باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام
( 1581 ) [1674] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ، وَالْمَيْتَةِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَالْأَصْنَامِ . فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا ، هُوَ حَرَامٌ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ .
و( قوله : ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها ) دليل : على أن أواني الخمر إذا لم تكن مضرّاة بالخمر ؛ أنه يجوز استعمالها في غير الخمر إذا غسلت ، ألا ترى : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه إبقاءها عنده ، ولا أمره بشقها ، ولو كانت نجسة لا يطهرها الغسل لأمره بشقِّها ، وتقطيعها ، كما فعل أبو طلحة لَمَّا قال لأنس : قم إلى هذه الجرار فكسرها . قال أنس : فقمت إلى مهراس لنا ، فضربتها بأسفله حتى تكسرت . و( الراوية ) : القربة الكبيرة التي يُحْمَل فيها الماء .
وقد سُمِّي البعير الذي يحملها : راوية ؛ لأنه يحملها . وسُميت بذلك : لأنها تَرْوِي من كانت عنده ، وتُسمَّى أيضًا : مزادة ؛ لأنها زيد فيها جلد آخر ، ويحتمل أن تُسمَّى بذلك ؛ لأنها من كانت عنده في سفره كان عنده معظم الزَّاد . ج٤ / ص٤٦١
و( قول جابر ـ رضي الله عنه ـ : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح يقول : ( إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام ) كذا صحَّت الرواية: ( حرَّم ) مُسندًا إلى ضمير الواحد .
وكان أصله : حَرَّما ؛ لأنه تقدَّم اثنان ، لكن تأدَّب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين ؛ لأن هذا من نوع ما ردَّه على الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى . فقال له : ( بئس الخطيب أنت ، قل : ومن يعص الله ورسوله ) وقد قدَّمنا الكلام عليه في كتاب الصلاة . وصار هذا مثل قوله تعالى : الله بريء من المشركين ورسوله ، فيمن قرأ بنصب ( رسولَه ) غير أن الحديث فيه تقديم ، وتأخير ؛ لأنه كان حقه أن يقدم : ( حرَّم ) على ( رسوله ) كما جاء في الآية ، والله تعالى أعلم .
وهذا الحديث يدلُّ : على أن تحريم الخمر كان متقدِّما على فتح مكة ، وقد سوَّى في هذا الحديث بين الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام ، فلا يجوز بيع شيء مِمَّا يقال عليه خمرٌ . وقد قدمنا ، ويأتي : أن الخمر : كل شراب يُسكر من أي شيء كان ، من عنب أو غيره . فيحرم بيع قليله وكثيره .
وقد قلنا : إن تحريم نفعه مُعَلَّل بنجاسته ، وأنه ليس فيه منفعة مسوِّغة شرعا . وأما الميتة : فيحرم بيع ج٤ / ص٤٦٢جميع أجزائها ، حتى عظمها ، وقرنها ، ولا يستثنى عندنا منها شيء إلا ما لا تحله الحياة كالشعر ، والصوف ، والوبر ، فإنه طاهر من الميتة ، وينتزع من الحيوان في حال حياته وهو قول مالك ، وأبي حنيفة . وزاد أبو حنيفة ، وابن وهب من أصحابنا إلى ذلك : أن العظم من الفيل وغيره ، والسن ، والقرن ، والظلف ، كلها لا تَحُلُّها الحياة ، فلا تنجس بالموت .
والجمهور على خلافهما في العظم ، وما ذكر معه ، فإنها تحله الحياة . وهو الصحيح . فإن العظم والسن يألم ، وتُحَسُّ به الحرارة والبرودة ، بخلاف الشعر ، وهذا معلوم بالضرورة .
فأمَّا أطراف القرون ، والأظلاف ، وأنياب الفيل : فاختلف فيها . هل حكمها حكم أصولها فتنجس ؟ أو حكمها حكم الشعر ؟ على قولين . وأمَّا الريش : فالشعري منه شعرٌ ، وأسفله عظم .
ومتوسطه ؛ هل يلحق بأطرافه أو بأصله ؟ فيه قولان لأصحابنا . وقد قال بنجاسة الشعر الحسن البصري ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، لكنها تطهر بالغسل عندهم ، فكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة . وإلى نحو من هذا ذهب ابن القاسم في أنياب الفيل فقال : تطهر إن سُلِقَتْ بالماء .
