25 - كِتَاب الْوَصِيَّةِ [ 1 ] 1627 حَدَّثَني أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . [ 2 ] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا : وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ . وَلَمْ يَقُولَا : يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ . [ 3 ] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - ح . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ ح . وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح . وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ ح . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ . وَقَالُوا جَمِيعًا : لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ . إِلَّا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ فَإِنَّهُ قَالَ : يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ، كَرِوَايَةِ يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ . [ 4 ] - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ - إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي . وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ . [ 5 ] 1628 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ ؟ قَالَ : لَا ، الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . قَالَ : رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح . وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح . وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ يَعُودُنِي . فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . كِتَابُ الْوَصِيَّةِ ( 1 ) باب الْوَصِيَّةِ بالثلث قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ أُوصِيهِ إِذَا وَصَلْتُهُ ، وَسُمِّيَتْ وَصِيَّةً ; لِأَنَّهُ وَصَلَ مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ ، وَيُقَالُ : وَصَّى وَأَوْصَى إِيصَاءً ، وَالِاسْمُ : الْوَصِيَّةُ وَالْوَصَاةُ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ كِتَابِ الْوَصِيَّةِ هُوَ ابْتِدَاءُ الْفَوَاتِ الثَّانِي مِنَ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فَاتَتْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ صَاحِبَ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ ، وَسَبَقَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَهَذَا أَوَّلُ الثَّانِي ، وَهُوَ قَوْلُ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( ثَلَاثُ لَيَالٍ ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا ، لَكِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ الْجَمَاهِيرِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لَا وَاجِبَةٌ ، وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإِيجَابِهَا ، لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا ، وَأَنْ يَكْتُبَهَا فِي صِحَّتِهِ ، وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيَكْتُبُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا ، قَالُوا : وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ يَوْمٍ مُحَقَّرَاتِ الْمُعَامَلَاتِ وَجُزْئِيَّاتِ الْأُمُورِ الْمُتَكَرِّرَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ) فَمَعْنَاهُ : مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا ، أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكِتَابَةِ ، بَلْ لَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا تَنْفَعُ إِلَّا إِذَا كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَكْفِي الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ ؛ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لِلْإِمَامِ كَاسْتِحْبَابِهَا لِآحَادِ النَّاسِ ، وَمَعْنَى ( أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ ) أَيْ : قَرَبْتُهُ وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : أَشْفَى عَلَيْهِ وَأَشَافَ ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَا يُقَالُ أَشْفَى إِلَّا فِي الشَّرِّ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : الْوَجَعُ اسْمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ . وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمَرِيضِ مَا يَجِدُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ دُعَاءِ صَالِحٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوِ اسْتِفْتَاءٍ عَنْ حَالِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّسَخُّطِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ قَادِحٌ فِي أَجْرِ مَرَضِهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا ذُو مَالٍ ) دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ جَمْعِ الْمَالِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ إِلَّا لِمَالٍ كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ) أَيْ : وَلَا يَرِثُنِي مِنَ الْوَلَدِ وَخَوَاصِّ الْوَرَثَةِ ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لَهُ عَصَبَةٌ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : لَا يَرِثُنِي مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ . قَوْلُهُ : ( أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ . قَالَ : لَا . الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَفِي