[ 99 ] - حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ ، وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ ، فَقَالَ : أَيَدًا بِيَدٍ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : فَلَا بَأْسَ بِهِ . ، قَالَ : أَوَ قَالَ ذَلِكَ ؟ إِنَّا سَنَكْتُبُ إِلَيْهِ فَلَا يُفْتِيكُمُوهُ . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ بَعْضُ فِتْيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ فَأَنْكَرَهُ ، فَقَالَ : كَأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَمْرِ أَرْضِنَا ، قَالَ : كَانَ فِي تَمْرِ أَرْضِنَا - أَوْ فِي تَمْرِنَا - الْعَامَ بَعْضُ الشَّيْءِ ، فَأَخَذْتُ هَذَا وَزِدْتُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ ، فَقَالَ : أَضْعَفْتَ ، أَرْبَيْتَ ، لَا تَقْرَبَنَّ هَذَا ، إِذَا رَابَكَ مِنْ تَمْرِكَ شَيْءٌ فَبِعْهُ ، ثُمَّ اشْتَرِ الَّذِي تُرِيدُ مِنْ التَّمْرِ . [ 100 ] - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ ، فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا . فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ : مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا ، فَقَالَ : لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا اللَّوْنَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّى لَكَ هَذَا ؟ قَالَ : انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا ، وَسِعْرَ هَذَا كَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلَكَ ، أَرْبَيْتَ ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ؟ قَالَ : فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ ، فَنَهَانِي ، وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ . قَالَ : فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ ، فَكَرِهَهُ . [ 101 ] 1596 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى . فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا ، فَقَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ : أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ . [ 102 ] - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - قَالَ إِسْحَاقُ : أَخْبَرَنَا ، وَقَالَ الْآخَرُونَ : حَدَّثَنَا - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ . [ 103 ] - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ح . وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ قَالَا : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ : أَيَدًا بِيَدٍ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا قَالَ : فَسَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَقَالَ : مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا ، فَذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ حَدِيثَ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ، وَذَكَرْتُ رُجُوعَ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ إِبَاحَتِهِ إِلَى مَنْعِهِ ) وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ ( أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ) . مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَعْتَقِدَانِ أَنَّهُ لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ ، وَصَاعِ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنَ التَّمْرِ ، وَكَذَا الْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ ، كَانَا يَرَيَانِ جَوَازَ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا ، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحْرُمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا إِذَا كَانَ نَسِيئَةً ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّهُ سَأَلَهُمَا عَنِ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا ، يَعْنِي الصَّرْفَ مُتَفَاضِلًا كَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَكَانَ مُعْتَمَدَهُمَا حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ( إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ) ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَا بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا حِينَ بَلَغَهُمَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رُجُوعِهِمَا صَرِيحًا . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمَا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ التَّفَاضُلِ فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُمَا رَجَعَا إِلَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ ( لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ) فَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِظَاهِرِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ . وَتَأَوَّلَهُ آخَرُونَ تَأْوِيلَاتٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ ، وَهُوَ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ ثَوْبٌ مَوْصُوفٌ ، فَيَبِيعُهُ بِعَبْدٍ مَوْصُوفٍ مُؤَجَّلًا ، فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ حَالًّا جَازَ . الثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَإِنَّهُ لَا رِبًا فِيهَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُلِ ، بَلْ يَجُوزُ تَفَاضُلُهَا يَدًا بِيَدٍ . الثَّالِثُ : أَنَّهُ مُجْمَلٌ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مُبَيِّنٌ ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُبَيِّنِ ، وَتَنْزِيلُ الْمُجْمَلِ عَلَيْهِ . هَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب بَيْعِ الْقِلَادَةِ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ · ص 205 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ترك قول من قال لا ربا إلا في النسيئة · ص 483 ( 30 ) باب ترك قول من قال : لا ربا إلا في النسيئة ( 1594 ) ( 100 ) [1687] عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّرْفِ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا ، فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الصَّرْفِ فَقَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ رِبًا ، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمَا ، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَاءَهُ صَاحِبُ نَخْلِهِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ طَيِّبٍ ، وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا اللَّوْنَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ . قَالَ: انْطَلَقْتُ بِصَاعَيْنِ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ هَذَا الصَّاعَ ، فَإِنَّ سِعْرَ هَذَا فِي السُّوقِ كَذَا وَسِعْرَ هَذَا كَذَا ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرْبَيْتَ ، إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ فَبِعْ تَمْرَكَ بِسِلْعَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِسِلْعَتِكَ أَيَّ تَمْرٍ شِئْتَ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ رِبًا أَمْ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ؟ قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ بَعْدُ ، فَنَهَانِي وَلَمْ آتِ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو الصَّهْبَاءِ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ فَكَرِهَهُ . ( 30 ) ومن باب : ترك قول من قال : لا ربا إلا في النسيئة ( قول أبي نضرة : سألت ابن عمر ، وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا ) يعني به : صرف الذهب بالذهب ، أو الفضة بالفضة . سألهما عن التفاضل بينهما ، فأفتياه بالجواز أخذًا منهما بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الربا في النسيئة ) فإن هذا اللفظ ظاهره الحصر ، فكأنه قال : لا ربا إلا في النسيئة . وهكذا وقع هذا اللفظ في البخاري ، وهو مقتضى قوله هنا : ( لا ربا فيما كان يدًا بيد ) فينتفي ربا الفضل . وقد قدَّمنا : أن هذا الخلاف شاذٌّ ، متقدَّم ، مرجوع عنه ، كما قد نص عليه هنا من رجوع ابن عمر ، وابن عبَّاس عنه . وممن قال بقولهما من السَّلف : عبد الله بن الزبير ، وزيد بن أرقم ، وأسامة بن زيد . ولا شك في معارضة هذا الحديث لحديث عبادة ، وأبي سعيد ، وغيرهما . فإنَّها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل . ولَمَّا كان كذلك اختلف العلماء في كيفية التخلص من ذلك على أوجهٍ ، أشبهها وجهان : أحدهما : أن حديث ابن عباس منسوخ بحديث عبادة وأبي سعيد ، غير أنهم لم ينقلوا التاريخ نقلاً صريحًا ، وإنما أخذوه من رجوع ابن عباس عن ذلك ، ومن عمل الجمهور من الصحابة وغيرهم من علماء المدينة على خلاف ذلك . قلت : وهذا لا يدل على النسخ ، وإنما يدل على الأرجحية . وثانيهما : إن قوله : ( لا ربا إلا في النسيئة ) . إنما مقصوده نفي الأغلظ الذي حرَّمه الله بنص القرآن ، وتوعَّد عليه بالعقاب الشديد ، وجعل فاعله محاربًا لله ، وذلك بقوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ إلى آخر الآيات ، وما كانت العرب تعرف ربًا إلا ذلك ، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم : إما أن تقضي ، وإما أن تربي ؛ أي تزيد في الدَّين . وهذا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لما قال : ( ألا إن كل ربًا موضوع ، وإن أول ربًا أضعه ربانا ربا عباس ) . وهذا كما تقول العرب : إنما المال الإبل ، وإنما الشجاع عليٌّ ، وإنما الكريم يوسف ابن نبي الله . ولا عالم في البلد إلا زيد . ومثله كثير . يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل ، لا نفي الأصل . وهذا واضح . ومما يقرب فيه هذا التأويل جدًّا رواية من روى : ( لا ربا فيما كان يدًا بيد ) أي : لا ربا كثير أو عظيم ، كما قال : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) أي : لا صلاة كاملة . قلت : ويظهر لي وجه آخر وهو حسن . وذلك : أن دلالة حديث ابن عباس على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم ، ودلالة إثباته دلالة بالمنظوم . ودلالة المنظوم راجحة على دلالة المفهوم باتفاق النظار ، والحمد لله . و( قول أبي سعيد : كان تمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اللون ) يشير به إلى أنه نوع رديء من التمر ، وهو الذي سُمِّي في الحديث المتقدم بالجمع . و( قوله : فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربًا ، أم الفضة بالفضة ؟ ) استدلال نظري ألحق فيه الفرع بالأصل بطريق الأولى والأحق . وهي أقوى طرق القياس . ولذلك وافق على القول بها أكثر منكري القياس ، وقد بيَّنَّاه في الأصول ، وكأن أبا سعيد ـ رضي الله عنه ـ إنما عدل إلى هذه الطريقة لأنه لم يحضره شيء من نصوص حديث عبادة ، وفضالة المتقدِّمة . وهي أحق وأولى بالاستدلال بها على ذلك .