باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق
) باب تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق ( 1584 ) [1676] عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ ، وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ إِلَّا يَدًا بِيَدٍ . وفي رواية : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ ، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ . ( 1585 ) [1677] وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ .
ومن أبواب الصَّرف والربا ( 25 ) ومن باب : تحريم التفاضل والنساء الصَّرف : مصدر صرف ، يصرف ، صرفًا : إذا دفع ذهبا ، وأخذ فضة ، أو عكسه . هذا عُرْفُه الشرعي . وحقيقته : بيع ذهب بفضة .
وللشرع فيه معنيان : أحدهما : منع النَّساء فيه ، مع اتفاق النوع ، واختلافه ، فلا يجوز بيع ذهب بذهب ، ولا بفضة نَساء . وهذا مجمع عليه . وثانيهما : منع التفاضل في النوع الواحد منهما ، فلا يجوز ذهب بذهب ، ولا فضة بفضة متفاضلاً عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من أهل المدينة ، والحجاز ، والشام ، وغيرهم .
وفيه خلاف شاذٌّ عن بعض الصحابة مرجوع عنه ، وسيأتي ذكرهم في بابه إن شاء الله تعالى . وقد دلّ على صحة ما ذكرناه من المنعين ، وإبطال قول المخالف نصوص هذا الباب ؛ كقوله : ( لا تبيعوا الذهب بالذهب ، ولا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز ) . وفي اللفظ الآخر : ( إلا وزنًا بوزن ، مثلاً بمثل ، سواء بسواء ) وفي رواية : ( يدًا بيد ) وفي أخرى : ( إلا هاء وهاء ) وغير ذلك مما في هذا الباب .
فهذه نصوصٌ مؤكدة ، وألفاظ متعددة ، تفيد : أن تحريم التفاضل كتحريم النَّساء ، ويستوي في ذلك أنواع كل جنس منها ، فلا يلتفت للخلاف في ذلك . وسيأتي القول إن شاء الله تعالى على قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الربا في النسيئة ) ثم اختلف العلماء : هل هذا الحكم معلل بعلة ، أو ليس معللاً ؟ فنفاة القياس منعوا ذلك على أصلهم في نفي التعليل مطلقا . وممن قال بهذا القول : داود وأتباعه .
وقد تابعهم على نفي تعليل هذا الحكم بعض من قال بالقياس . بناء على أنه لم يجد دليلاً عليه ، أو : على أنه لم يجد لعلَّة ذلك فرعًا يلحقه بها . فتكون العلَّة قاصرة ، ولا يعلل بالعلة القاصرة .
وهو مذهب أبي حنيفة . وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى تعليل ذلك الحكم بكونها أثمانًا . وهل هو معلل بمطلق الثمنية ، فيلحق بذلك كلما يكون ثمنًا كالفلوس ، والجلود المطبوعة إذا تُعُومل بها ، أو بثمنية تكون رءوس الأثمان ، وقيمًا للمتلفات غالبًا ، فتخرج الفلوس ، وغيرها منهما ؟ قولان لأصحابنا .
والذي حمل المعللين على القول بالتعليل التمسك بالقاعدة الكلية : إن الشرع جاء باعتبار المصالح . والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل . وقد سبرنا أوصافه ، فلم نجد أولى من هذا ، فتعين أن يكون هو العلَّة .
وقد حققنا هذه الأصول في الأصول ، فلتنظر هنالك . و( قوله : ولا تشفوا بعضها على بعض ) أي : لا يكن لأحدهما شفوف على الآخر ؛ أي : زيادة . وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة في هذا ، حتى جعل المتوهّم كالمتحقق .
فمنع دينارًا ودرهما بدينار ودرهم ، سدًا للذريعة ، وحَسْمًا للتوهمات ؛ إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا . وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع ، فإنه يلزم منه : ذهب وفضة بذهب . وأوضح من هذا : منعه التفاضل المعنوي .
وذلك : أنه منع دينارًا من الذهب العالي ، ودينارًا من الذهب الدُّون بدينارين من الوسط . فكأنه جعل الدينار من الوسط في مقابلة العالي ، وألغى الدُّون . وهذا من دقيق نظره رحمه الله تعالى .