بَعْضٍ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، قَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ نَصْبُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ ، أَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ ، أَيْ : أَعْطِ الثُّلُثَ ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ ، أَيْ : يَكْفِيكَ الثُّلُثُ ، أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَحُذِفَ خَبَرُهُ ، أَوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ الْمُبْتَدَأِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُرَاعَاةُ الْعَدْلِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا ، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنَ الثُّلُثِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ وَارِثٌ لَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا بِإِجَازَتِهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى نُفُوذِهَا بِإِجَازَتِهِ فِي جَمِيعِ الْمَالِ . وَأَمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصَّدَقَةِ : الْوَصِيَّةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الصَّدَقَةَ الْمُنَجَّزَةَ ، وَهُمَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً سَوَاءٌ ، لَا يَنْفُذُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا بِرِضَا الْوَارِثِ ، وَخَالَفَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَقَالُوا : لِلْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ وَيَتَبَرَّعُ بِهِ كَالصَّحِيحِ ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ حَدِيثِ : ( الثُّلُثُ كَثِيرٌ ) مَعَ حَدِيثِ : ( الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ فِي مَرَضِهِ فَأَعْتَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ) . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ الْعَالَةُ : الْفُقَرَاءُ . وَيَتَكَفَّفُونَ : يَسْأَلُونَ النَّاسَ فِي أَكُفِّهِمْ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : رُوِّينَا قَوْلُهُ : ( إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَثٌّ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَأَنَّ صِلَةَ الْقَرِيبِ الْأَقْرَبِ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَبْعَدِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْجِيحِ الْغَنِيِّ عَلَى الْفَقِيرِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِيِ امْرَأَتِكَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ . وَفِيهِ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ بِنِيَّتِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْعِيَالِ يُثَابُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى . وَفِيهِ أَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى صَارَ طَاعَةً ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِيِ امْرَأَتِكَ لِأَنَّ زَوْجَةَ الْإِنْسَانِ هِيَ مِنْ أَخَصِّ حُظُوظِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَشَهَوَاتِهِ وَمَلَاذِّهِ الْمُبَاحَةِ ، وَإِذَا وَضَعَ اللُّقْمَةَ فِي فِيهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّلَذُّذِ بِالْمُبَاحِ ، فَهَذِهِ الْحَالَةُ أَبْعَدُ الْأَشْيَاءِ عَنِ الطَّاعَةِ وَأُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَمَعَ هَذَا فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِهَذِهِ اللُّقْمَةِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ، حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ بِذَلِكَ ، فَغَيْرُ هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْلَى بِحُصُولِ الْأَجْرِ إِذَا أَرَادَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَقَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى يُثَابُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ كَالْأَكْلِ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالنَّوْمِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لِيَقُومَ إِلَى الْعِبَادَةِ نَشِيطًا ، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبَصَرَهُ وَنَحْوِهِمَا عَنِ الْحَرَامِ ، وَلِيَقْضِيَ حَقَّهَا ، لِيُحَصِّلَ وَلَدًا صَالِحًا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ) فَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ : أُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَهُ إِمَّا إِشْفَاقًا مِنْ مَوْتِهِ بِمَكَّةَ ; لِكَوْنِهِ هَاجَرَ مِنْهَا ، وَتَرَكَهَا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَخَشِيَ أَنْ يَقْدَحَ ذَلِكَ فِي هِجْرَتِهِ ، أَوْ فِي ثَوَابِهِ عَلَيْهَا ، أَوْ خَشِيَ بِبَقَائِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ انْصِرَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَخَلُّفِهِ عَنْهُمْ بِسَبَبِ الْمَرَضِ ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الرُّجُوعَ فِيمَا تَرَكُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ( أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِه ) قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : كَانَ حُكْمُ الْهِجْرَةِ بَاقِيًا بَعْدَ الْفَتْحِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، فَأَمَّا مَنْ هَاجَرَ بَعْدَهُ فَلَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ ) طُولَ الْعُمْرِ ، لِلِازْدِيَادِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَالْحَثِّ عَلَى إِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( يَنْتَفِعَ ) بِزِيَادَةِ التَّاءِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، فَإِنَّ سَعْدًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَاشَ حَتَّى فَتَحَ الْعِرَاقَ وَغَيْرَهُ ، وَانْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَتَضَرَّرَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فَإِنَّهُمْ قُتِلُوا وَصَارُوا إِلَى جَهَنَّمَ ، وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ، وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَدِيَارُهُمْ ، وَوَلِيَ الْعِرَاقَ فَاهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ خَلَائِقُ ، وَتَضَرَّرَ بِهِ خَلَائِقُ بِإِقَامَتِهِ الْحَقَّ فِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ . قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : لَا يُحْبِطُ أَجْرَ هِجْرَةِ الْمُهَاجِرِ بَقَاؤُهُ بِمَكَّةَ وَمَوْتُهُ بِهَا إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُحْبِطُهُ مَا كَانَ بِالِاخْتِيَارِ ، قَالَ : وَقَالَ قَوْمٌ : مَوْتُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ مُحْبِطٌ هِجْرَتَهُ كَيْفَمَا ما كَانَ ، قَالَ : قِيلَ : لَمْ تُفْرَضِ الْهِجْرَةُ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ قَالَ الْقَاضِي : اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ - كَيْفَ كَانَ - قَادِحٌ فِي هِجْرَتِهِ ، قَالَ : وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عِنْدِي ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَعَا لَهُمْ دُعَاءً عَامًّا ، وَمَعْنَى أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ : أَيْ أَتْمِمْهَا وَلَا تُبْطِلْهَا ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ بِتَرْكِ هِجْرَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ مُسْتَقِيمِ حَالِهِمُ الْمَرْضِيَّةِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) الْبَائِسُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُ الْبُؤْسِ ، وَهُوَ الْفَقْرُ وَالْقِلَّةُ . قَوْلُهُ : ( يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلِ انْتَهَى كَلَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) فَقَالَ الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ - أَنَّهُ يَرْثِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَوَجَّعُ لَهُ وَيَرِقُّ عَلَيْهِ ; لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَائِلِ هَذَا الْكَلَامِ مَنْ هُوَ ؟ فَقِيلَ : هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَقِيلَ : لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا . قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُ : وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ هَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ وَمَاتَ بِهَا . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : إِنَّهُ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا ، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ ، وَقِيلَ : تُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ فِي الْهُدْنَةِ ، خَرَجَ مختارا مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَعَلَى هَذَا وَعَلَى قَوْلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ سَبَبُ بُؤْسِهِ سُقُوطُ هِجْرَتِهِ ; لِرُجُوعِهِ مُخْتَارًا ، وَمَوْتِهِ بِهَا ، وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ سَبَبُ بُؤْسِهِ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الْكَامِلِ بِالْمَوْتِ فِي دَارِ هِجْرَتِهِ وَالْغُرْبَةِ عَنْ وَطَنِهِ إِلَى هِجْرَةٍ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ : إِنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ ( قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ : خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ هَذَا هُوَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ . وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا : جَوَازُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَفَرِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْفَاءِ ، وَهِيَ مَحَلَّةٌ بِالْكُوفَةِ كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَسْكُنُهَا ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ ، وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَاسْمُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ الثِّقَةُ الزَّاهِدُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ ، قَالَ عَلِيُّ الْمَدِينِيِّ : مَا أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ بِالْكُوفَةِ أَعْبَدَ مِنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ . وَقَالَ وَكِيعٌ : إِنْ كَانَ يُدْفَعُ بِأَحَدٍ فِي زَمَانِنَا - يَعْنِي الْبَلَاءَ وَالنَّوَازِلَ - فَبِأَبِي دَاوُدَ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاث وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ · ص 245 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز · ص 538 ( 19 ) كتاب الوصايا والفرائض ( 1 ) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز ( 1627 ) [1706] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . وفي رواية : يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، وفيها : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي . ( 19 ) كتاب الوصايا والفرائض ( 1 ) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز الوصايا : جمع وصية ؛ كالقضايا : جمع قضية ، وهي في الأصل : عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ، ويعهد به في الحياة ، وبعد الموت . وخصَّصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) الحق في اللغة هو : الثابت مطلقا . فإذا أطلق في الشرع ، فالمراد به : ثبوت الحكم فيه . ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون : واجبا ، ومندوبًا ، ومباحًا ؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها ، لكن إطلاق الحق على المباح قل ما يقع في الشريعة ، وإنما يوجد فيها بمعنى الواجب ، والندب . فإن اقترن به ( على ) أو ما في معناها ؛ ظهر فيه قصد الوجوب . وإن لم يقترن به ذلك ؛ كان محتملاً للأمرين ، كما قد جاء في هذا الحديث . وعلى هذا : فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية ؛ لأنه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله ، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق : إنه قد اقترن به ما يدلّ على الندب . وهو إضافته للمسلم ، وتعليق الوصية على الإرادة في قوله : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ) . واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب . ثم لو سلمنا : أن ظاهره الوجوب فنقول بموجبه ، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم ، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة ، فهذا تجب عليه الوصية . ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت . وإذا تقرر هذا ؛ فاعلم : أن الوصية في أول الإسلام كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث ، كما قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وهي بمجموع قرائنها نصٌّ في وجوب الوصية لمن ذكر فيها ، ثم : إنها بعد ذلك نسخت . واختلف في ناسخها . فقيل : آية المواريث . وفيه إشكال ؛ إذ لا تعارض بين أن يجمع بينهما ، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية عن المورث ، وبالميراث إن لم يوص ، أو ما بقي بعد الوصية ، لكن هذا قد منع الإجماع منه . وهو خلاف نص قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصيه لوارث ) . فإذًا آية المواريث لم تستقل بنسخ آية الوصية ، بل بضميمةٍ أخرى ، وهي السُّنَّة المذكورة ، ولذلك قال بعض علمائنا : إن نسخ الوصية للقرابة إنما كان بالسُّنة المذكورة ، غير أنه يرد عليه : أن هذا نسخ القرآن بخبر الواحد . والجواب عنه : إنَّ ذلك قد كان معمولاً به في الصحابة كما قد حكاه الأصوليون في كتبهم . ولو سلمنا : أن ذلك لا يجوز ؛ فلم يكن ذلك الخبر آحادًا ، بل كان متواترًا . فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة ، وأخبرهم بنسخ ذلك بسنَّته . وأهل عرفة عدد كثير ، وجم غفير ، لا يحيط بهم بلد ، ولا يحصرهم عدد ، فقد كان متواترًا ، فنسخ المقطوع بالمقطوع . ونحن وإن كان هذا الخبر قد بلغنا آحادًا ؛ لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين : أنَّه لا تجوز الوصية لوارث ، فقد ظهر : أن وجوب الوصية للأقربين منسوخ بالسُّنة ، وأنها مستند المجمعين ، غير أنه قد ذهبت طائفة ؛ وهم : الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وطاوس : إلى أن وجوب الوصية ليس منسوخًا في حق جميع القرابة ، بل في حق الوارثين خاصة . واختاره الطبري . قلت : وعلى هذا فلا يكون هذا نسخًا عند هؤلاء ، بل : تخصيصًا لعموم قوله تعالى : وَالأَقْرَبِينَ بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا وصية لوارث ) وهذا لا يحتاج فيه أن يكون قوله : ( لا وصية لوارث ) متواترًا ؛ لأنه يجوز تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة اتفاقًا من الأكثر . وهو الصحيح على ما ذكرناه في الأصول . و( قوله : له شيء يوصي فيه ) عامٌّ في الأموال والبنين الصغار ، والحقوق التي له وعليه كلها ، من ديون ، وكفارات ، وزكوات فرَّط فيها ، فإذا وصَّى بذلك ؛ أخرجت الديون من رأس المال . والكفارات ، والزكوات من ثلثه ، على تفصيل يعرف في الفقه . و( قوله : يبيت ليلتين ) المقصود بذكر الليلتين ، أو الثلاث : التقريب ، وتقليل مدَّة ترك كتب الوصية . ولذلك لَمَّا سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته . والحزم المبادرة إلى كتبها أول أوقات الإمكان ، لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة . ويحتمل أن يكون إنما خصَّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه ، فيتحقق بذلك ، ويروي فيها ما يوصي به ، ولمن يوصي ، إلى غير ذلك . و( قوله : إلا ووصيته مكتوبة عنده ) ذِكْرُ الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق ؛ لأنه إنما يعني : بكونها مكتوبة ، مشهودًا بها . وهي الوصية المتفق على العمل بها ، فلو أشهد بها العدول ، وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعُمِل بها ، وإن لم تكتب خطًا ، فلو كتبها بيده ، ولم يشهد بها ؛ فلم يختلف قول مالك : أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه ، فيلزم تنفيذه . واختلف عن مالك فيما إذا كتبها ، وأشهد عليها ، فقال فيها : إن مت في سفري هذا ، أو في مرضي هذا ، فسلم من الموت في ذلك السَّفر والمرض ، ولم يخرجها من يده حتى مات بعد ذلك . فهل تنفذ أو لا ؟ قولان . فلو وضعها على يد غيره نُفِّذَت . ولو لم يقيدها بذلك المرض ولا بذلك السَّفر ، وأمسكها عنده إلى أن مات نُفِّذت قولاً واحدًا . وتفصيل مسائل الوصايا في الأمهات .