25 - كِتَاب الْوَصِيَّةِ [ 1 ] 1627 حَدَّثَني أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . [ 2 ] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا : وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ . وَلَمْ يَقُولَا : يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ . [ 3 ] وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - ح . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ - كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ ح . وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح . وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ ح . وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ - يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ - كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ . وَقَالُوا جَمِيعًا : لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ . إِلَّا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ فَإِنَّهُ قَالَ : يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ، كَرِوَايَةِ يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ . [ 4 ] - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ - إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي . وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ . [ 5 ] 1628 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ ؟ قَالَ : لَا ، الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ؛ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . قَالَ : رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح . وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ح . وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ يَعُودُنِي . فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا . كِتَابُ الْوَصِيَّةِ ( 1 ) باب الْوَصِيَّةِ بالثلث قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ أُوصِيهِ إِذَا وَصَلْتُهُ ، وَسُمِّيَتْ وَصِيَّةً ; لِأَنَّهُ وَصَلَ مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ ، وَيُقَالُ : وَصَّى وَأَوْصَى إِيصَاءً ، وَالِاسْمُ : الْوَصِيَّةُ وَالْوَصَاةُ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ كِتَابِ الْوَصِيَّةِ هُوَ ابْتِدَاءُ الْفَوَاتِ الثَّانِي مِنَ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فَاتَتْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ صَاحِبَ مُسْلِمٍ فَلَمْ يَسْمَعْهَا مِنْ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي الْفُصُولِ الَّتِي فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ ، وَسَبَقَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ ، وَهَذَا أَوَّلُ الثَّانِي ، وَهُوَ قَوْلُ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ وَاللَّفْظُ لِابْنِ مُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( ثَلَاثُ لَيَالٍ ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا ، لَكِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ الْجَمَاهِيرِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لَا وَاجِبَةٌ ، وَقَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإِيجَابِهَا ، لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا ، وَأَنْ يَكْتُبَهَا فِي صِحَّتِهِ ، وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيَكْتُبُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا ، قَالُوا : وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَكْتُبَ كُلَّ يَوْمٍ مُحَقَّرَاتِ الْمُعَامَلَاتِ وَجُزْئِيَّاتِ الْأُمُورِ الْمُتَكَرِّرَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ) فَمَعْنَاهُ : مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا ، أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكِتَابَةِ ، بَلْ لَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا تَنْفَعُ إِلَّا إِذَا كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَكْفِي الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ ؛ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لِلْإِمَامِ كَاسْتِحْبَابِهَا لِآحَادِ النَّاسِ ، وَمَعْنَى ( أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ ) أَيْ : قَرَبْتُهُ وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : أَشْفَى عَلَيْهِ وَأَشَافَ ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَا يُقَالُ أَشْفَى إِلَّا فِي الشَّرِّ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : الْوَجَعُ اسْمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ . وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْمَرِيضِ مَا يَجِدُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ دُعَاءِ صَالِحٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوِ اسْتِفْتَاءٍ عَنْ حَالِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّسَخُّطِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ قَادِحٌ فِي أَجْرِ مَرَضِهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا ذُو مَالٍ ) دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ جَمْعِ الْمَالِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ إِلَّا لِمَالٍ كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ) أَيْ : وَلَا يَرِثُنِي مِنَ الْوَلَدِ وَخَوَاصِّ الْوَرَثَةِ ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لَهُ عَصَبَةٌ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : لَا يَرِثُنِي مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ . قَوْلُهُ : ( أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْتُ : أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ . قَالَ : لَا . الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَفِي بَعْضٍ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، قَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ نَصْبُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ ، أَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ ، أَيْ : أَعْطِ الثُّلُثَ ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ ، أَيْ : يَكْفِيكَ الثُّلُثُ ، أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَحُذِفَ خَبَرُهُ ، أَوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ الْمُبْتَدَأِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُرَاعَاةُ الْعَدْلِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا ، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُنْقِصَ مِنَ الثُّلُثِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ وَارِثٌ لَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا بِإِجَازَتِهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى نُفُوذِهَا بِإِجَازَتِهِ فِي جَمِيعِ الْمَالِ . وَأَمَّا مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصَّدَقَةِ : الْوَصِيَّةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الصَّدَقَةَ الْمُنَجَّزَةَ ، وَهُمَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً سَوَاءٌ ، لَا يَنْفُذُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إِلَّا بِرِضَا الْوَارِثِ ، وَخَالَفَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَقَالُوا : لِلْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ وَيَتَبَرَّعُ بِهِ كَالصَّحِيحِ ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ حَدِيثِ : ( الثُّلُثُ كَثِيرٌ ) مَعَ حَدِيثِ : ( الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ فِي مَرَضِهِ فَأَعْتَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ) . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ الْعَالَةُ : الْفُقَرَاءُ . وَيَتَكَفَّفُونَ : يَسْأَلُونَ النَّاسَ فِي أَكُفِّهِمْ . قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : رُوِّينَا قَوْلُهُ : ( إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : حَثٌّ عَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَأَنَّ صِلَةَ الْقَرِيبِ الْأَقْرَبِ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَبْعَدِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْجِيحِ الْغَنِيِّ عَلَى الْفَقِيرِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِيِ امْرَأَتِكَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ . وَفِيهِ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ بِنِيَّتِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْعِيَالِ يُثَابُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى . وَفِيهِ أَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى صَارَ طَاعَةً ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِيِ امْرَأَتِكَ لِأَنَّ زَوْجَةَ الْإِنْسَانِ هِيَ مِنْ أَخَصِّ حُظُوظِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَشَهَوَاتِهِ وَمَلَاذِّهِ الْمُبَاحَةِ ، وَإِذَا وَضَعَ اللُّقْمَةَ فِي فِيهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّلَذُّذِ بِالْمُبَاحِ ، فَهَذِهِ الْحَالَةُ أَبْعَدُ الْأَشْيَاءِ عَنِ الطَّاعَةِ وَأُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَمَعَ هَذَا فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِهَذِهِ اللُّقْمَةِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ، حَصَلَ لَهُ الْأَجْرُ بِذَلِكَ ، فَغَيْرُ هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْلَى بِحُصُولِ الْأَجْرِ إِذَا أَرَادَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَقَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى يُثَابُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ كَالْأَكْلِ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالنَّوْمِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لِيَقُومَ إِلَى الْعِبَادَةِ نَشِيطًا ، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبَصَرَهُ وَنَحْوِهِمَا عَنِ الْحَرَامِ ، وَلِيَقْضِيَ حَقَّهَا ، لِيُحَصِّلَ وَلَدًا صَالِحًا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ) فَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ : أُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَهُ إِمَّا إِشْفَاقًا مِنْ مَوْتِهِ بِمَكَّةَ ; لِكَوْنِهِ هَاجَرَ مِنْهَا ، وَتَرَكَهَا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَخَشِيَ أَنْ يَقْدَحَ ذَلِكَ فِي هِجْرَتِهِ ، أَوْ فِي ثَوَابِهِ عَلَيْهَا ، أَوْ خَشِيَ بِبَقَائِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ انْصِرَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَخَلُّفِهِ عَنْهُمْ بِسَبَبِ الْمَرَضِ ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الرُّجُوعَ فِيمَا تَرَكُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ( أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِه ) قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : كَانَ حُكْمُ الْهِجْرَةِ بَاقِيًا بَعْدَ الْفَتْحِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ هَاجَرَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، فَأَمَّا مَنْ هَاجَرَ بَعْدَهُ فَلَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ ) طُولَ الْعُمْرِ ، لِلِازْدِيَادِ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، وَالْحَثِّ عَلَى إِرَادَةِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ( يَنْتَفِعَ ) بِزِيَادَةِ التَّاءِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، فَإِنَّ سَعْدًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَاشَ حَتَّى فَتَحَ الْعِرَاقَ وَغَيْرَهُ ، وَانْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَتَضَرَّرَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فَإِنَّهُمْ قُتِلُوا وَصَارُوا إِلَى جَهَنَّمَ ، وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ، وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَدِيَارُهُمْ ، وَوَلِيَ الْعِرَاقَ فَاهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ خَلَائِقُ ، وَتَضَرَّرَ بِهِ خَلَائِقُ بِإِقَامَتِهِ الْحَقَّ فِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ . قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : لَا يُحْبِطُ أَجْرَ هِجْرَةِ الْمُهَاجِرِ بَقَاؤُهُ بِمَكَّةَ وَمَوْتُهُ بِهَا إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُحْبِطُهُ مَا كَانَ بِالِاخْتِيَارِ ، قَالَ : وَقَالَ قَوْمٌ : مَوْتُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ مُحْبِطٌ هِجْرَتَهُ كَيْفَمَا ما كَانَ ، قَالَ : قِيلَ : لَمْ تُفْرَضِ الْهِجْرَةُ إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ قَالَ الْقَاضِي : اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ بَقَاءَ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ - كَيْفَ كَانَ - قَادِحٌ فِي هِجْرَتِهِ ، قَالَ : وَلَا دَلِيلَ فِيهِ عِنْدِي ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَعَا لَهُمْ دُعَاءً عَامًّا ، وَمَعْنَى أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ : أَيْ أَتْمِمْهَا وَلَا تُبْطِلْهَا ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ بِتَرْكِ هِجْرَتِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ مُسْتَقِيمِ حَالِهِمُ الْمَرْضِيَّةِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) الْبَائِسُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُ الْبُؤْسِ ، وَهُوَ الْفَقْرُ وَالْقِلَّةُ . قَوْلُهُ : ( يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلِ انْتَهَى كَلَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : ( لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) فَقَالَ الرَّاوِي تَفْسِيرًا لِمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ - أَنَّهُ يَرْثِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَوَجَّعُ لَهُ وَيَرِقُّ عَلَيْهِ ; لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَائِلِ هَذَا الْكَلَامِ مَنْ هُوَ ؟ فَقِيلَ : هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَقِيلَ : لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا . قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُ : وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ هَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَكَّةَ وَمَاتَ بِهَا . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : إِنَّهُ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَغَيْرَهَا ، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ ، وَقِيلَ : تُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ فِي الْهُدْنَةِ ، خَرَجَ مختارا مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَعَلَى هَذَا وَعَلَى قَوْلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ سَبَبُ بُؤْسِهِ سُقُوطُ هِجْرَتِهِ ; لِرُجُوعِهِ مُخْتَارًا ، وَمَوْتِهِ بِهَا ، وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ سَبَبُ بُؤْسِهِ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الْكَامِلِ بِالْمَوْتِ فِي دَارِ هِجْرَتِهِ وَالْغُرْبَةِ عَنْ وَطَنِهِ إِلَى هِجْرَةٍ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ : إِنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ ( قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ : خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ هَذَا هُوَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ . وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ هَذَا : جَوَازُ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ ) هُوَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَفَرِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْفَاءِ ، وَهِيَ مَحَلَّةٌ بِالْكُوفَةِ كَانَ أَبُو دَاوُدَ يَسْكُنُهَا ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ ، وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَاسْمُ أَبِي دَاوُدَ هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ الثِّقَةُ الزَّاهِدُ الصَّالِحُ الْعَابِدُ ، قَالَ عَلِيُّ الْمَدِينِيِّ : مَا أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ بِالْكُوفَةِ أَعْبَدَ مِنْ أَبِي دَاوُدَ الْحَفَرِيِّ . وَقَالَ وَكِيعٌ : إِنْ كَانَ يُدْفَعُ بِأَحَدٍ فِي زَمَانِنَا - يَعْنِي الْبَلَاءَ وَالنَّوَازِلَ - فَبِأَبِي دَاوُدَ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاث وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ · ص 245 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الحث على الوصية وأنها بالثلث لا يتجاوز · ص 542 ( 1628 ) ( 5 ) [1707] وعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَعِ ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا بْنَت لِي وَاحِدَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا . قَالَ: قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: لَا ، الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْتفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ . و( قوله في حديث سعد : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجع أشفيت منه على الموت ) عادني : زارني . ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض . فأما الزيارة فأكثرها للصحيح . وقد تقال للمريض . فأمَّا قوله تعالى : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ فكناية عن الموت . و( الوجع ) اسم لكل مرض . قاله الحربي . و( أشفيت ) : أشرفت . يقال : أشفى وأشاف بمعنى واحد . قاله الهروي . وقال القتبي : لا يقال : أشفى إلا على شرّ . وفيه : عيادة الفضلاء والكبراء للمرضى ، وتفقد الرَّجل الفاضل أصحابه وإخوانه . و( قوله : بلغني من الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة ، أفأتصدق بثلثي مالي ) فيه ما يدلُّ على أن إخبار المريض بحاله لا على جهة التشكّي والتَّسخُّط جائز ، وغير منقص لثوابه . ألا ترى : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدر عنه إنكار ، ولا تنبيه على تنقيص أجر ولا غيره . و( ذو مال ) : وإن صلح للكثير والقليل الذي ليس بتافه ؛ فالمراد به ها هنا : المال الكثير بقرينة الحال . و( قوله : ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة ) ظاهر هذا : أنه ليس له وارث إلا ابنة واحدة . وليس كذلك . فإنَّه كان له ورثة وعصبة . وإنما معنى ذلك : لا يرثني بالسَّهم إلا ابنة واحدة . وقيل : لا يرثني من النساء إلا ابنة واحدة . وكلاهما محتمل . ثم أفاق من مرضه ، وكان له بعده ثلاثة من الولد ذكور ؛ أحدهم : اسمه عامر ، وهو راوي هذا الحديث عن أبيه كما ذكرناه . و( قوله : أفاتصدَّق بثلثي مالي ؛ قال : لا ) ظاهر هذا السؤال : أنه إنما سأل عن الوصية بثلثي ماله لتنفذ بعد الموت . يدل على ذلك : قرائن المرض ، وذكر الورثة ، وغير ذلك . ويحتمل : أن يكون عن صدقة بتلة ، يخرجها في الحال . وفيه بُعْدٌ . وكيف ما كان فقد أجيب : بأن ذلك لا يجوز إلا في الثلث خاصة . قال القاضي عياض : أجمع العلماء : على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله