باب إثم من غصب شيئًا من الأرض
( 38 ) باب إثم من غصب شيئًا من الأرض ( 1610 ) ( 139 ) [1703] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا ، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْرًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا ، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا . فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأعم بَصَرَهَا ، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا . قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا ، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ .
وفي رواية : فَقَالَ سعيد : دَعُوهَا وَإِيَّاهَا . وفيها : فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ . ( 1612 ) [1704] وعَنْ أَبي سَلَمَةَ ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ ، وَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ ، اجْتَنِبْ الْأَرْضَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ .
( 1611 ) [1705] ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ج٤ / ص٥٣٤( 38 ) ومن باب : إثم من غصب شيئًا من الأرض ( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين ) هذا وعيدٌ شديدٌ ، يفيد : أن أخذ شيء من الأرض بغير حقه من أكبر الكبائر على أي وجه كان من غضب ، أو سرقة ، أو خديعة ، قليلاً كان أو كثيرًا . ألا تسمع قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإن كان قيد شبر ) .
واختلف في معنى : ( طوقه ) . فقيل : معناه : كلّف أن يطيق حمله ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وقد جاء في غير "مسلم" : ( جاء يحمله يوم القيامة إلى سبع أرضين ) وفي أخرى : ( كُلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر ) . وقيل : جعلت في عنقه كالطَّوق ؛ كما قال تعالى : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وهو ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها : ( طوقه من سبع أرضين ) .
وقيل : ج٤ / ص٥٣٥خسف به في مثل الطوق منها . وهو ظاهر قوله : ( طوقه الله إلى سبع أرضين ) . وفي " البخاري " نصًّا : ( خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين ) .
وقيل : يجمع ذلك كله عليه . وقد دلّ على ذلك ما رواه الطبري في هذا الحديث ، وقال : ( كلفه الله حمله حتى يبلغ سبع أرضين ، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقْضي الله بين الناس ) . والله تعالى أعلم .
وفيه ما يدل : على أن الأرضين سبع ، كما قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ؛ أي : في العدد ؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار ، فتعيَّن العدد ، والله تعالى أعلم . وقد استدل به الداودي : على أن السبع الأرضين لم يفتق بعضها من بعض . قال : لأنه لو فتق بعضها من بعض لم يطوق منها ما ينتفع به غيره .
وقد جاء في غلظهن ، وما بينهن خبر ، وليس في ذلك شيء صحيح . وقد استدل غيره به : على أن من ملك شيئًا من الأرض ملك ما تحته مما يقابله . فكل ما يجد فيه من معدن ، أو كنز فهو له .
وقد اختلف في ذلك في المذهب . فقيل ذلك ، وقيل : هو للمسلمين . وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره .
وكذلك : أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد ، فيُمْنَع . وقول مروان لما سمع الحديث : ( لا أسألك بينة ) قرأناه بفتح الكاف على خطاب سعيد ، وهو صحيح ، وفيه إشكال ، وذلك : أن الأرض كانت في يد سعيد وادعت المرأة : أنَّه غصبها إيَّاها . ألا ترى قول عروة : إن أروى ادعت على سعيد : أنه أخذ لها شيئًا من أرضها ، فهو المدَّعى عليه ، وكيف يكلف المدَّعى عليه إقامة البينة على إبطال دعوى الْمُدَّعِي ؟! وإنما القضاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي ج٤ / ص٥٣٦المدَّعِي : ( شاهداك أو يمينه ) وإنما يصلح أن يخاطب بهذه الكاف المدَّعِية .
وعلى هذا : فينبغي أن تكون مكسورة ، ويكون مروان قال ذلك لها كفًّا لها عن تماديها على دعواها ؛ لعلمه بصدق سعيد من جهة قرائن أحواله ، لا أن الخبر الذي ذكره يدلُّ على براءته من دعواها ، لكن ما كان معلومًا من دين سعيد ومن ورعه وفضله ، وأنه مشهود له بالجنة ، وعظم هذا الوعيد الشديد الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة مع نزارة هذا القدر المدّعى عليه به . فحصل عند مروان العلم بصدقه ، فقال للمرأة : لا أسألك بينة ؛ أي : لأنك لا تجدينها بوجه . ثم إنه لم يقض بينهما بشيء ، ولم يحوجه سعيدٌ إلى قضاء ، بل بادر إلى أن سلم لها ما ادَّعته وزادها من أرضه .
