[ 21 ] - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : يَوْمُ الْخَمِيسِ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ؟ ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ - أَوْ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ - أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا ، فَقَالُوا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْجُرُ . ( قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ وَجَعُهُ : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَقَالُوا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْجُرُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَاخْتَصَمُوا ، ثُمَّ ذُكِرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَرَادَ الْكِتَابَ ، وَبَعْضَهُمْ وَافَقَ عُمَرَ ، وَأَنَّهُ لَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قُومُوا " . اعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ مِنَ الْكَذِبِ ، وَمِنْ تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَحَالِ مَرَضِهِ ، وَمَعْصُومٌ مِنْ تَرْكِ بَيَانِ مَا أُمِرَ بِبَيَانِهِ ، وَتَبْلِيغِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَبْلِيغَهُ ، وَلَيْسَ مَعْصُومًا مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ الْعَارِضَةِ لِلْأَجْسَامِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا نَقْصَ فِيهِ لِمَنْزِلَتِهِ ، وَلَا فَسَادَ لِمَا تَمَهَّدَ مِنْ شَرِيعَتِهِ . وَقَدْ سُحِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَارَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَالِ كَلَامٌ فِي الْأَحْكَامِ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي قَرَّرَهَا . فَإِذَا عَلِمْتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي هَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ ، فَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى الْخِلَافَةِ فِي إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ لِئَلَّا يَقَعَ نِزَاعٌ وَفِتَنٌ ، وَقِيلَ : أَرَادَ كِتَابًا يُبَيِّنُ فِيهِ مُهِمَّاتِ الْأَحْكَامِ مُلَخَّصَةً ; لِيَرْتَفِعَ النِّزَاعُ فِيهَا ، وَيَحْصُلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِالْكِتَابِ حِينَ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَرْكُهُ ، أَوْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، وَنُسِخَ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ ، وَأَمَّا كَلَامُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ فِقْهِ عُمَرَ وَفَضَائِلِهِ ، وَدَقِيقِ نَظَرِهِ ; لِأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكْتُبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمُورًا رُبَّمَا عَجَزُوا عَنْهَا ، وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَنْصُوصَةٌ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ وَقَوْلِهُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ دِينَهُ فَأَمِنَ الضَّلَالَ عَلَى الْأُمَّةِ ، وَأَرَادَ التَّرْفِيهَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ عُمَرُ أَفْقَهَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقِيهِ . قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِهِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " : إِنَّمَا قَصَدَ عُمَرُ التَّخْفِيفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ غَلَبَهُ الْوَجَعُ ، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ مَا لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ لَمْ يَتْرُكْهُ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَا لِغَيْرِهِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ لَمْ يَتْرُكْ تَبْلِيغَ غَيْرِ ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَهُ ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُ ، وَكَمَا أَمَرَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ حَكَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ اسْتِخْلَافَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ ، كَمَا هَمَّ بِالْكِتَابِ فِي أَوَّلِ مَرَضِهِ حِينَ قَالَ : " وَارَأْسَاهُ " ثُمَّ تَرَكَ الْكِتَابَ وَقَالَ : " يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ " ثُمَّ نَبَّهَ أُمَّتَهُ عَلَى اسْتِخْلَافِ أَبِي بَكْرٍ بِتَقْدِيمِهِ إِيَّاهُ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بَيَانَ أَحْكَامِ الدِّينِ وَرَفْعِ الْخِلَافِ فِيهَا . فَقَدْ عَلِمَ عُمَرُ حُصُولَ ذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا تَقَعُ وَاقِعَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَفِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ بَيَانُهَا نَصًّا أَوْ دَلَالَةً ، وَفِي تَكَلُّفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ مَعَ شِدَّةِ وَجَعِهِ كِتَابَه ذَلِكَ مَشَقَّةٌ ، وَرَأَى عُمَرُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ إِيَّاهُ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً تَخْفِيفًا عَلَيْهِ ; وَلِئَلَّا يُسَدَّ بَابُ الِاجْتِهَادِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَإِلْحَاقِ الْفُرُوعِ بِالْأُصُولِ ، وَقَدْ كَانَ سَبَقَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ إِلَى اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ ، وَجَعَلَ لَهُمُ الْأَجْرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ ، فَرَأَى عُمَرُ الصَّوَابَ تَرْكُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ فَضِيلَةِ الْعُلَمَاءِ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ التَّخْفِيفِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي تَرْكِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْكَارَ عَلَى عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِصْوَابِهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ تَوَهَّمَ الْغَلَطَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ ظَنَّ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ بِحَالٍ ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَأَى مَا غَلَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَجَعِ ، وَقُرْبِ الْوَفَاةِ مَعَ مَا اعْتَرَاهُ مِنَ الْكَرْبِ خَافَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِمَّا يَقُولُهُ الْمَرِيضُ مِمَّا لَا عَزِيمَةَ لَهُ فِيهِ فَتَجِدُ الْمُنَافِقُونَ بِذَلِكَ سَبِيلًا إِلَى الْكَلَامِ فِي الدِّينِ ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاجِعُونَهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ أَنْ يَجْزِمَ فِيهَا بِتَحْتِيمٍ ، كَمَا رَاجَعُوهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْخِلَافِ ، وَفِي كِتَابِ الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ . فَأَمَّا إِذَا أَمَرَ بِالشَّيْءِ أَمْرَ عَزِيمَةٍ فَلَا يُرَاجِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ . قَالَ : وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ دَرَجَتَهُ فَوْقَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فَلَمْ يُنَزِّهْهُ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ وَالْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَقَدْ سَهَى فِي الصَّلَاةِ ، فَلَا يُنْكَرُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ حُدُوثُ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي مَرَضِهِ ، فَيَتَوَقَّفُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ حَقِيقَتُهُ ، فَلِهَذِهِ الْمَعَانِي وَشَبَهِهَا رَاجَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ " فَاسْتَصْوَبَ عُمَرُ مَا قَالَهُ ، قَالَ : وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى حَدِيثِ " اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ " رَجُلَانِ : أَحَدُهُمَا مَغْمُوض عَلَيْهِ فِي دِينِهِ ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ ، وَالْآخَرُ مَعْرُوفٌ بِالسُّخْفِ وَالْخَلَاعَةِ ، وَهُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ ، فَإِنَّهُ لَمَّا وَضَعَ كِتَابَهُ فِي الْأَغَانِي ، وَأَمْكَنَ فِي تِلْكَ الْأَبَاطِيلِ لَمْ يَرْضَ بِمَا تَزَوَّدَ مِنْ إِثْمِهَا حَتَّى صَدَّرَ كِتَابَهُ بِذَمِّ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ يَرْوُونَ مَا لَا يَدْرُونَ ، وَقَالَ هُوَ وَالْجَاحِظُ : لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً لَكَانَ الِاتِّفَاقُ عَذَابًا ، ثُمَّ زَعَمَ أنَّمَا كَانَ اخْتِلَافُ الْأُمَّةِ رَحْمَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ; فَإِذَا اخْتَلَفُوا سَأَلُوهُ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ الْفَاسِدِ : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ رَحْمَةً أَنْ يَكُونَ ضِدُّهُ عَذَابًا ، وَلَا يَلْتَزِمُ هَذَا وَيَذْكُرُهُ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُتَجَاهِلٌ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ فَسَمَّى اللَّيْلَ رَحْمَةً ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّهَارُ عَذَابًا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالِاخْتِلَافُ فِي الدِّينِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ كُفْرٌ . وَالثَّانِي : فِي صِفَاتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، وَإِنْكَارُهَا بِدْعَةٌ . وَالثَّالِثُ : فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمُحْتَمِلَةِ وُجُوهًا ، فَهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَكَرَامَةً لِلْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِحَدِيثِ : اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : إِنْ قِيلَ : كَيْفَ جَازَ لِلصَّحَابَةِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ائْتُونِي أَكْتُبُ ) وَكَيْفَ عَصَوْهُ فِي أَمْرِهِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَوَامِرَ تُقَارِنُهَا قَرَائِنُ تَنْقُلُهَا مِنَ النَّدْبِ إِلَى الْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ قَالَ : أَصْلُهَا لِلنَّدْبِ ، وَمِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ عِنْدَ مَنْ قَالَ : أَصْلُهَا لِلْوُجُوبِ ، وَتَنْقُلُ القُرائنُ أَيْضًا صِيغَةَ " أَفْعَلُ " إِلَى الْإِبَاحَةِ وَإِلَى التَّخْيِيرِ وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضُرُوبِ الْمَعَانِي ، فَلَعَلَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ ، بَلْ جَعَلَهُ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ ، فَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُهُمْ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِمْ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِمْ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ ، فَأَدَّى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتِهَادُهُ إِلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ هَذَا ، وَلَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ جَازِمٍ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ : هَجَرَ ، وَبِقَوْلِ عُمَرَ : غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ ، وَمَا قَارَنَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا يَعْهَدُونَهُ مِنْ أُصُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ ، وَأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى غَيْرِهِ مِنْ طُرُقِ التَّبْلِيغِ الْمُعْتَادَةِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَظَهَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ دُونَ غَيْرِهِ ، فَخَالَفُوهُ ، وَلَعَلَّ عُمَرَ خَافَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ قَدْ يَتَطَرَّقُونَ إِلَى الْقَدْحِ فِيمَا اشْتَهَرَ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ ، وَبَلَّغَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِكِتَابٍ يُكْتَبُ فِي خَلْوَةٍ ، وَآحَادٍ ، وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ شَيْئًا لِشَبهُوا بِهِ عَلَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، وَلِهَذَا قَالَ : عِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وْقَوْلُهُ : ( أَهَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ) هَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ( أَهَجَرَ ؟ ) عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ من روى : هَجَرَ وَيَهْجُرُ ; لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ مَعْنَى هَجَرَ : هَذَى ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا مِنْ قَائِلِهِ اسْتِفْهَامًا لِلْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا تَكْتُبُوا ، أَيْ لَا تَتْرُكُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجْعَلُوهُ كَأَمْرِ مَنْ هَجَرَ فِي كَلَامِهِ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَهْجُرُ . وَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى ، كَانَتْ خَطَأً مِنْ قَائِلِهَا قَالَهَا بِغَيْرِ تَحْقِيقٍ ، بَلْ لِمَا أَصَابَهُ مِنَ الْحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ ; لِعَظِيمِ مَا شَاهَدَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَفَاتِهِ وَعَظِيمِ الْمُصَابِ بِهِ ، وَخَوْفِ الْفِتَنِ وَالضَّلَالِ بَعْدَهُ ، وَأَجْرَى الْهُجْرَ مَجْرَى شِدَّةِ الْوَجَعِ ، وَقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ " رَدٌّ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ لَا عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ " مَعْنَاهُ دَعُونِي مِنَ النِّزَاعِ وَاللَّغَطِ الَّذِي شَرَعْتُمْ فِيهِ ، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ مِنْ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّأَهُّبِ لِلِقَائِهِ وَالْفِكْرِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ أَفْضَلُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ أَقْصَى عَدَنِ الْيَمَنِ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ ، وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمِنْ جُدَّةَ وَمَا وَالَاهَا إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هِيَ مَا بَيْنَ حَفَرِ أَبِي مُوسَى إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فِي الطُّولِ ، وَأَمَّا فِي الْعَرْضِ فَمَا بَيْنَ رَمْلِ يَرِينَ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ . وَقَوْلُهُ : ( حَفَرُ أَبِي مُوسَى ) هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ أَيْضًا ، قَالُوا : وَسُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِإِحَاطَةِ الْبِحَارِ بِهَا مِنْ نَوَاحِيهَا وَانْقِطَاعِهَا عَنِ الْمِيَاهِ الْعَظِيمَةِ ، وَأَصْلُ الْجُزُرِ فِي اللُّغَةِ الْقِطَعُ ، وَأُضِيفَتْ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهَا الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، وَدِيَارُهمُ الَّتِي هِيَ أَوْطَانُهُمْ وَأَوْطَانُ أَسْلَافِهِمْ . وَحَكَى الْهَرَوِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ هِيَ الْمَدِينَةُ ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ ، وَأَخَذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَأَوْجَبُوا إِخْرَاجَ الْكُفَّارِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ سُكْنَاهَا . وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِبَعْضِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهُوَ الْحِجَازُ ، وَهُوَ عِنْدَهُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَأَعْمَالُهَا دُونَ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بِدَلِيلٍ آخَرَ مَشْهُورٍ فِي كُتُبِهِ وَكُتُبِ أَصْحَابِهِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَلَا يُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنَ التَّرَدُّدِ مُسَافِرِينَ فِي الْحِجَازِ ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ : إِلَّا مَكَّةَ وَحَرَمَهَا فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهِ بِحَالٍ ، فَإِنْ دَخَلَهُ فِي خُفْيَةٍ وَجَبَ إِخْرَاجُهُ ، فَإِنْ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهِ نُبِشَ وَأُخْرِجَ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ . هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ . وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دُخُولَهُمُ الْحَرَمَ ، وَحُجَّةُ الْجَمَاهِيرِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ " قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا أَمْرٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِجَازَةِ الْوُفُودِ وَضِيَافَتِهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ ، وَتَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَنَحْوِهِمْ وَإِعَانَةً عَلَى سَفَرِهِمْ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ الْعُلَمَاءُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَفْدُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا ; لِأَنَّ الْكَافِرَ إِنَّمَا يَفِدُ غَالِبًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِنَا وَمَصَالِحِهِمْ . قَوْلُهُ : ( وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ ، أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتُهَا ) السَّاكِتُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالنَّاسِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : الثَّالِثَةُ هِيَ تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ ، فَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَعْنَاهُ مَعَ إِجْلَاءِ الْيَهُودِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، مِنْهَا : جَوَازُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَرَّاتٍ ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ جَاءَ فِيهَا حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ، فَإِنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِيهَا ثُمَّ أَجْمَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى جَوَازِهَا ، وَبَيَّنَّا تَأْوِيلَ حَدِيثِ الْمَنْعِ . وَمِنْهَا : جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَكْتُبُ لَكُمْ ) أَيْ آمُرُ بِالْكِتَابَةِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْأَمْرَاضَ وَنَحْوَهَا لَا تُنَافِي النُّبُوَّةَ ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى سُوءِ الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ) مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ صَاحِبَ مُسْلِمٍ سَاوَى مُسْلِمًا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ وَاحِدٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَعَلَا هَذَا الْحَدِيثُ لِأَبِي إِسْحَاقَ بِرَجُلٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب تَرْكِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ · ص 256 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم عند موته · ص 558 ( 1637 ) ( 20 ) [1716] وعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّون بَعْدِي . فَتَنَازَعُوا وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ ، وَقَالَوا: مَا شَأْنُهُ ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ . قَالَ: دَعُونِي ، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ . قَالَ: وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ ، أَوْ قَالَ أُنْسِيتُهَا . وفي رواية : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَوْ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا . فَقَالَوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْجُرُ . ( 1637 ) ( 22 ) [1717] وعنه قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ . فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ ، وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَاخْتَصَمُوا ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُومُوا . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ . وقوله " يوم الخميس ! وما يوم الخميس ؟! " تعظيم وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفجع على ما فاتهم في ذلك من كتب كتاب لا يكون معه ضلالٌ ، وهو حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجُّع ، وهذا نحو قوله تعالى : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ و : الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وهذا المعنى الذي همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته يحتمل أن يكون تفصيل أمور مهمَّةٍ وقعت في الشريعة جملية فأراد تعيينها ، ويحتمل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن ، ومن أولى بالاتباع والمبايعة . ويحتمل أن يريد به بيان أمر الخلافة وتعيين الخليفة بعده - وهذا أقربها ، والله تعالى أعلم . وقوله " ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده " ، لا شك في أن " ائتوني " أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكل من حضر ، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال ، لا سيما وقد قرنه بقوله " لا تضلُّون بعده " ، لكن ظهر لعمر ولطائفة معه أن هذا الأمر ليس على الوجوب وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح ، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء ، كما قال تعالى : تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ومع ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع ، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه ، فظهر لهم أن الأوَّلى ألا يكتب ، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب متمسِّكة بظاهر الأمر واغتنامًا لزيادة الإيضاح ورفع الإشكال ، فيا ليتَ ذلك لو وقع وحصلَ ! ولكن قدَّر الله وما شاءَ فعل . ومع ذلك فلا عتب ولا لوم على الطائفة الأولى ؛ إذ لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ذمَّهم ، بل قال للجميع : " دعوني ، فالذي أنا فيه خير " ، وهذا نحو مِمَّا جرى لهم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة " ، فتخوَّف ناسٌ فوت الوقت فصلُّوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت ! قال : فما عنف واحدًا من الفريقين . وسبب ذلك أن ذلك كله إنَّما حمل عليه الاجتهاد المسوَّغ والقصد الصالح ، وكل مجتهد مصيب أو أحدهما مصيب والآخر غير مأثوم بل مأجور - كما قررناه في الأصول . وقوله " وما ينبغي عند نبي تنازع " ؛ أي اختلاف ، هذا إشعار بأن الأولى المبادرة إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يتوقف في شيء منه إذا فهم مقصوده ولم يُشكل منه شيء ، كيف لا وهو المبلِّغ عن الله أحكامه ومصالح الدنيا والدين ! وقوله " أهجرَ ؟ استفهموه " ، كذا الرِّواية الصحيحة في هذا الحرف " أهَجَرَ ؟ " بهمزة الاستفهام ، و " هَجَرَ " بالفتح بغير تنوين على أنَّه فعل ماض ، وقد رواه بعضهم " أهُجُرًا " بفتح الهمزة وبضم الهاء وتنوين الراء على أن يجعله مفعولاً بفعل مضمر ؛ أي : أقال هُجْرًا ؟ وقد روي في غير الأم " هَجَرَ " بلا استفهام ، والهجر يراد به هذيان المريض ، وهو الكلام الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ، ووقوع مثل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم في حال مرضه أو صحته محال ؛ لأن الله تعالى حفظه من حين بعثه إلى حين قبضه عمَّا يُخِلّ بالتبليغ ، ألا تسمع قوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى وقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ؟ وقد شهد له بأنه على صراط مستقيم ، وأنه على الحق المبين ، إلى غير ذلك . