[33] ( 1564 ) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ح ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . ( 7 ) بَاب تَحْرِيمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ وَصِحَّةِ الْحَوَالَةِ وَاسْتِحْبَابِ قَبُولِهَا إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيٍّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ . قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : الْمَطْلُ مَنْعُ قَضَاءِ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ . فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَحَرَامٌ ، وَمَطْلُ غَيْرِ الْغَنِيِّ لَيْسَ بِظُلْمٍ وَلَا حَرَامٍ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِنَ الْأَدَاءِ لِغَيْبَةِ الْمَالِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى الْإِمْكَانِ ، وَهَذَا مَخْصُوصٌ مِنْ مَطْلِ الْغَنِيِّ . أَوْ يُقَالُ : الْمُرَادُ بِالْغَنِيِّ الْمُتَمَكِّنُ مِنَ الْأَدَاءِ ، فَلَا يَدْخُلُ هَذَا فِيهِ . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يَحِلُّ حَبْسُهُ ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ ، وَلَا مُطَالَبَتُهُ حَتَّى يُوسِرَ ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الْمُفْلِسِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ فِي أَنَّ الْمُمَاطِلَ هَلْ يَفْسُقُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، أَمْ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَصِيرَ عَادَةً ؟ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اشْتِرَاطُ التَّكْرَارِ . وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ . لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ . ( اللَّيُّ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهُوَ الْمَطْلُ ، ( وَالْوَاجِدُ ) بِالْجِيمِ الْمُوسِرُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : يُحِلُّ عِرْضَهُ بِأَنْ يَقُولَ : ظَلَمَنِي وَمَطَلَنِي ، وَعُقُوبَتُهُ الْحَبْسُ وَالتَّعْزِيرُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ ، هُوَ بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي ( أُتْبِع ) وَفِي ( فَلْيَتْبَعْ ) مِثْلَ أَخْرَجَ فَلْيَخْرُجْ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ ، وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَكُتُبِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ ، وَنَقَلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يُشَدِّدُهَا فِي الْكَلِمَةِ الثَّانِيَةِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَمَعْنَاهُ : وَإِذَا أُحِيلَ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى مُوسِرٍ فَلْيَحْتَلْ . يُقَالُ مِنْهُ : تَبِعْتُ الرَّجُلَ لِحَقِّي أَتَّبِعُهُ تَبَاعَةً فَأَنَا تَبَعٌ وإِذَا طَلَبْتُهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ثُمَّ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِي اسْتُحِبَّ لَهُ قَبُولُ الْحَوَالَةِ ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْقَبُولُ مُبَاحٌ لَا مَنْدُوبٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَاجِبٌ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَغَيْرِهِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ وَصِحَّةِ الْحَوَالَةِ وَاسْتِحْبَابِ قَبُولِهَا إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيٍّ · ص 174 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في إنظار الْمُعْسِر والتجاوز عنه · ص 438 ( 1564 ) [1654] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ . و( قوله : مطل الغني ظلم ) المطل : منع قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن من ذلك ، وطلب المستحق حقه . وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر : ( لَيّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ) أي : مطل الموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ظلم للمستحق ، يبيح من عرضه أن يقال فيه : فلان يمطل الناس ، ويحبس حقوقهم . ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك . حُكي معناه عن سفيان . و( الظلم ) : وضع الشيء في غير موضعه في أصل اللغة . وهو في الشرع محرَّم مذموم . ووجهه هنا : أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من البذل ، فحاق به الذم والعقاب . والغني الذي أضيف المطل إليه هو الذي عليه الحق ؛ بدليل قوله : ( لي الواجد ) وهو الظاهر من الحديث والمراد منه ، ولا يلتفت لقول من قال : إنه صاحب الحق ، لبعد المعنى ، وعدم ما يدل عليه . و( قوله : وإذا أُتْبِعَ أحدكم على مليء فليتبع ) أُتبع -بضم الهمزة ، وتخفيف التاء ، وكسر الباء - مبنيًّا لما لم يُسم فاعله عند الجميع . فأما : ( فليتبع ) فبعضهم قَيَّده بتشديد التاء ، وكذلك قيَّدته على من يوثق به . وقد روي بتخفيفها . وهو الأجود ؛ لأن العرب تقول : تبعت الرَّجل بحِّقي ، أتبعه ، تباعة : إذا طلبته به ، فأنا له تبيع -كل ذلك بالتخفيف - ، ومنه قوله تعالى : ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ، ومعناه : إذا أحيل أحدكم فليحتل . وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب ؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر . وقد حمله داود على الوجوب تمسَّكًا بظاهر الأمر . وهذا ليس بصحيح ؛ لأن ملك الذمم كملك الأموال . وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره ، فكذلك الذمم . وأيضًا : فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير على المعسر ، وتنفيسٌ عنه ، فلا يجب ، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق . وإذا تقرَّر ذلك فالحوالة معناها : تحويل الدَّين من ذمَّة إلى ذمَّة . وهي مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين لما فيها من الرِّفق ، والمعروف . ولها شروط : فمنها : أن تكون بدين ، فإن لم تكن بدين لم تكن حوالة ، لاستحالة حقيقتها إذ ذاك ، وإنما تكون حمالة . ومنها : رضا المحيل والمحال دون المحال عليه . وهو قول الجمهور ، خلافًا للإصطخري ، فإنَّه اعتبره . وإطلاق الحديث حجة عليه . وقد اعتبره مالك إن قصد المحيل بذلك الإضرار بالمحال عليه . وهذا من باب دفع الضرر . ومنها : أن يكون الدين المحال به حالاًّ ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مطل الغني ظلم ) . ولا يصح المطل ، ولا يصدق الظلم إلا في حق من وجب عليه الأداء ، فيمطل . ثم قال بعده : ( فإذا أتبع أحدكم فليتبع ) فأفاد ذلك : أن الدَّين المحال به لا بُدَّ أن يكون حالاًّ ؛ لأنه إن لم يكن حالاًّ كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدينين . ومنها : أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به ؛ لأنه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة ، والمكايسة ، فيكون بيع الدَّين بالدَّين المنهي عنه . فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه . فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل ، وإن أفلس المحال عليه ، أو مات . وهذا قول الجمهور . وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه ، إن تعذر أخذه الدين من المحال عليه . والأول الصحيح ؛ لأن الحوالة عقد معاوضة ، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم ، كسائر عقود المعاوضات ؛ ولأن ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة ، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقد آخر ، ولا عقد ، فلا شغل . غير أن مالكا قال : إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل . وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه ؛ لوضوحه .