلب والصرَّ . قال : ويحتمل أن تكون المصراة أصلها : مصرورة ، فأبدل من إحدى الراءين ياءً ، كما قالوا : تقضَّى البازيُّ . واختلف في الأخذ بحديث الْمُصَرَّاة . فأخذ به الشافعي ، وأبو ثور ، وأبو يوسف ، ومالك في المشهور عنه ، وابن أبي ليلى في إحدى الروايتين عنه ، وفقهاء أصحاب الحديث . ولم يأخذ به أبو حنيفة ، ولا الكوفيون ، ولا مالك ، ولا ابن أبي ليلى في الرواية الأخرى عنهما . فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن : التصرية ليست بعيب ، ولا تردّ بذلك . وقد حكي عن أبي حنيفة : أنه يرجع بأرش التصرية . ولهذا الخلاف سببان : أحدهما : أن هذا الحديث يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم : ( الخراج بالضمان ) . خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس ، وقال فيه : حديث حسن صحيح . ووجهها : أن مشتري المصرَّاة ضامن لها لو هلكت عنده ، واللَّبن غلة فيكون له . وثانيهما : أنه معارضٌ لأصول شرعية ، وقواعد كليه . وبيانها بأوجه : أحدها : أن اللبن مما يضمن بالمثل ، والتمر ليس بمثل له . وثانيها : أنه لما عدل عن المثل إلى غيره فقد نحا به نحو المبايعة ، فهو : بيع الطعام بالطعام غير يد بيد ، وهو الرِّبا . وثالثها : أن الصَّاع المقابل للَّبن محدودٌ ، واللَّبن ليس بمحدود ، فإنَّه يختلف بالكثرة والقلة . ورابعها : أن اللبن غلَّة ، فيكون للمشتري كسائر المنافع ، فإنها لا تردُّ في الردّ بالعيب . ولما كان ذلك ، فالحديث وإن كان صحيحًا ؛ فإما منسوخ بقوله : ( الخراج بالضمان ) وإما مرجوح بهذه القواعد المخالفة له ، فإنها قواعد كلية قطعية . ولو لم يكن كذلك فالقياس مقدَّم عند أبي حنيفة ، وكثير من الكوفيين ، وهو قول مالك في العتبية ، وفي مختصر ابن عبد الحكم . والجواب عن السبب الأول : أنه لا معارضة بينهما ؛ لأنا لا نسلم أن اللبن خراج سَلَّمناه . لكنه إذا نشأ على ضمان المشتري ، ولبن المصراة نشأ على ضمان البائع ؛ فإنَّه كان موجودًا في الضرع حالة التبايع سلّمناه . لكن حديث المصرَّاة خاصٌّ ، وحديث الخراج بالضمان عام . ولا معارضة بينهما ، لأن الجمع بينهما ممكن بأن يُبنى العام على الخاص . وهو الصحيح على ما مهدناه في أصول الفقه . وحينئذ يبطل قول من زعم : أن حديث المصراة منسوخ بحديث : ( الخراج بالضمان ) . سلمنا المعارضة ، لكن المتقدم منهما من المتأخر مجهول ، فلا يصح الحكم بالنسخ لعدم العلم بالتاريخ . والجواب عن السبب الثاني : أن حديث المصرَّاة أصل منفرد بنفسه ، مستثنى من تلك القواعد ، كما قد استثني ضرب الدِّية على العاقلة ، ودية الجنين ، والعرية ، والجعل ، والقراض ، عن أصول ممنوعة ، لدعاء الحاجة إلى هذه المستثنيات ، ولحصول مصالح خاصة منها . وبيانه في مسألة المصراة : أن الشرع إنما ضمن لبنها بالصاع دفعًا للخصام ، وسدًّا لذريعة المنازعة لتعذُّر ضبط مقدار اللبن ، فإنه يختلف بالكثرة والقلة ، ولتعذر تمييز اللبن الكائن في الضرع من الحادث . وخصَّه بالطعام ؛ لأنه قوت كاللبن ، وبالتَّمر ؛ لأنه أغلب قوتهم ، ووصفه بقوله : ( لا سمراء ) رفعًا للحرج في تكلُّف ؛ لقلتها عندهم . وعلى هذا : فلم تخرج المصراة عن قانون الالتفات للمصالح ، لكنَّها مصالح مخصوصة لا يلحق بها غيرها لعدم نظائرها ، ولو سلَّمنا أنها معارضة لأقيسة تلك القواعد من كل وجه ، لكن لا نسلم : أن القياس مقدَّم على خبر الواحد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدَّم السُّنة على القياس في حديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ حيث قال له : ( بم تحكم؟ ) قال : بكتاب الله . قال : ( فإن لم تجد ؟ ) قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ( فإن لم تجد ؟ ) قال : أجتهد رأيي . والسَّنة : تعم التواتر ، والآحاد . ولكثرة الاحتمالات في القياسات ، وقلتها في خبر الواحد . وقد أوضحنا هذا في الأصول . وهذا هو الصحيح من مذهب مالك وغيره من المحققين . وفي حديث المصراة أبواب من الفقه نشير إليها : فمنها : أن العقد المنهي عنه ، المحرّم إذا كان لأجل الآدمي لم يدلّ على الفساد ، ولا يفسخ العقد . ألا ترى : أن التصرية غش محرَّم . ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسخ العقد ، لكن جعل للمشتري الخيار . ومنها : أن الغرور بالفعل معتبر شرعا ؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب . ولا يختلف في الغرور الفعلي . وإنما اختلف في الغرور بالقول ، هل هو معتبر أو لا ؟ فيه قولان : فرع : لو كان الضرع كثير اللحم ، فظنه المشتري لبنًا ، لم يجب له الخيار ؛ إذ لا غرور ، ولا تدليس ، لا بالفعل ، ولا بالقول . ومنها : جواز خيار الشرط . وهذا لا يختلف فيه . وإنما اختلف في مقداره . فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن أجل الخيار غايته ثلاثة أيام في كل شيء ؛ تمسُّكًا بهذا الحديث ، وبقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي شكا إليه : أنه يُخدع في البيوع ، فقال له : ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ، وأنت في كل ما تبتاعه بالخيار ثلاثًا ) . وذهب مالك إلى أن أجله غير محدود بحدٍّ ، إنما هو بحسب ما يحتاج إليه المبيع في اختياره . وذلك يختلف بحسب اختلاف المبيعات . وتفصيله في الفروع . ويعتذر عن تلك الأحاديث بالقول بموجبها ؛ فإنها المدة التي تُختبر فيها المصراة ، فتعرف عادتها . ولذلك اختلف أصحابنا في الْحَلْبة الثالثة ، هل تعدُّ رضًا أو لا تُعدُّ ؟ وقول مالك : إنها لا تُعدُّ رضًا . وهو الصحيح ؛ لأن الحلبة الأولى بها ظهرت الدُّلْسَة ، وبالثانية تحقَّقت ، وبالثالثة تُعرف عادتها . قلت : ولا يتمشَّى هذا إلا إذا حُلبت في كل يوم حلبة . وأما حديث المخدوع : فالقول بموجبه أيضًا ؛ فإن ذلك الخيار صار بالشرط لنصّ النبي صلى الله عليه وسلم على اشتراطه ، ولا نزاع فيه إذا لم يكن بعيدًا يلزم منه غررٌ ، أو يلحق به ضرر ، فلو شرط فيما يختبر في عشرة أيام - مثلاً - ثلاثة لصحَّ البيع ، ولزم الشرط ، ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى . ومنها : أنَّ التصرية عيبٌ يوجب الخيار . وهو حجة على أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ؛ حيث قالا : إنَّ التصرية ليست بعيب ، ولا توجب خيارًا . وقد روي عن أبي حنيفة أنها عيب توجب الأرش . وقال زُفر -من أصحاب أبي حنيفة - : يردُّ صاعًا من تمرٍ ، أو نصف صاع من بُرٍّ . ومنها : أن بيع الخيار موضوع لتمام البيع ، واستقراره . لا للفسخ . وهو أحد القولين عندنا . وقيل : هو موضوع للفسخ . والأول أولى ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن شاء أمسكها ) والإمساك : استدامة التمسك لما قد ثبت وجوده ، كما قال صلى الله عليه وسلم لغيلان : ( أمسك أربعًا ، وفارق سائرهن ) أي : استدم حكم العقود السابقة . وقد بيَّناه في الأصول . و( قوله : وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر ) وفي أخرى : ( صاعًا من تمر لا سمراء ) وفي أخرى : ( صاعًا من طعام لا سمراء ) . ذهب الشافعي وأكثر العلماء : إلى أنه لا يجوز فيها إلا الصَّاع من التمر . وقال الداودي : الطعام المذكور هنا هو : التمر . وذهب مالك : إلى أن التمر إنما ذكر في الحديث ؛ لأنه أغلب قوتهم ، فيخرج الغالب من قوت بلده ؛ قمحا ، أو شعيرًا ، أو تمرًا ؛ متمسكًا بعموم قوله : ( طعام ) فإنَّه يَعُم التمر وغيره . ومستأنسًا بأن الشرع قد اعتبر نحو هذا في الدِّيات ، ففرض على أهل الإبل إبلاً ، وعلى أهل الذهب الذهب ، وعلى أهل الورق الورق . وكذلك فعل في زكاة الفطر . وقد روي عن مالك رواية شاذَّة : أنه يخرج فيها مكيلة ما حلب من اللبن تمرًا ، أو قيمته . وقد تقدَّم قول أبي حنيفة وزُفر . وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى : يخرج القيمة بالغة ما بلغت . وأحسن هذه الأقوال مشهور مذهب مالك ؛ لما ذكرناه ، والله أعلم . واختلف أصحابنا فيما إذا رضي البائع بقبولها بلبنها . فأجازها بعضهم ، وقال : هي إقالة . وقال غيره : لا يجوز ؛ لأن اللبن غير متعين ؛ إذ لا يتميز كائنه عن حادثه ، فكيف تصح الإقالة فيه ؟!
الشروح
الحديث المعنيّ1523 3838 - وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ .…صحيح مسلم · رقم 3838
١ مَدخل