فقال : دعوها لها . قلت : فهذا الذي ظهر لي في هذا الخطاب ، فإنه إن كان متوجهًا لسعيد لزم أن يكون مروان عدل عن جهة القضاء المنصوص عليها ؛ التي لا اختلاف فيها ، وأن سعيدًا أقرَّه عليها . وكل ذلك باطل ، فتعيَّن ما اخترناه ، والله تعالى أعلم .
ويعني بـ ( البينة ) : من يشهد لسعيد بصحة الحديث الذي رواه ، لأنه صدقه في الرواية ، ولم يحتج إلى الاستظهار بزيادة شهادة غيره على ذلك ، ولم يرد بالبينة هنا : الشهادة التي يستند حكم الحاكم إليها ؛ لأنها لا تلزم المدّعى عليه ، فكيف يسقط عنه ما لا يلزم ؟ و( قول سعيد : اللهم ! إن كانت كاذبة فأعم بصرها ، واقتلها في أرضها ) ج٤ / ص٥٣٧دليلٌ على أن سعيدًا استجاز الدُّعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه . وفيه إشكال مع قوله تعالى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وقوله : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ووجه الإشكال : أنه كما لا يجوز أن يأخذ من الظالم والغاصب زيادة على القصاص ، أو على مقدار ما أخذ ، كذلك لا يجوز أن يدعو عليه بزيادة على ذلك ، لإمكان الإجابة ، فتحصل الزيادة الممنوعة ، ولو لم يستجب له ؛ أليس قد أراد وتمنى شرًّا زائدًا على قدر الجناية للمسلم ؟! وهو ممنوع منه ، وإنما الذي يجوز أن يدعو به على الظالم : أن يقول : اللهم خذ لي حقي منه . اللهم افعل به ما فعل ، وما أشبه ذلك وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ويجاب عنه بالفرق بين الدَعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه ، وبين أن يفعل به أكثر مما ظلم فيه ؛ فإن الدعاء ليس مقطوعًا بإجابته ، فإذا صدر عن المظلوم بحكم حرقة مظلمته ، وشدَّة موجدته ، لم نقل : إنه صدر عنه محرَّم ، وغاية ذلك : أن يكون ترك الأولى ؛ لأنه منتصر ، ولأنه لم يصبر .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إيَّاك ودعوة المظلوم ، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ) ويدل على جواز ذلك : ما روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً خَلِق الثياب ، فأمره أن يلبس ثوبيه ، فلما لبسهما قال : ( ما له ؟ - ضرب الله عنقه - أليس هذا خيرًا ) وفي كتاب أبي داود : عن ج٤ / ص٥٣٨سعيد بن غزوان ، عن أبيه : أنه مرَّ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك ، وهو يصلي ، فقال : ( قطع صلاتنا ، قطع الله أثره ) قال : فما قمت عليهما إلى يومي هذا - يعني : رجليه- ؛ فدلَّ هذا على أن الدَّعاء المذكور ليس محرَّمًا . وأما قوله : إنه أراد الشرَّ للظالم وتمنَّاه . فنقول بجواز ذلك ، ليرتدع الظالم عن شره ، أو غيره ممن يريد الظلم والشر .
ولو سلمنا : أن ذلك لا يجوز لأمكن أن يقال : إنه لا يلزم من الدُّعاء بالشر أن يكون ذلك الشر متمنَّى ، ولا مرادًا للدَّاعي ، فإن الإنسان قد يدعو على ولده وحبيبه بالشر ؛ بحكم بادرة الغضب ، ولا يريد وقوعه به ، ولا يتمناه ، والله تعالى أعلم .