وعن الشافعي في الشعور ثلاث روايات : إحداها : أن الشعر ينجس بالموت . والثانية : أنها طاهرة كقولنا . والثالثة : أن شعر ابن آدم وحده طاهر ، وأن ما عداه نجس .
وأمَّا الميتة : فلا تباع قبل الدباغ ، ولا ينتفع بها ؛ لأنها كلحم الميتة ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ، ولا عصب ) وأما بعد الدِّباغ ؛ فمشهور مذهب مالك : أنها لا تطهر بالدِّباغ ، وإنما ينتفع بها . وهو مذهب جماعة ج٤ / ص٤٦٣من أهل العلم . وعلى هذا فلا يجوز بيعها ، ولا الصلاة عليها ، ولا بها ، ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات ، إلا في الماء وحده .
وذهب الجمهور من السَّلف ، والخلف : إلى أنها تطهر طهارة مطلقة ، وأنها يجوز بيعها ، والصلاة عليها ، وبها . وإليه ذهب الشافعي ، ومالك في رواية ابن وهب . وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أيُّما إهاب دبغ فقد طهر ) ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( دباغ الإهاب طهوره ) وغير ذلك .
وكلها صحيح . ومما لا يجوز بيعه لأنه ميتة جسد الكافر . وقد أُعطي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق في جسد نوفل بن عبد الله المخزومي عشرة آلاف درهم .
فلم يأخذها ، ودفعه إليهم ، وقال : ( لا حاجة لنا بجسده ، ولا بثمنه ) . وأمَّا الخنزير ، وهو الحيوان المعروف البريُّ ، ولا تعرف العرب في البحر خنزيرًا . وقد سُئل مالك عن خنزير الماء ؟ فقال : أنتم تسمونه خنزيرًا ؛ أي : لا تسمِّيه العرب بذلك .
وقد اتَّقاه مرة أخرى على جهة الورع ، والله تعالى أعلم . فأمَّا البري : فلا خلاف في تحريمه ، وتحريم بيعه ، وأنه لا تعمل الذكاة فيه . ومن هنا قال كافة العلماء : إن جلده لا يُطَهِّرهُ الدِّباغ ، وإنما يُطَهِّرُ الدباغ جلد ما تعمل الذكاة في حيه .
وألحق الشافعي بالخنزير الكلب ، فلا يطهر جلده عنده . وقال الأوزاعي ، وأبو ثور : إنما الدِّباغ جلد ما يؤكل لحمه . وقد أجاز مالك تذكية السِّباع والفيل لأخذ جلودها ، وهذا إنما يتمشى على قوله بكراهة لحومها .
وأما ج٤ / ص٤٦٤على ما قاله في "الموطأ" من أن السِّباع حرام : فلا تعمل الذكاة فيها ، فلا تطهر جلودها بالدباغ ، كالخنزير . وقد شذَّ داود ، وأبو يوسف فقالا : إنه يطهر بالدِّباغ جلدُ كل حيوان ، حتى الخنزير . ومتمسكهما : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) .
ويعتضد أبو يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة . وينفصل الجمهور عنهما : بأن هذا العموم محمولٌ على نوع السبب الذي أخرجه . وهو ميتة ما تعمل الذكاة فيه ، وبأن جلد الخنزير نادرٌ لا يخطر بالبال حالة الإطلاق ، فلا يقصد بالعموم ، كما قررناه في أصول الفقه ، وبأنه : لا يقال : إهاب إلا على جلد ما يؤكل لحمه ، كما قاله النَّضْر بن شُمَيْل .
وأمَّا القياس : فليس بصحيح ؛ لوجود الفرق . وذلك : أن الأصل : ميتة ما تعمل الذَّكاة فيه . والفرع : ميتة ما لا تعمل الذكاة فيه .
فكانت أغلظ ، وأفحش . والله تعالى أعلم . وأمَّا الأصنام : فهي الصور الْمُتَخِذَةُ للعبادة ، ولا خلاف في تحريم اتخاذها ، وبيعها ، وأنها يجب كسرها ، وتغييرها .
وكذلك كل صورة مجسدة ، كانت صورة ما يعقل ، أو ما لا يعقل . وأما ما كان رقما في ثوب أو بناء في حائط ، ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى . و( قوله - وقد سُئل عن بيع شحوم الميتة - : لا ، هو حرام ) نصٌّ في أنه يحرم بيعها ؛ وإن كانت فيها منافع ، وذلك : لأنها جزء من الميتة كاللحم ، أو هي كالشحم مع اللحم ، فإنه عنه يكون .
ولا يلزم من تحريم بيعها ، والحكم بنجاستها ، ألا يجوز الانتفاع بها ، على ما قدمناه . وهذا هو الذي يتمشى على مذهب مالك ، ج٤ / ص٤٦٥فإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتت فيه ميتة من المائعات ؛ كالزيت ، والسمن ، والعسل ، وغير ذلك ، مع الحكم بنجاسته . فقال : يعمل من الزيت النجس الصابون ، ويستصبح به في غير المساجد .
ويعلف العسلُ النحلَ . ويطعم النجس الماشية . وإلى نحو ذلك ذهب الشافعي ، والثوري ، وأبو حنيفة .
وروي عن علي وابن عمر . وقد فَرَّق بعض أهل العلم بين شحوم الميتة ، وبين ما ينجس بما وقعت فيه نجاسة . فقال : لا ينتفع بالشحوم ؛ لأنها نجسة لعينها ، بخلاف ما ينجس بما وقع فيه ، فإنه ينتفع به ؛ لأن نجاسته ليست لعينه ، بل عارضة .
قلت : وهذا الفرق ليس بصحيح . فإن النجاسة حكم شرعي . والأحكام الشرعية ليست صفات للأعيان ، بل هي راجعة لقول الشارع : افعلوا ، أو لا تفعلوا .
كما قد حققناه في الأصول . ولو سلمناه لقلنا : إن النجاسة العينية قد اختلطت مع العارضة ولا مميز ، فحكمهما سواء . فإن قيل : فكيف يجوز أن يقال بجواز الانتفاع بشيء من ذلك ،
وفي الحديث الصحيح : ( إذا وقعت الفأرة في السَّمن ، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها ، وإن كان مائعًا فلا تقربوه ).
والانتفاع بها قربان لها فلا يجوز ؟! ثم في الانتفاع بها التلطخ بها عند مباشرتها ، ولا يجوز التلطخ بالنجاسات شرعا . فالجواب : القول بموجب ما ذكر . فإن القرب المنهي عنه إنما هو الأكل ؛ بدليل قوله في أول الحديث : ( إن كان جامدًا فألقوها ، وكلوه ) وفي بعض طرقه : ( وكلوا سمنكم ) ثم قال بعد هذا : ( وإن كان مائعًا فلا تقربوه ) أي : بأكل .
وأيضًا : فقد قررنا في أصول الفقه : أن الشرع إذا نهى عن شيء ، وأوقع نهيه عليه ، فإنما يعني به : النهي ج٤ / ص٤٦٦عما يراد ذلك الشيء له ، وإن سكت عنه . كما قال تعالى : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ؛ أي : بالوطء ، وكقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أي : وطؤهن ومقدماته . وكذلك العرف إذا قال العربي : لا تقرب الماء ؛ أي : لا تشربه .
والخبز ؛ أي : لا تأكله . وهذا معلوم . وأما النهي عن مباشرة النجاسات : فإنما يحمل على التحريم عند محاولة فعل الطهارة شرط فيه ؛ كالصلاة ، ودخول المسجد ، ونحو ذلك .
وأما فيما لم يكن كذلك فلا يكون حرامًا بالاتفاق . ثم اختلف القائلون بجواز الانتفاع بها . هل يجوز بيع ما ينتفع به منها أو لا ؟ على قولين ؛ والصحيح : منع الجواز ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( قاتل الله اليهود ، نُهوا عن الشحم ، فباعوه ، وأكلوا ثمنه ) .
وفي بعض طرقه : ( إن الله إذا حرَّم على قوم شيئًا حرَّم عليهم ثمنه ) . وقوله : ( قاتل الله اليهود ) أي : قتلهم ؛ كقوله تعالى : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قاله الهروي . قال : وسبيل ( فَاعَلَ ) أن يكون من اثنين ، وربما يكون من واحد ؛ كقولك : سافرت ، وطارقت النعل .
وقال ابن عباس : لعنهم . وقد جاء ذلك مصرَّحا به في الرواية الأخرى . وقال غيره : عاداهم .
و( قوله : اجتملوها ) أي : أذابوها . يقال : جملت الشحم ، واجتملته : ج٤ / ص٤٦٧إذا أذبته . والجميل : الشحم المذاب .
قال أبو عبيد : يقال : جملت ، وأجملت ، واجتملت .