بسم الله الرحمن الرحيم [ 67 ] ( 1578 ) - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَبُو هَمَّامٍ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ :رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ . قَالَ : فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ . قَالَ : فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُم مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا . ( 12 ) بَاب تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ قَالَ : فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ ، قَالَ : فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا . وَيَعْنِي رَاقُوهَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَا تَكْلِيفَ فِيهَا بِتَحْرِيمٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِلْأُصُولِيِّينَ ، الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا حُكْمَ وَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَالثَّانِي : أَنَّ أَصْلَهَا عَلَى التَّحْرِيمِ حَتَّى يَرِدَ الشَّرْعُ بِغَيْرِ ذَلِكَ . وَالثَّالِثُ : عَلَى الْإِبَاحَةِ . وَالرَّابِعُ : عَلَى الْوَقْفِ . وَهَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ التَّنَفُّسِ وَنَحْوِهِ مِنَ الروايات الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهَا ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً بِلَا خِلَافٍ إِلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا بَذْلُ النَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَحَهُمْ فِي تَعْجِيلِ الِانْتِفَاعِ بِهَا مَا دَامَتْ حَلَالًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا ) فِيهِ تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخَمْرِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَالْعِلَّةُ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ كَوْنُهَا نَجِسَةً أَوْ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ ، فَيَلْحَقُ بِهَا جَمِيعُ النَّجَاسَاتِ كَالسِّرْجِينِ وَذَرْقِ الْحَمَامِ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ يَلْحَقُ بِهَا مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالسِّبَاعِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ وَالْحَشَرَاتُ وَالْحَبَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْحِنْطَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ فِي كتبِ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ ، كَالْعَبْدِ وَالْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ ، فَإِنَّ أَكْلَهَا حَرَامٌ ، وَبَيْعَهَا جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ ) أَيْ أَدْرَكَتْهُ حَيًّا وَبَلَغَتْهُ ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ تَخْلِيلِهَا ، وَوُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ بِإِرَاقَتِهَا ، وَتَحْرِيمِ إِمْسَاكِهَا . وَلَوْ جَازَ التَّخْلِيلُ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ إِضَاعَتِهَا ، كَمَا نَصَحَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا حِينَ تَوَقَّعَ نُزُولَ تَحْرِيمِهَا ، وَكَمَا نَبَّهَ أَهْلَ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ عَلَى دِبَاغِ جِلْدِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهِ . وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ تَخْلِيلِهَا وَأَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَجَوَّزَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ . وَأَمَّا إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا فَيَطْهُرُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ سَحْنُونٍ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَطْهُرُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ · ص 186 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام · ص 454 ( 24 ) باب تحريم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام ( 1578 ) [1671] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ فقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ . قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ . فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ مَا كَانَ عِنْدَهُم مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا . ( 24 ) ومن باب : تحريم بيع الخمر ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يعرِّض بالخمر ، ولعل الله سينزل فيها أمرًا ، هذا التعريض ، وهذا التوقع إنما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ومن قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وذلك : أنه لما سمع أن فيهما إِثْمًا كبيرًا ، وأن إثمهما أكبر من نفعهما ، وأنه قد منع من الصلاة في حال السُّكر ؛ ظهر له : أن هذا مناسب للمنع منها ، فتوقع ذلك . و( قوله : فمن كان عنده منها شيء فليبعه ، ولينتفع به ) فيه دليل على أن الخمر وبيعها كانا مباحين إباحة متلقاة من الشرع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرر أصحابه عليها ، وليس ذلك من باب البقاء على البراءة الأصلية ؛ لأن إقراره دليلُ الجواز والإباحة ، كما قررناه في الأصول . وفيه دليل على اغتنام فرصة المصالح المالية إذا عرضت ، وعلى صيانة المال ، وعلى بذل النصيحة والإشارة بأرجح ما يعلمه من الوجوه المصلحية . و( قوله : فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حرَّم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ، ولا يبع ) يعني بالآية : قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ الآية ، وسيأتي الحديث عليها . ويعني بقوله : ( من أدركته ) أي : من بلغته وهو بصفات المكلفين من العقل والبلوغ . وقد فهمت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من نهيه عن الشرب والبيع : أنها لا ينتفع بها بوجه من الوجوه ، ولذلك بادروا إلى إراقتها ، وإتلافها . ولو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لنبَّه النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، كما نبَّه على ما في جلد الميتة من المنفعة ؛ لما قال : ( هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه ، فانتفعتم به ) وعلى هذا : فلا يجوز تخليلها ، ولا أن تعالج بالملح والسَّمك فيصنع منها الْمُرْي . وإلى مَنْع ذلك ذهب الجمهور : مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم . وحكي جواز تخليلها عن أبي حنيفة ، والأوزاعي ، والليث . وقد دلَّ على فساد هذا ما ذكرناه آنفًا ، وما يأتي من نهيه عن اتخاذ الخمر خلاًّ . وسيأتي مزيد بيان على هذا . قال القاضي عياض : وفي هذا أيضًا : منع الانتفاع بها للتداوي ، وغير ذلك من العطش عند عدم الماء ، ولتجويز لقمة غص بها . وهو قول مالك ، والشافعي ، وغيرهم . وأجاز ذلك أبو حنيفة ، وأحمد . وقاله بعض أصحابنا . وروي عن الشافعي : جوازه أيضًا إذا خاف التلف ، وقاله أبو ثور . قلت : وإذا امتنع الانتفاع بها مطلقا فلا يصح تملكها لمسلم ، ولا تقر في يديه ، بل تتلف عليه . ويجب ذلك عليه . ويتلفها الوصي على اليتيم . وقد ذكر ابن خواز منداذ من قدماء أصحابنا العراقيين : أنها تملك ، ونزع إلى ذلك : بأنها يمكن أن يزال بها الغُصص ، ويُطفأ بها الحريق ، فتملك لذلك . وهذا نقل لا يعرف لمالك ، ولا يلتفت لشيء مما قيل هنالك ؛ لأنا لا نسلم جواز ذلك ، على ما ذكرناه آنفًا فيمن غص بلقمة . ولو سلمنا ذلك فلا يلتفت إليه لندوره ، وعدم وقوعه . وإنما ذلك تجويز وهمي ، وتقدير ، فاعتباره وسواسٌ أعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه ، ولم يلتفتوا إلى شيء منه .