[ 75 ] 1584 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ . [ 76 ] - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ : إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَأْثُرُ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ ، فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَنَافِعٌ مَعَهُ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحٍ : قَالَ نَافِعٌ : فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَنَا مَعَهُ وَاللَّيْثِيُّ ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا أَخْبَرَنِي أَنَّكَ تُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَعَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ . فَأَشَارَ أَبُو سَعِيدٍ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى عَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ ، فَقَالَ : أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ - ح . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ ح . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 14 - 19 ) بَابُ الرِّبَا مَقْصُورٌ وَهُوَ مِنْ رَبَا يَرْبُو ، فَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ ، وَتَثْنِيَتُهُ رِبَوَانِ ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كَتْبُهُ وَتَثْنِيَتُهُ بِالْيَاءِ لِسَبَبِ الْكَسْرَةِ فِي أَوَّلِهِ ، وَغَلَّطَهُمُ الْبَصْرِيُّونَ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَقَدْ كَتَبُوهُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : إِنَّمَا كَتَبُوهُ بِالْوَاوِ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ تَعَلَّمُوا الْخَطَّ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ ، وَلُغَتُهُمُ الرَّبْوُ ، فَعَلَّمُوهُمْ صُورَةَ الْخَطِّ عَلَى لُغَتِهِمْ . قَالَ : وَكَذَا قَرَأَهَا أَبُو سِمَاكٍ الْعَدَوِيُّ بِالْوَاوِ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِمَالَةِ بِسَبَبِ كَسْرَةِ الرَّاءِ ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ لِفَتْحَةِ الْيَاءِ ، قَالَ : وَيَجُوزُ كَتْبُهُ بِالْأَلِفِ وَالْوَاوِ وَالْيَاءِ ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : وَ ( الرَّمَاءُ ) بِالْمِيمِ وَالْمَدِّ هُوَ الرِّبَا ، وَكَذَلِكَ ( الرُّبْيَةُ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَالتَّخْفِيفِ لُغَةٌ فِي الرِّبَا . وَأَصْلُ الرِّبَا : الزِّيَادَةُ ، يُقَالُ : رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا زَادَ ، وَأَرْبَى الرَّجُلُ ، وَأَرْمَى عَامَلَ بِالرِّبَا . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي ضَابِطِهِ وَتَفَارِيعِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَنَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ : الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ . فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا رِبَا فِي غَيْرِ هَذِهِ السِّتَّةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ ، قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ سِوَاهُمْ : لَا يَخْتَصُّ بِالسِّتَّةِ ، بَلْ يَتَعَدَّى إِلَى مَا فِي مَعْنَاهَا وَهُوَ مَا يُشَارِكُهَا فِي الْعِلَّةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي السِّتَّةِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَوْنُهُمَا جِنْسُ الْأَثْمَانِ ، فَلَا يَتَعَدَّى الرِّبَا مِنْهُمَا إِلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمَوْزُونَاتِ وَغَيْرِهَا ، لِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ ، قَالَ : وَالْعِلَّةُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ : كَوْنُهَا مَطْعُومَةً فَيَتَعَدَّى الرِّبَا مِنْهَا إِلَى كُلِّ مَطْعُومٍ ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ فِي الْأَرْبَعَةِ : الْعِلَّةُ فِيهَا كَوْنُهَا تُدَّخَرُ لِلْقُوتِ وَتَصْلُحُ لَهُ ، فَعَدَّاهُ إِلَى الزَّبِيبِ لِأَنَّهُ كَالتَّمْرِ ، وَإِلَى الْقُطْنِيَّةِ فِي مَعْنَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : الْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْوَزْنُ ، وَفِي الْأَرْبَعَةِ الْكَيْلُ ، فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلِّ مَوْزُونٍ مِنْ نُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَإِلَى كُلِّ مَكِيلٍ كَالْجِصِّ وَالْأُشْنَانِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَأَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : الْعِلَّةُ فِي الْأَرْبَعَةِ كَوْنُهَا مَطْعُومَةً مَوْزُونَةً أَوْ مَكِيلَةً بِشَرْطِ الْأَمْرَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا لَا رِبَا فِي الْبِطِّيخِ وَالسَّفَرْجَلِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِرِبَوِيٍّ لَا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ مُتَفَاضِلًا وَمُؤَجَّلًا ، وَذَلِكَ كَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْحِنْطَةِ ، وَبَيْعِ الْفِضَّةِ بِالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَكِيلِ . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ ، وَأَحَدُهُمَا مُؤَجَّلٌ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ حَالًّا كَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ إِذَا بَاعَهُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي الْعِلَّةِ ، كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، كَصَاعِ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْ شَعِيرٍ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا ، إِلَّا مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَخْصِيصِ الرِّبَا بِالنَّسِيئَةِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَإِذَا بِيعَ الذَّهَبُ بِذَهَبٍ ، أَوِ الْفِضَّةُ بِفِضَّةٍ ، سُمِّيَتْ مُرَاطَلَةً ، وَإِذَا بِيعَتِ الْفِضَّةُ بِذَهَبٍ سُمِّيَ صَرْفًا ، لِصَرْفِهِ عَنْ مُقْتَضَى الْبِيَاعَاتِ مِنْ جَوَازِ التَّفَاضُلِ ، وَالتَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالتَّأْجِيلِ ، وَقِيلَ : مِنْ صَرِيفِهِمَا ، وَهُوَ تَصْوِيتُهُمَا فِي الْمِيزَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ ، وَصَحِيحٍ وَمَكْسُورٍ ، وَحُلِيٍّ وَتِبْرٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ الْخَالِصُ وَالْمَخْلُوطُ بِغَيْرِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ) هُوَ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ ، أَيْ لَا تُفَضِّلُوا ، وَالشِّفُّ بِكَسْرِ الشِّينِ ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى النُّقْصَانِ ، فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، يُقَالُ : شَفَّ الدِّرْهَمُ بِفَتْحِ الشِّينِ يَشِفُّ بِكَسْرِهَا إِذَا زَادَ وَإِذَا نَقَصَ ، وَأَشَفَّهُ غَيْرُهُ يَشِفُّهُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ) الْمُرَادُ بِالنَّاجِزِ الْحَاضِرُ ، وَبِالْغَائِبِ الْمُؤَجَّلُ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ مُؤَجَّلًا ، وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ أَوْ بِالشَّعِيرِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْئَيْنِ اشْتَرَكَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا ، أَمَّا إِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كِلَاهُمَا فِي الذِّمَّةِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ الدِّينَارَ ، أَوْ بَعَثَ مَنْ أَحْضَرَ لَهُ دِينَارًا مِنْ بَيْتِهِ وَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ فَيَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ; لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ لا يَتَفَرَّقَا بِلَا قَبْضٍ ، وَقَدْ حَصَلَ ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ : وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُؤَجَّلًا أَوْ غَابَ عَنِ الْمَجْلِسِ ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ ; فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ وَغَيْرَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الرِّبَا · ص 194 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق · ص 467 أبواب الصرف والربا ( 25 ) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق ( 1584 ) [1676] عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ ، وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . وفي رواية : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ . ( 1585 ) [1677] وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ . ومن أبواب الصَّرف والربا ( 25 ) ومن باب : تحريم التفاضل والنساء الصَّرف : مصدر صرف ، يصرف ، صرفًا : إذا دفع ذهبا ، وأخذ فضة ، أو عكسه . هذا عُرْفُه الشرعي . وحقيقته : بيع ذهب بفضة . وللشرع فيه معنيان : أحدهما : منع النَّساء فيه ، مع اتفاق النوع ، واختلافه ، فلا يجوز بيع ذهب بذهب ، ولا بفضة نَساء . وهذا مجمع عليه . وثانيهما : منع التفاضل في النوع الواحد منهما ، فلا يجوز ذهب بذهب ، ولا فضة بفضة متفاضلاً عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من أهل المدينة ، والحجاز ، والشام ، وغيرهم . وفيه خلاف شاذٌّ عن بعض الصحابة مرجوع عنه ، وسيأتي ذكرهم في بابه إن شاء الله تعالى . وقد دلّ على صحة ما ذكرناه من المنعين ، وإبطال قول المخالف نصوص هذا الباب ؛ كقوله : ( لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز ) . وفي اللفظ الآخر : ( إلا وزنًا بوزن ، مثلاً بمثل ، سواء بسواء ) وفي رواية : ( يدًا بيد ) وفي أخرى : ( إلا هاء وهاء ) وغير ذلك مما في هذا الباب . فهذه نصوصٌ مؤكدة ، وألفاظ متعددة ، تفيد : أن تحريم التفاضل كتحريم النَّساء ، ويستوي في ذلك أنواع كل جنس منها ، فلا يلتفت للخلاف في ذلك . وسيأتي القول إن شاء الله تعالى على قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الربا في النسيئة ) ثم اختلف العلماء : هل هذا الحكم معلل بعلة ، أو ليس معللاً ؟ فنفاة القياس منعوا ذلك على أصلهم في نفي التعليل مطلقا . وممن قال بهذا القول : داود وأتباعه . وقد تابعهم على نفي تعليل هذا الحكم بعض من قال بالقياس . بناء على أنه لم يجد دليلاً عليه ، أو : على أنه لم يجد لعلَّة ذلك فرعًا يلحقه بها . فتكون العلَّة قاصرة ، ولا يعلل بالعلة القاصرة . وهو مذهب أبي حنيفة . وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى تعليل ذلك الحكم بكونها أثمانًا . وهل هو معلل بمطلق الثمنية ، فيلحق بذلك كلما يكون ثمنًا كالفلوس ، والجلود المطبوعة إذا تُعُومل بها ، أو بثمنية تكون رءوس الأثمان ، وقيمًا للمتلفات غالبًا ، فتخرج الفلوس ، وغيرها منهما ؟ قولان لأصحابنا . والذي حمل المعللين على القول بالتعليل التمسك بالقاعدة الكلية : إن الشرع جاء باعتبار المصالح . والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل . وقد سبرنا أوصافه ، فلم نجد أولى من هذا ، فتعين أن يكون هو العلَّة . وقد حققنا هذه الأصول في الأصول ، فلتنظر هنالك . و( قوله : ولا تشفوا بعضها على بعض ) أي : لا يكن لأحدهما شفوف على الآخر ؛ أي : زيادة . وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة في هذا ، حتى جعل المتوهّم كالمتحقق . فمنع دينارًا ودرهما بدينار ودرهم ، سدًا للذريعة ، وحَسْمًا للتوهمات ؛ إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا . وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع ، فإنه يلزم منه : ذهب وفضة بذهب . وأوضح من هذا : منعه التفاضل المعنوي . وذلك : أنه منع دينارًا من الذهب العالي ، ودينارًا من الذهب الدُّون بدينارين من الوسط . فكأنه جعل الدينار من الوسط في مقابلة العالي ، وألغى الدُّون . وهذا من دقيق نظره رحمه الله تعالى .