باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
( 1579 ) [1672] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاوِيَةَ خَمْرٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا . فَسَارَّ إِنْسَانًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِمَ سَارَرْتَهُ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا . قَالَ: فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا .
( 1580 ) ( 69 و70 ) [1673] وعَنْ عَائِشَةَ قالت: لَمَّا أنَزَلَتْ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ -وفي رواية : في الربا- خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْتَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ . و( قوله صلى الله عليه وسلم للمُهْدِي راوية الخمر : ( هل علمت أن الله حرَّمها ) وقول الْمُهْدِي : لا ؛ يدلُّ على قرب عهد التحريم بزمن الإهداء . ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن له الحكم ، ولم يوبخه ، ولم يذمَّه ؛ لأن الرَّجل كان متمسِّكًا بالإباحة المتقدِّمة ، ولم يبلغه الناسخ ، فكان ذلك دليلاً : على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ ، بل ببلوغه ، كما قرَّرناه في الأصول .
و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( بم ساررته ؟ ) دليل : على أن العالم إذا خاف على أحد الوقوع فيما لا يجوز وجب عليه أن يستكشف عن ذلك الشيء حتى يتبين وجهه له ، ولا يكون هذا من باب التجسس ، بل من باب النصيحة والإرشاد . و( قوله : إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها ) الذي هنا : كناية عن اسم الله تعالى ، فكأنه قال : إن الله حرَّم شربها وحرَّم بيعها . ويحتمل أن يكون معناه : ج٤ / ص٤٥٨إن الذي اقتضى تحريم شربها اقتضى تحريم بيعها ؛ إذ لا تراد إلا للشرب ، فإذا حرم الشرب لم يجز البيع ؛ لأنه يكون من أكل المال بالباطل .
وقد دلَّ على صحة هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه ) يعني : شيئًا يؤكل ، أو يشرب ؛ لأن ذلك هو السبب الذي خرج عليه الحديث ، ويلحق به كل محرَّم نجس لا منفعة فيه . واختلف في جواز بيع ما فيه منفعة منها ، كالأزبال ، والعذرة . فحرم ذلك الشافعي ، ومالك ، وجُلّ أصحابنا .
وأجاز ذلك الكوفيون ، والطبري . وذهب آخرون : إلى إجازة ذلك للمشتري دون البائع . ورأوا : أن المشتري أعذر من البائع ؛ لأنه مضطر إلى ذلك .
روي ذلك عن بعض أصحابنا . وهي قولة عن الشافعي . وقد فهم الجمهور من تحريم الخمر وبيعها ، والمنع من الانتفاع بها ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرِّجس عليها ، والأمر باجتنابها ، الحكمَ بنجاستها .
وخالفهم في ذلك ربيعة وحده من السلف فرأى : أنها طاهرة ، وأن المحرَّم إنما هو شربها . وهو قول شاذ يردُّه ما تقدَّم . وما كان يليق بأصول ربيعة ، فإنه قد علم : أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعشرة بسببها ، وأمر باجتنابها ، وبالغ في الوعيد عليها .
فمن المناسب بتصرفات الشرع الحكم بتنجيسها مبالغة في المباعدة عنها ، وحماية لقربانها . فإن قيل : التنجيس حكم شرعي ، ولا نصّ فيه ، فلا يلزم من كون الشيء محرَّمًا أن يكون نجسًا ؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس . ج٤ / ص٤٥٩فالجواب : أنها وإن لم يكن فيها نصٌّ بالوضع الْمُتَّحِد ، لكن فيها ما يدلُّ دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها .
ويَعْرفُ ذلك من تصفَّح الآية وتفهَّمها . ثم ينضاف إلى الآية جملة ما ذكرناه ، فيحصل اليقين بالحكم بتنجيسها . ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصًّا لتعطلت الشريعة ، فإن النصوص فيها قليل .
وأيُّ نص يوجد على تنجيس البول ، والعذرة ، والدَّم ، والميتة ، وغير ذلك ، ولا يوجد نصٌّ على تنجيس شيء مما هنالك . وإنما هي الظواهر ، والعمومات ، والأقيسة . وقوله : لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس .
قلنا : لم نستدل بمجرد التحريم ، بل بتحريم مستخبث شرعي يحرم شربه ، وإن شئت أن تحرر قياسًا ؛ قلت : مستخبث شرعا ، يحرم شربه ، فيكون نجسًا كالبول ، والدَّم . وهذا هو الأولى بربيعة ، فإنه الملقَّب بـ ( ربيعة الرأي ) . والله تعالى أعلم .
وقد استدل بعض من تابع ربيعة على عدم تنجيس الخمر ، وهو سعيد بن الحداد القروي بسفك الخمر على طرق المدينة . قال : ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك ، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، كما نهى عن التخلِّي في الطرق . والجواب : أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلت ذلك لضرورة الحال ، لأنهم لم تكن لهم سُروبٌ ، ولا آبارٌ يريقونها فيها ؛ إذ الغالب من حالهم : أنهم لم تكن لهم كُنُف في بيوتهم .
وقالت عائشة رضي الله عنها : إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت . ونَقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ، ومشقة ، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور ، فالتحق صبها في الطرق بالنجاسات التي لا تنفكُّ الطرق عنها ، كأرواث الدواب ، وأبوالها . وأيضًا : فإنها يمكن التحرُّز منها ، ج٤ / ص٤٦٠فإن طرق المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر من الكثرة ، بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلّها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرُّز عنها .
هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها ، وأنه لا ينتفع بها . ويتتابع الناس ، ويتوافقوا على ذلك ، والله أعلم .