حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم عند موته

( 1637 ) ( 20 ) [1716] وعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: يَوْمُ الْخَمِيسِ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّون بَعْدِي . فَتَنَازَعُوا وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ ، وَقَالَوا: مَا شَأْنُهُ ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ . قَالَ: دَعُونِي ، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ .

قَالَ: وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ ، أَوْ قَالَ أُنْسِيتُهَا . وفي رواية : ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَوْ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا . فَقَالَوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْجُرُ .

( 1637 ) ( 22 ) [1717] وعنه قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ . فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ ، وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَاخْتَصَمُوا ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُومُوا . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ .

وقوله " يوم الخميس ! وما يوم الخميس ؟! " تعظيم وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفجع على ما فاتهم في ذلك من كتب كتاب لا يكون معه ضلالٌ ، وهو حقيقٌ بأكثر من ذلك التفجُّع ، وهذا نحو قوله تعالى : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ و : الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وهذا المعنى الذي همَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته يحتمل أن يكون تفصيل أمور مهمَّةٍ وقعت في الشريعة جملية فأراد تعيينها ، ويحتمل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن ، ومن أولى بالاتباع والمبايعة . ويحتمل أن يريد به بيان أمر الخلافة وتعيين الخليفة بعده - وهذا أقربها ، والله تعالى أعلم . وقوله " ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده " ، لا شك في أن " ائتوني " أمرٌ وطلبٌ توجَّه لكل من حضر ، فكان حق كل من حضر المبادرةُ للامتثال ، لا سيما وقد قرنه بقوله " لا تضلُّون بعده " ، لكن ظهر لعمر ولطائفة معه أن هذا الأمر ج٤ / ص٥٥٩ليس على الوجوب وأنَّه من باب الإرشاد إلى الأصلح ، مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء ، كما قال تعالى : تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ومع ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوجع ، فكره أن يتكلَّف من ذلك ما يشق ويثقل عليه ، فظهر لهم أن الأوَّلى ألا يكتب ، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب متمسِّكة بظاهر الأمر واغتنامًا لزيادة الإيضاح ورفع الإشكال ، فيا ليتَ ذلك لو وقع وحصلَ ! ولكن قدَّر الله وما شاءَ فعل .

ومع ذلك فلا عتب ولا لوم على الطائفة الأولى ؛ إذ لم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ذمَّهم ، بل قال للجميع : " دعوني ، فالذي أنا فيه خير " ، وهذا نحو مِمَّا جرى لهم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : " لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة " ، فتخوَّف ناسٌ فوت الوقت فصلُّوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلِّي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت ! قال : فما عنف واحدًا من الفريقين . وسبب ذلك أن ذلك كله إنَّما حمل عليه الاجتهاد المسوَّغ والقصد الصالح ، وكل مجتهد مصيب أو أحدهما مصيب والآخر غير مأثوم بل مأجور - كما قررناه في الأصول . وقوله " وما ينبغي عند نبي تنازع " ؛ أي اختلاف ، هذا إشعار بأن الأولى المبادرة إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يتوقف في شيء منه إذا فهم مقصوده ولم يُشكل منه شيء ، كيف لا وهو المبلِّغ عن الله أحكامه ومصالح الدنيا والدين ! وقوله " أهجرَ ؟ استفهموه " ، كذا الرِّواية الصحيحة في هذا الحرف " أهَجَرَ ؟ " بهمزة الاستفهام ، و " هَجَرَ " بالفتح بغير تنوين على أنَّه فعل ماض ، وقد رواه بعضهم " أهُجُرًا " بفتح الهمزة وبضم الهاء وتنوين الراء على أن يجعله مفعولاً ج٤ / ص٥٦٠بفعل مضمر ؛ أي : أقال هُجْرًا ؟ وقد روي في غير الأم " هَجَرَ " بلا استفهام ، والهجر يراد به هذيان المريض ، وهو الكلام الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ، ووقوع مثل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم في حال مرضه أو صحته محال ؛ لأن الله تعالى حفظه من حين بعثه إلى حين قبضه عمَّا يُخِلّ بالتبليغ ، ألا تسمع قوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى وقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ؟ وقد شهد له بأنه على صراط مستقيم ، وأنه على الحق المبين ، إلى غير ذلك .