إلا شيئًا روي عن بعض السَّلف ، أجمع الناس بعده على خلافه . والجمهور : على أنه لا يوصي بجميع ماله ، وإن لم يكن له وارث . وذهب أبو حنيفة ، وأصحابه ، وإسحاق ، وأحمد ، ومالك - في أحد قوليهما - إلى جواز ذلك . وروي عن علي ، وابن مسعود . وسبب هذا الخلاف : الخلاف في بيت المال هل هو وارث ، أو حافظ لما يجعل فيه . وفيه دليل : على أن المريض محجور عليه في ماله . وهو مذهب الجمهور . وشذَّ أهل الظاهر ، فقالوا : لا يحجر عليه في ماله وهو كالصحيح . وظاهر هذا : الحديث ، والنظر ، والمعنى : حجة عليهم . ومنع أهل الظاهر الوصية بأكثر من الثلث وإن أجازها الورثة . وأجاز ذلك الكافة إذا أجازها الورثة . وهو الصحيح ؛ لأن المريض إنما منع من الوصية بزيادة على الثلث لحق الوارث ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة ) فإذا أسقط الورثة حقهم كان ذلك جائزًا وصحيحًا . و( قوله : الثلث ، والثلث كثير ) وروي : ( الثلث ) الأول بالرفع على الابتداء ، وإضمار الخبر ؛ أي : الثلث كافيك . وقيل : يجوز على أن يكون فاعلاً لفعل مضمر . قلت : وفيه ضعف ؛ لأنه لا يكون ذلك إلا بعد أن يكون في صدر الكلام ما يدل على الفعل دلالة واضحة ، كقوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ، على خلاف بين الكوفيين والبصريين . فالبصريون يرفعونه بالفعل . والكوفيون بالابتداء . وروي بالنصب على أن يكون مفعولاً بفعل مضمر تقديره : نفذ الثلث . أو : أمض الثلث . وما أشبهه ، وقيل : على الإغراء . وفيه بُعْدٌ . وهو حجة للجمهور على جواز الوصية بالثلث على من شذّ ، وخالفهم ، وقال : لا يجوز إلا بالربع ، لكن لما استكثر النبي صلى الله عليه وسلم الثلث ؛ قال ابن عباس : لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع حَضًّا على ذلك . وكل ذلك رفق بالورثة ، وترجيح لجانبهم على الصدقة للأجانب . قلت : وعلى هذا فمن حسنت نيَّته فيما يبقيه لورثته كان أجره في ذلك أعظم من الصدقة به ، لا سيما إذا كانوا ضعافًا ، والله تعالى أعلم . و( قوله : إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ) روايتنا في ( أن تذر ) بفتح الهمزة ، و( أن ) مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء ، وخبره ( خير ) المذكور بعده ، والمبتدأ وخبره خبر ( إنك ) تقديره : إنك تركك ورثتك أغنياء خير من تركهم فقراء . وقد وهم من كسر الهمزة من ( أن ) وجعلها شرطًا ؛ إذ لا جواب له ويبقى ( خير ) لا رافع له . فتأمله . و( العالة ) : الفقراء . و( يتكففون الناس ) : يسألون الصدقة من أكف الناس : أو يسألونهم بأكفهم . وهذا يدلُّ على أنَّه كان له ورثة غير الابنة التي ذكرها ، ويصحح ذلك التأويل الذي ذكرناه . وفيه دليل : على صحة ميراث ذي السهم مع العصبة . ولا خلاف فيه . و( قوله : ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها ) هذا يفيد بمنطوقه : أن الأجر في النفقات لا يحصل إلا بقصد القربة إلى الله عز وجل وإن كانت واجبة . وبمفهومه : أن من لم يقصد القربة لم يؤجر على شيء منها . والمعنيان صحيحان . يبقى أن يقال : فهل إذا أنفق نفقةً واجبةً على الزوجة ، أو الولد الفقير ، ولم يقصد التقرب ؛ هل تبرأ ذمته ، أم لا ؟ فالجواب : أنها تبرأ ذمته من المطالبة ؛ لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى ، فتجري بغير نيَّة ، كالدِّيون ، وأداء الأمانات ، وغيرها من العبادات المصلحية ، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر . وقد قرَّرنا هذا في أصول الفقه . ويفهم منه بحكم عمومه : أن من أنفق نفقة مباحة ، وصحَّت له فيها نيَّةُ التَّقرب أثيب عليها ، كمن يطعم ولده لذيذ الأطعمة ولطيفها ليردَّ شهوته ، ويمنعه من التشوُّف لما يراه بيد الغير من ذلك النوع ، وليرق طبعه ، فيحسن فهمه ، ويقوى حفظه ، إلى غير ذلك مما يقصده الفضلاء . و( قوله : حتى اللقمة تضعها في فِي امرأتك ) يجوز في ( اللقمة ) النصب على عطفها على ( نفقة ) . وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل ؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضميره . وهذا كقول العرب : أكلتُ السمكةَ حتى رأسها أكلته . وقد أجاز في ( رأسها ) الرفع ، والنصب ، والجر ، وأوضح هذه الأوجه : النصب . وأبعدها الخفض . وكل ذلك جائز في ( حتى اللقمة ) ها هنا فَنَزِّلْهُ عليه . والذي به قرأت هذا الحرف : النصب لا غير . وإنما خصَّ الزوجة بالذِّكر لأن نفقتها دائمة ، تعودُ منفعتُها إلى المنفق ، فإنها تحسنها في بدنها ، ولباسها ، وغير ذلك . فالغالب من الناس : أنه ينفق على زوجته لقضاء وطره ، وتحصيل شهوته ، وليس كذلك النفقة على الأبوين ، فإنها تخرج بمحض الكلفة ، والمشقة غالبًا ، فكانت نية التقرُّب فيها أقرب وأظهر . والنفقة على الولد فيها شبه من نفقة الزوجة ، ومن نفقة الأبوين ، من حيث المحبة الطبيعية ، والكلفة الوجودية . وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لسعد هذا الكلام في هذا الموطن تنبيها على الفوائد التي تحصلُ بسبب المال ، فإنه إن مات أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث إنه وصل رحمهم ، وأعانهم بماله على طاعة الله تعالى ، كما قال : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة ) أي : ذلك أفضل من صدقتك بمالك ، وإن لم تمت حصل لك أجر النفقات الواجبة والمندوب إليها . ويخرج من هذا الحديث : أن كسب المال وصرفه على هذه الوجوه أفضل من ترك الكسب ، أو من الخروج عنه جملة واحدة . وكل هذا : إذا كان الكسب من الحلال الخلي عن الشبهات ؛ الذي قد تعذَّر الوصول إليه في هذه الأوقات . و( قوله : أَأُخلَّفُ بعد أصحابي ؟ ) هذا الاستفهام إنما صدر عن سعد مخافة أن يكون مقامه بمكة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحًا في هجرته ، كما قد نصَّ عليه في الرواية الأخرى ؛ إذ قال فيها : ( لقد خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها ) . فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما يقتضي : أن ذلك لا يكون ، وأنه يطول عمره إلى أن ينتفع به قومٌ ، ويستضرُّ به آخرون . وقد كان ذلك . فإنه عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة ، وولي بالعراق أميرًا ، وفتحها الله تعالى على يديه ، فأسلم على يديه بشرٌ كثير ، فانتفعوا به ، وقتل وأسر من الكفار خلقًا كثيرًا ، فاستضروا به ، فكان ذلك القول من أعلام نبوَّته ، وأدلَّة صدق رسالته . و( قوله : اللهم ! أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ) يقتضي أن تبقى عليهم حال هجرتهم وأحكامها . ويفيد : أن استصحاب أحكامها كان واجبا على من هاجر ، فيحرم عليه الرجوع إلى وطنه ، وترك المدينة إلى أن يموت بها ، وإن كان قد ارتفع حكم وجوب أصلها عمن لم يهاجر يوم الفتح ، حيث قال : ( لا هجرة بعد الفتح ) وقال : ( إن الهجرة قد مضت لأهلها ) أي : من كان هاجر قبل الفتح صحَّت له هجرته ، ولزمه البقاء عليها إلى الموت . ومن لم يكن هاجر سقط ذلك عنه . ومن نقض الهجرة خاف المهاجرون ، حيث تحرَّجوا من مقامهم بمكة في حجة الوداع . وهذا هو الذي خاف منه سعد . فإن قضيته هذه كانت في حجة الوداع . وهذا هو الذي نقمه الحجَّاجُ على ابن الأكوع لما ترك المدينة ولزم الربذة فقال : تغربت يا ابن الأكوع؟ ! فأجابه : بأن قال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو . وهذا هو الظاهر من جملة ما ذكرناه من هذه الأحاديث . وبه قال بعض أهل العلم . وهو الذي يدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لكن البائسُ سعدُ بن خولة ) رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة ، وسيأتي الكلام عليه . وقال آخرون : إن وجوب الهجرة ؛ ووجوب استدامة حكمها ؛ قد ارتفع يوم الفتح ، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنصرته ، ولأخذ شريعته ، ومشافهته ، وللكون معه اغتنامًا لبركته . ثم لما مات : فمنهم من أقام بالمدينة ، وأكثرهم ارتحل عنها . ولما فتحت الأمصار استوطنوها ، وتركوا سكنى المدينة . فاستوطن الشام قوم منهم ، واستوطن آخرون العراق ، وآخرون مصر . وتأول أهل هذا القول ما تقدَّم : بأن ذلك إنما كان منهم مخافة أن تنقص أجورهم في هجرتهم متى زالوا عن شيء من أحكامها ، فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بألا يُنْقِصَهم شيئًا من ذلك . وللأولين أن ينفصلوا عن هذا ، بأن يقولوا : إنما استوطنوا تلك الأمصار للجهاد وفتح البلاد ، وإظهار الدين ، ونشر العلم ، حتى أنفذوا في ذلك أعمارهم ، ولما يقضوا من ذلك أوطارهم . و( قوله : لكن البائس سعد بن خولة ) البائس : اسم فاعل من بئس ، يبأس : إذا أصابه بؤسٌ ، وهو الضرر . وسعد بن خولة : هو زوج سبيعة الأسلمية ، وهو رجل من بني عامر بن لؤي ، من أنفسهم . وقيل : حليفٌ لهم . وقيل : إنه مولى أبي رُهْم بن عبد العزى العامري . واختلف في أمره ؛ فقال ابن مزين ، وعيسى بن دينار : إنه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها . والأكثر على أنَّه هاجر ثم رجع إلى مكة مختارًا . وعلى هذين القولين يكون بؤسُه ذمًّا له ؛ إما لعدم هجرته ، وإما لفسخها برجوعه عنها . وقال ابن هشام : إنَّه هاجر الهجرة إلى الحبشة ، والهجرة الثانية ، وشهد بدرًا ، وغيرها ، وتوفي بمكة في حجة الوداع . وعلى هذا فلا يكون بؤسه ذمًّا له ، بل توجُّعًا له ورحمة ؛ إذ كان منه : أنه هاجر الهجرتين ، ثم إنَّه مات بعد ذلك بمكة ، فيكون إشعارًا بما قدَّمناه من نقص ثواب من اتفق له ذلك . ومن ذلك تحرَّج سعد ، والمهاجرون . والله تعالى أعلم . وظاهر هذا القول : أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك قال المحدِّثون : انتهى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( لكن البائس سعد بن خولة ) وأما قوله بعد ذلك : رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة ؛ فظاهره : أنه من كلام غير النبي صلى الله عليه وسلم . فقيل : هو قول سعد بن أبي وقاص . وقد جاء ذلك في بعض طرقه . وأكثر الناس على أنَّه من قول الزهري . والله تعالى أعلم . وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاع في أصل كتاب مسلم . وهو من المواضع المنقطعة الأربعة عشر ، لكن لا يضر ذلك إن صحَّ ؛ لأنه قد رواه من طرق أخر متصلة .