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني في الغضب والرضا ، فإني لا أقول على الله إلا حقًّا " ، ولمَّا علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته حتَّى في هذه الحالة ، فإنهم تلقَّوا عنه وقبلوا منه جميع ما وصَّى به عند موته ، وعملوا على قوله " لا نورث " ولقوله " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ، و " أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " ، إلى غير ذلك . ولم يتوقفوا ولا شكُّوا في شيء منه ، وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم " أَهَجَرَ " لشكٍّ عرض لهم في صحة قوله زمن مرضه ، وإنَّما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة وتلكَّأ عنه ، فكأنه يقول لمن توقف : كيف تتوقف ؟ أتظن أنه قال هذيانًا ؟ ! فدع التوقف وقرِّب الكتفَ فإنه إنما يقول الحق لا الْهَجَرَ ! وهذا أحسنُ ما يحمل ذلك عليه ، فلو قدَّرنا أن أحدًا منهم قال ذلك عن شكٍّ عرض له في صحَّة قوله كان خطأ منه ، وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم وفضلائهم ، هذا تقديرٌ بعيدٌ ورأيٌّ غير سديد ، ويحتمل أن يكون هذا صدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم كما قد أصاب عمر وغيره عند موته . وقوله " أوصيكم بثلاث " نصٌّ في أنه أوصى عند موته ، وهو مخصِّصٌ لقول مَنْ قال : إنه صلى الله عليه وسلم لم يوص بشيء - وقد تقدَّم ذلك . وقوله " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ، يعني بالمشركين اليهود ؛ لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم فتعيَّنوا ، وقد جاء في بعض طرقه " أخرجوا اليهود من جزيرة العرب " مفسّرًا . والجزيرة : فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي مأخوذة من الجزر وهو القطع ، ومنه الجزار والجزارة من الغنم ، والجزور من الإبل - كل ذلك راجع إلى القطع . وسُميَّت أرض العرب بالجزيرة لانقطاعها بإحاطة البحار بها والحرار ، وأضيفت إلى العرب لاختصاصهم بها ولكونهم فيها ومنها . واختلف في حدِّها ؛ فقال الأصمعي : هي ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وفي العرض من جدِّة وما والاها إلى أطراف الشام . وقال أبو عبيد : هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن ، وما بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّماوة . وقال المخزومي عن مالك : هي مكة والمدينة واليمامة واليمن . وحكى الهروي عنه : المدينة - والأول المعروف عنه ، فقال مالك : يخرج من هذه المواضع التي ذكر المخزومي كل من كان على غير دين الإسلام ، ولا يمنعون من التردُّد بها مسافرين - وكذلك قال الشافعي ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن ويضرب لهم أجل ثلاثة أيَّام كما ضربه لهم عمر حين أجلاهم . وقال الشافعي : ولا يدفنون فيها موتاهم ، ويلجؤون إلى الدَّفن بغيرها . وقد رأى الطبري أن هذا الحكم ليس خاصًّا بجزيرة العرب ؛ فقال : الواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن من بلادهم التي صولحوا عليها ، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها ، فإذا كان ذلك فلا يدعهم في مصر مع المسلمين أكثر من ثلاث وليسكنهم خارجًا عنهم ، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين ، فإن اتخذوها باعها عليهم ، واستدل على ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا تبقى قبلتان بأرض العرب " ، وبقول ابن عبَّاس : لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم . وبإخراج علي رضي الله عنه أهل الذِّمَّة من الكوفة إلى الحيرة . قال : وإنما خصَّ في الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن للإسلام يومئذ ظهور إلا بها . قلت : وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قول المتقدمين والسلف الماضين ، فلا يُعْدَلُ عنه . ولم يعرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث ، فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة ومخالفة مثل هذا جريرة . وقوله " وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " ، الوفد جمع وافد ، كصحب وصاحب ، وركب وراكب . وجمع الوفد : أوفاد ، ووفود . والوفادة الاسم وهو القادم على القوم والرسول إليهم ، يقال أوفدته أرسلته . والإجازة : العطية . وهذا منه صلى الله عليه وسلم عهدٌ ووصيةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود والإحسان إليهم قضاء لحق قصدهم ورفقًا بهم واستئلافًا لهم . قال القاضي أبو الفضل : وسواء في ذلك عند أهل العلم ، كانوا مسلمين أو كفارًا ؛ لأن الكافر إنَّما يفد في مصالح المسلمين . قال : وهذه سنة لازمة للأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله " وسكت عن الثالثة - أو قال : أنسيتها " ، يريد سعيد بن جبير ، قال المهلِّبُ : هي تجهيزُ جيش أسامة . قال غيره : ويحتمل أن تكون هي قوله " لا تتخذوا قبري وثنًا " ، وقد ذكر مالك في الموطأ ما يدل على ذلك من حديث عمر ، فإنه قال فيه : أول ما تكلَّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاتل الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ! لا يبقين دينان بجزيرة العرب " . و " الكتف " هنا يراد به عظم الكتف ، فإنهم يكتبون فيها . و " اللوح " من الخشب - وفيه دليل على جواز كتابة العلم والحديث ، وهذا وأشباهه ناسخٌ لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن ، ومن كتب شيئًا فليمحه ، وقد قدَّمنا ذلك .