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني في الغضب والرضا ، فإني لا أقول على الله إلا حقًّا " ، ولمَّا علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته حتَّى في هذه الحالة ، فإنهم تلقَّوا عنه وقبلوا منه جميع ما وصَّى به عند موته ، وعملوا على قوله " لا نورث " ولقوله " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ، و " أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " ، إلى غير ذلك . ولم يتوقفوا ولا شكُّوا في شيء منه ، وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم " أَهَجَرَ " لشكٍّ عرض لهم في صحة قوله زمن مرضه ، وإنَّما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة وتلكَّأ عنه ، فكأنه يقول لمن توقف : كيف تتوقف ؟ أتظن أنه قال هذيانًا ؟ ! فدع التوقف وقرِّب الكتفَ فإنه إنما يقول الحق لا الْهَجَرَ ! وهذا أحسنُ ما يحمل ذلك عليه ، فلو قدَّرنا أن أحدًا منهم قال ذلك عن شكٍّ عرض له في صحَّة قوله كان خطأ منه ، وبعيدٌ أن يقرَّه على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم وفضلائهم ، هذا تقديرٌ بعيدٌ ورأيٌّ غير سديد ، ويحتمل أن يكون هذا صدَرَ عن قائله عن دهشٍ وحيرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم كما قد أصاب عمر وغيره عند موته . ج٤ / ص٥٦١وقوله " أوصيكم بثلاث " نصٌّ في أنه أوصى عند موته ، وهو مخصِّصٌ لقول مَنْ قال : إنه صلى الله عليه وسلم لم يوص بشيء - وقد تقدَّم ذلك .

وقوله " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ، يعني بالمشركين اليهود ؛ لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم فتعيَّنوا ، وقد جاء في بعض طرقه " أخرجوا اليهود من جزيرة العرب " مفسّرًا . والجزيرة : فعيلة بمعنى مفعولة ، وهي مأخوذة من الجزر وهو القطع ، ومنه الجزار والجزارة من الغنم ، والجزور من الإبل - كل ذلك راجع إلى القطع . وسُميَّت أرض العرب بالجزيرة لانقطاعها بإحاطة البحار بها والحرار ، وأضيفت إلى العرب لاختصاصهم بها ولكونهم فيها ومنها .

واختلف في حدِّها ؛ فقال الأصمعي : هي ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وفي العرض من جدِّة وما والاها إلى أطراف الشام . وقال أبو عبيد : هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن ، وما بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّماوة . وقال المخزومي عن مالك : هي مكة والمدينة واليمامة واليمن .

وحكى الهروي عنه : المدينة - والأول المعروف عنه ، فقال مالك : يخرج من هذه المواضع التي ذكر المخزومي كل من كان على غير دين الإسلام ، ولا يمنعون من التردُّد بها مسافرين - وكذلك قال الشافعي ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن ويضرب لهم أجل ثلاثة أيَّام كما ضربه لهم عمر حين أجلاهم . وقال الشافعي : ولا يدفنون فيها موتاهم ، ويلجؤون إلى الدَّفن بغيرها . وقد رأى الطبري أن هذا الحكم ليس خاصًّا بجزيرة العرب ؛ فقال : الواجب على كل إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن من بلادهم التي صولحوا عليها ، إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها ، فإذا كان ذلك فلا يدعهم في مصر مع المسلمين أكثر من ج٤ / ص٥٦٢ثلاث وليسكنهم خارجًا عنهم ، ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين ، فإن اتخذوها باعها عليهم ، واستدل على ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : " لا تبقى قبلتان بأرض العرب " ، وبقول ابن عبَّاس : لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم .

وبإخراج علي رضي الله عنه أهل الذِّمَّة من الكوفة إلى الحيرة . قال : وإنما خصَّ في الحديث جزيرة العرب لأنه لم يكن للإسلام يومئذ ظهور إلا بها . قلت : وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قول المتقدمين والسلف الماضين ، فلا يُعْدَلُ عنه .

ولم يعرِّج أبو حنيفة على هذا الحديث ، فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة ومخالفة مثل هذا جريرة . وقوله " وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم " ، الوفد جمع وافد ، كصحب وصاحب ، وركب وراكب . وجمع الوفد : أوفاد ، ووفود .

والوفادة الاسم وهو القادم على القوم والرسول إليهم ، يقال أوفدته أرسلته . والإجازة : العطية . وهذا منه صلى الله عليه وسلم عهدٌ ووصيةٌ لولاة المسلمين بإكرام الوفود والإحسان إليهم قضاء لحق قصدهم ورفقًا بهم واستئلافًا لهم .

قال القاضي أبو الفضل : وسواء في ذلك عند أهل العلم ، كانوا مسلمين أو كفارًا ؛ لأن الكافر إنَّما يفد في مصالح المسلمين . قال : وهذه سنة لازمة للأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم . وقوله " وسكت عن الثالثة - أو قال : أنسيتها " ، يريد سعيد بن جبير ، قال ج٤ / ص٥٦٣المهلِّبُ : هي تجهيزُ جيش أسامة .

قال غيره : ويحتمل أن تكون هي قوله " لا تتخذوا قبري وثنًا " ، وقد ذكر مالك في الموطأ ما يدل على ذلك من حديث عمر ، فإنه قال فيه : أول ما تكلَّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قاتل الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ! لا يبقين دينان بجزيرة العرب " . و " الكتف " هنا يراد به عظم الكتف ، فإنهم يكتبون فيها . و " اللوح " من الخشب - وفيه دليل على جواز كتابة العلم والحديث ، وهذا وأشباهه ناسخٌ ج٤ / ص٥٦٤لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن ، ومن كتب شيئًا فليمحه ، وقد قدَّمنا ذلك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث