[ 68 ] 1579 - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ - أَنَّهُ جَاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ح . وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَئيِّ - مِنْ أَهْلِ مِصْرَ - أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ الْعِنَبِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ : لَا . فَسَارَّ إِنْسَانًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ فَقَالَ : أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ، فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا . قَالَ : فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا . حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ ) هُوَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَنْسُوبٌ إِلَى سَبَأٍ ، وَأَمَّا ( وَعْلَةُ ) فَبِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي حَدِيثِ الدِّبَاغِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي أَهْدَى إِلَيْهِ الْخَمْرَ : ( هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا ؟ قَالَ : لَا ) لَعَلَّ السُّؤَالَ كَانَ لِيَعْرِفَ حَالَهُ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهَا وَإِمْسَاكَهَا وَحَمْلَهَا عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ عَذَرَهُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ كَانَتْ عَلَى قُرْبِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ قَبْلَ اشْتِهَارِ ذَلِكَ . وَفِي هَذَا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً جَاهِلًا تَحْرِيمَهَا لَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا تَعْزِيرَ . قَوْلُهُ : ( فَسَارَّ إِنْسَانًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِمَ سَارَرْتَهُ ؟ فَقَالَ : أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ) الْمُسَارِرُ الَّذِي خَاطَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي أَهْدَى الرَّاوِيَةَ ، كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ دَوْسٍ . قَالَ الْقَاضِي : وَغَلِطَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فَظَنَّ أَنَّهُ رَجُلٌ آخَرُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ سُؤَالِ الْإِنْسَانِ عَنْ بَعْضِ أَسْرَارِ الْإِنْسَانِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ كِتْمَانُهُ كَتَمَهُ ، وَإِلَّا فَيَذْكُرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَفَتَحَ الْمَزَادَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( الْمَزَادَ ) بِحَذْفِ الْهَاءِ فِي آخِرِهَا ، وَفِي بَعْضِهَا : ( الْمَزَادَةَ ) بِالْهَاءِ ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ : أَهْدَى رَاوِيَةً وَهِيَ هِيَ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُمَا بِمَعْنًى ، وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : إِنَّمَا يُقَالُ لَهَا : مَزَادَةٌ ، وَأَمَّا الرَّاوِيَةُ : فَاسْمٌ لِلْبَعِيرِ خَاصَّةً ، وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ لِأَبِي عُبَيْدٍ فَإِنَّهُ سَمَّاهَا رَاوِيَةً وَمَزَادَةً ، قَالُوا : سُمِّيَتْ رَاوِيَةً لِأَنَّهَا تَرْوِي صَاحِبَهَا وَمَنْ مَعَهُ ، وَالْمَزَادَةُ لِأَنَّهُ يَتَزَوَّدُ فِيهَا الْمَاءَ فِي السَّفَرِ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ يُزَادُ فِيهَا جِلْدٌ لِيَتَّسِعَ . وَفِي قَوْلِهِ : ( فَفَتَحَ الْمَزَادَ ) دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ أَوَانِيَ الْخَمْرِ لَا تُكْسَرُ وَلَا تُشَقُّ ، بَلْ يُرَاقُ مَا فِيهَا . وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا كَالْجُمْهُورِ ، وَالثَّانِيَةُ يُكْسَرُ الْإِنَاءُ ، وَيُشَقُّ السِّقَاءُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُمْ كَسَرُوا الدِّنَانَ فَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ · ص 190 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام · ص 457 ( 1579 ) [1672] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا . فَسَارَّ إِنْسَانًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِمَ سَارَرْتَهُ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا . قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا . ( 1580 ) ( 69 و70 ) [1673] وعَنْ عَائِشَةَ قالت: لَمَّا أنَزَلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ -وفي رواية : في الربا- خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ . و( قوله صلى الله عليه وسلم للمُهْدِي راوية الخمر : ( هل علمت أن الله حرَّمها ) وقول الْمُهْدِي : لا ؛ يدلُّ على قرب عهد التحريم بزمن الإهداء . ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن له الحكم ، ولم يوبخه ، ولم يذمَّه ؛ لأن الرَّجل كان متمسِّكًا بالإباحة المتقدِّمة ، ولم يبلغه الناسخ ، فكان ذلك دليلاً : على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ ، بل ببلوغه ، كما قرَّرناه في الأصول . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( بم ساررته ؟ ) دليل : على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبين وجهه له ، ولا يكون هذا من باب التجسس ، بل من باب النصيحة والإرشاد . و( قوله : إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها ) الذي هنا : كناية عن اسم الله تعالى ، فكأنه قال : إن الله حرَّم شربها وحرَّم بيعها . ويحتمل أن يكون معناه : إن الذي اقتضى تحريم شربها اقتضى تحريم بيعها ؛ إذ لا تراد إلا للشرب ، فإذا حرم الشرب لم يجز البيع ؛ لأنه يكون من أكل المال بالباطل . وقد دلَّ على صحة هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه ) يعني : شيئًا يؤكل ، أو يشرب ؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث ، ويلحق به كل محرَّم نجس لا منفعة فيه . واختلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها ، كالأزبال ، والعذرة . فحرم ذلك الشافعي ، ومالك ، وجُلّ أصحابنا . وأجاز ذلك الكوفيون ، والطبري . وذهب آخرون : إلى إجازة ذلك للمشتري دون البائع . ورأوا : أن المشتري أعذر من البائع ؛ لأنه مضطر إلى ذلك . روي ذلك عن بعض أصحابنا . وهي قولة عن الشافعي . وقد فهم الجمهور من تحريم الخمر وبيعها ، والمنع من الانتفاع بها ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرِّجس عليها ، والأمر باجتنابها ، الحكمَ بنجاستها . وخالفهم في ذلك ربيعة وحده من السلف فرأى : أنها طاهرة ، وأن المحرَّم إنما هو شربها . وهو قول شاذ يردُّه ما تقدَّم . وما كان يليق بأصول ربيعة ، فإنه قد علم : أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعشرة بسببها ، وأمر باجتنابها ، وبالغ في الوعيد عليها . فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها ، وحماية لقربانها . فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ، ولا نصّ فيه ، فلا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا ؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس . فالجواب : أنها وإن لم يكن فيها نصٌّ بالوضع الْمُتَّحِد ، لكن فيها ما يدلُّ دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها . ويَعْرفُ ذلك من تصفَّح الآية وتفهَّمها . ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه ، فيحصل اليقين بالحكم بتنجيسها . ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصًّا لتعطلت الشريعة ، فإن النصوص فيها قليل . وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول ، والعذرة ، والدَّم ، والميتة ، وغير ذلك ، ولا يوجد نصٌّ على تنجيس شيء مما هنالك . وإنما هي الظواهر ، والعمومات ، والأقيسة . وقوله : لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس . قلنا : لم نستدل بمجرد التحريم ، بل بتحريم مستخبث شرعي يحرم شربه ، وإن شئت أن تحرر قياسًا ؛ قلت : مستخبث شرعا ، يحرم شربه ، فيكون نجسًا كالبول ، والدَّم . وهذا هو الأولى بربيعة ، فإنه الملقَّب بـ ( ربيعة الرأي ) . والله تعالى أعلم . وقد استدل بعض من تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر ، وهو سعيد بن الحداد القروي بسفك الخمر على طرق المدينة . قال : ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك ، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، كما نهى عن التخلِّي في الطرق . والجواب : أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلت ذلك لضرورة الحال ، لأنهم لم تكن لهم سُروبٌ ، ولا آبارٌ يريقونها فيها ؛ إذ الغالب من حالهم : أنهم لم تكن لهم كُنُف في بيوتهم . وقالت عائشة رضي الله عنها : إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت . ونَقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ، ومشقة ، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور ، فالتحق صبها في الطرق بالنجاسات التي لا تنفكُّ الطرق عنها ، كأرواث الدواب ، وأبوالها . وأيضًا : فإنها يمكن التحرُّز منها ، فإن طرق المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر من الكثرة ، بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلّها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها . هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها ، وأنه لا ينتفع بها . ويتتابع الناس ، ويتوافقوا على ذلك ، والله أعلم .