باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز
( 19 ) كتاب الوصايا والفرائض ( 1 ) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز ( 1627 ) [1706] عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . وفي رواية : يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، وفيها : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي . ج٤ / ص٥٣٩( 19 ) كتاب الوصايا والفرائض ( 1 ) باب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز الوصايا : جمع وصية ؛ كالقضايا : جمع قضية ، وهي في الأصل : عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ، ويعهد به في الحياة ، وبعد الموت .
وخصَّصها العرف بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) الحق في اللغة هو : الثابت مطلقا . فإذا أطلق في الشرع ، فالمراد به : ثبوت الحكم فيه .
ثم الحكم الثابت في الشريعة يكون : واجبا ، ومندوبًا ، ومباحًا ؛ إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيها ، لكن إطلاق الحق على ج٤ / ص٥٤٠المباح قل ما يقع في الشريعة ، وإنما يوجد فيها بمعنى الواجب ، والندب . فإن اقترن به ( على ) أو ما في معناها ؛ ظهر فيه قصد الوجوب . وإن لم يقترن به ذلك ؛ كان محتملاً للأمرين ، كما قد جاء في هذا الحديث .
وعلى هذا : فلا حجة لداود في التمسك بحق الذي في هذا الحديث على وجوب الوصية ؛ لأنه لم يقترن به قرينة تزيل إجماله ، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق : إنه قد اقترن به ما يدلّ على الندب . وهو إضافته للمسلم ، وتعليق الوصية على الإرادة في قوله : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه ) . واقتران مثل هذا يقوِّي إرادة الندب .
ثم لو سلمنا : أن ظاهره الوجوب فنقول بموجبه ، فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم ، أو كانت له حقوق عند أناس يخاف تلفها على الورثة ، فهذا تجب عليه الوصية . ولا يختلف فيه إذا خاف ضياعها بسبب الموت . وإذا تقرر هذا ؛ فاعلم : أن الوصية في أول الإسلام كانت واجبة للوالدين والأقربين قبل نزول المواريث ، كما قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وهي بمجموع قرائنها نصٌّ في وجوب الوصية لمن ذكر فيها ، ثم : إنها بعد ذلك نسخت .
واختلف في ناسخها . فقيل : آية المواريث . وفيه إشكال ؛ إذ لا تعارض بين أن يجمع بينهما ، فيكون للقرابة أخذ المال بالوصية عن المورث ، وبالميراث إن لم يوص ، أو ما بقي بعد الوصية ، لكن هذا قد منع الإجماع منه .
وهو خلاف نص قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصيه لوارث ) . فإذًا آية المواريث لم تستقل بنسخ آية الوصية ، بل بضميمةٍ أخرى ، وهي السُّنَّة المذكورة ، ولذلك قال بعض علمائنا : إن نسخ الوصية للقرابة إنما كان بالسُّنة المذكورة ، غير أنه يرد عليه : أن هذا نسخ القرآن بخبر الواحد . ج٤ / ص٥٤١والجواب عنه : إنَّ ذلك قد كان معمولاً به في الصحابة كما قد حكاه الأصوليون في كتبهم .
ولو سلمنا : أن ذلك لا يجوز ؛ فلم يكن ذلك الخبر آحادًا ، بل كان متواترًا . فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألقاه على أهل عرفة يوم عرفة ، وأخبرهم بنسخ ذلك بسنَّته . وأهل عرفة عدد كثير ، وجم غفير ، لا يحيط بهم بلد ، ولا يحصرهم عدد ، فقد كان متواترًا ، فنسخ المقطوع بالمقطوع .
ونحن وإن كان هذا الخبر قد بلغنا آحادًا ؛ لكن قد انضم إليه إجماع المسلمين : أنَّه لا تجوز الوصية لوارث ، فقد ظهر : أن وجوب الوصية للأقربين منسوخ بالسُّنة ، وأنها مستند المجمعين ، غير أنه قد ذهبت طائفة ؛ وهم : الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وطاوس : إلى أن وجوب الوصية ليس منسوخًا في حق جميع القرابة ، بل في حق الوارثين خاصة . واختاره الطبري . قلت : وعلى هذا فلا يكون هذا نسخًا عند هؤلاء ، بل : تخصيصًا لعموم قوله تعالى : وَالأَقْرَبِينَ بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا وصية لوارث ) وهذا لا يحتاج فيه أن يكون قوله : ( لا وصية لوارث ) متواترًا ؛ لأنه يجوز تخصيص القرآن بالسنة غير المتواترة اتفاقًا من الأكثر .
وهو الصحيح على ما ذكرناه في الأصول . و( قوله : له شيء يوصي فيه ) عامٌّ في الأموال والبنين الصغار ، والحقوق التي له وعليه كلها ، من ديون ، وكفارات ، وزكوات فرَّط فيها ، فإذا وصَّى بذلك ؛ أخرجت الديون من رأس المال . والكفارات ، والزكوات من ثلثه ، على تفصيل يعرف في الفقه .
ج٤ / ص٥٤٢و( قوله : يبيت ليلتين ) المقصود بذكر الليلتين ، أو الثلاث : التقريب ، وتقليل مدَّة ترك كتب الوصية . ولذلك لَمَّا سمعه ابن عمر لم يبت ليلة إلا بعد أن كتب وصيته . والحزم المبادرة إلى كتبها أول أوقات الإمكان ، لإمكان بغتة الموت التي لا يأمنها العاقل ساعة .
ويحتمل أن يكون إنما خصَّ الليلتين بالذكر فسحة لمن يحتاج إلى أن ينظر فيما له وما عليه ، فيتحقق بذلك ، ويروي فيها ما يوصي به ، ولمن يوصي ، إلى غير ذلك . و( قوله : إلا ووصيته مكتوبة عنده ) ذِكْرُ الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق ؛ لأنه إنما يعني : بكونها مكتوبة ، مشهودًا بها . وهي الوصية المتفق على العمل بها ، فلو أشهد بها العدول ، وقاموا بتلك الشهادة لفظًا لعُمِل بها ، وإن لم تكتب خطًا ، فلو كتبها بيده ، ولم يشهد بها ؛ فلم يختلف قول مالك : أنه لا يُعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه ، فيلزم تنفيذه .
واختلف عن مالك فيما إذا كتبها ، وأشهد عليها ، فقال فيها : إن مت في سفري هذا ، أو في مرضي هذا ، فسلم من الموت في ذلك السَّفر والمرض ، ولم يخرجها من يده حتى مات بعد ذلك . فهل تنفذ أو لا ؟ قولان . فلو وضعها على يد غيره نُفِّذَت .
ولو لم يقيدها بذلك المرض ولا بذلك السَّفر ، وأمسكها عنده إلى أن مات نُفِّذت قولاً واحدًا . وتفصيل مسائل الوصايا في الأمهات .