[ 7 ] 1649 - حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ - وَاللَّفْظُ لِخَلَفٍ - قَالُوا : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . قَالَ : فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى . فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قُلْنَا - أَوْ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ - لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا ؛ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ، ثُمَّ حَمَلَنَا . فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ : مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . ( 3 ) بَاب نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ " وَفِي رِوَايَةٍ : " إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ عَلَى الْيَمِينِ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ " . فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ ، وَكَانَ الْحِنْثُ خَيْرًا مِنَ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِينِ ، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنِ الْحِنْثِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ . وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهَا بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ ، فَجَوَّزَهَا مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَجَمَاعَاتٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، لَكِنْ قَالُوا : يُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ الْحِنْثِ ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا حِنْثَ الْمَعْصِيَةِ ، فَقَالَ : لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَتِهِ لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى إِجْزَائِهَا كَغَيْرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَشْهَبُ الْمَالِكِيُّ : لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ ظَوَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ ) أَيْ : نَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَحْمِلُنَا مِنَ الْإِبِلِ ، وَيَحْمِلُ أَثْقَالَنَا . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ) وَفِي رِوَايَةٍ : بِخَمْسِ ذَوْدٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذُّرَى ) . أَمَّا ( الذُّرَى ) فَبِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ ، جَمْعُ ( ذُرْوَةٍ ) بِكَسْرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا ، وَأَصْلُهَا كُلُّ شَيْءٍ أَعْلَاهُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَسْنِمَةُ ، وَأَمَّا ( الْغُرُّ ) فَهِيَ الْبِيضُ ، وَكَذَلِكَ ( الْبُقْعُ ) الْمُرَادُ بِهَا : الْبِيضُ ، وَأَصْلُهَا مَا كَانَ فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوداء ، وَمَعْنَاهُ : أَمَرَ لَنَا بِإِبِلٍ بِيضِ الْأَسْنِمَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِثَلَاثِ ذَوْدٍ فَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُطْلِقُ الذَّوْدَ عَلَى الْوَاحِدِ ، وَسَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( بِثَلَاثِ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( بِخَمْسِ ) فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا إِذْ لَيْسَ فِي ذِكْرِ الثَّلَاثِ نَفْيٌ لِلْخَمْسِ ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ : ( بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ ) بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ يَعُودُ إِلَى مَعْنَى الْإِبِلِ وَهُوَ الْأَبْعِرَةُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ ) تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ : قَوْلُهُ تَعَالَى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وَأَرَادَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : مَعْنَاهُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَانِي مَا حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ دُخُولَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَسْمِ فِيهِمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ · ص 274 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر · ص 627 ( 6 ) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر ( 1649 ) ( 9 و7 ) [1750] عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ ، فَتَلَكَّأَ ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ ، فَحَلَفْتُ ألَا أَطْعَمَهُ ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ ، فَدَعَا بِنَا ، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ، قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ ، لَا يُبَارَكُ لَنَا ، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَلَا تَحْمِلَنَا ، ثُمَّ حَمَلْتَنَا ، فَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وفي رواية : إِلَّا كَفَّرْتُ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . ( 6 ) ومن باب : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر ( قوله : إن أبا موسى دعا بمائدته وعليها لحم دجاج ) يدل على أن أكل الطيِّبات على الموائد جائز معمولٌ به عندهم . وأن ذلك لا يناقض الزهد ، ولا يُنقصه خلافًا لبعض متقشِّفة المتزهدة . وقول الرَّجل : ( رأيته يأكل شيئًا فقذرته ) يعني به : أنه رأى الدَّجاج يأكل نجاسة فاستقذره ، فحلف ألا يأكله لذلك . وظاهر قول هذا الرجل ؛ أنه كان يكره أكل ما يأكل النجاسات من الحيوانات . وقد اختلف في ذلك . فكرهه قوم ، فكان ابن عمر لا يأكل الدَّجاجة حتَّى يقصرها أيامًا . ومثل ذلك روي عن ابن القاسم في الجدي الذي ارتضع على خنزيرة : إنَّه لا يذبح حتَّى يذهب ما في بطنه . وكره الكوفيون أكل لحوم الجلاَّلة ، والشافعي : إن كان أكلُها أو غالبُه النجاسة ، فإن كان غالبه الطَّهارة لم يكرهه . وأجاز مالك أكل لحوم الإبل الجلاَّلة ، وأكل ما يأكل الجيف من الطَّير وغيره لبعد الاستحالة . قلت : وهذا محمول على ما إذا ذهب ما في بطونها من ذلك ، كما حكيناه عن ابن القاسم ، لأن مالكا قد قال في روث ما يأكل النجاسة وبوله : أنَّه نجس ، بخلاف أصله في أن الأبوال تابعة للُّحوم . وكره ابن حبيب من أصحابنا أكل ما يأكل النجاسات مطلقا . قلت : وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجلاَّلة وألبانها . وهو حجة لابن حبيب ؛ لولا أنَّه من رواية محمد بن إسحاق . و( قوله : فتَلَكَّأ ) أي : تثاقل ، وتأخر . و( نستحمله ) أي : نسأله أن يحملنا ؛ أي : يعطينا ما نتحمَّل عليه وبه ، و( نَهْبُ إبل ) أي : غنيمتها . والنهب : الغنيمة . وكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إذا أوتر من أول الليل قال : أحرزت نهبي ؛ أي : غنيمتي . وقد تقدَّم الكلام في الذَّوْد في كتاب الزكاة . و( قوله : غُرِّ الذُّرى ) غرُّ : جمع أغرُّ . وأصله : الذي في جبهته بياض من الخيل . و( الذُّرى ) : جمع ذروة ، وهي : من كل شيء أعلاه . والمراد بـ ( غُرّ الذُّرى ) : أن تلك الإبل كانت بيض الأسنمة . وقد روي : ( بُقْعُ الذُّرى ) أي : فيها لمعٌ بيضٌ وسودٌ . ومنه قيل : الغراب الأبقع ، والشَّاة البقعاء : إذا كانا كذلك . و( قوله : أغفَلْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ) أي : وجدناه غافلاً عنها . كما تقول العرب : أحمدت الرَّجل : وجدته محمودًا . وأذممته : وجدته مذمومًا . فكأنه قال : وجدناه غافلاً عنها ، فاغتنمنا غفلته ، فأخذنا منه في حال غفلته . و( قوله : لا يبارك لنا ) أي : فيما أعطانا إن سكتنا عن ذلك ولم نعرّفه . وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرُّم ، وجواز ردّ السَّائل المثقل عند تعذر الإسعاف ، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول . وذلك : أنَّهم سألوه في حال تحقق فيها : أنَّه لم يكن عنده شيء فأدَّبهم بذلك القول ، ثم : إنَّه صلى الله عليه وسلم بقي مترقِّبًا لما يُسعِفُ به طِلْبتَهُم ، ويجبرُ به انكسارهم ، فلمَّا يسَّر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم ، وجبرهم على مقتضى كرم خلقه . و( قوله : إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتها ) ، وفي الرواية الأخرى : ( إلا كفَّرتُ عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ) اختلاف هاتين الروايتين أوجب اختلاف العلماء في الكفارة قبل الحنث هل تجزئ أم لا ؟ على ثلاثة أقوال : جوازها مطلقا . وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة ، وجمهور الفقهاء . وهو مشهور مذهب مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجزئ بوجه . وهي رواية أشهب عن مالك . وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام ، والعتق ، والكسوة . ولا تجزئ بالصَّوم . وقد ذكر أصحابنا للخلاف في هذه المسألة سببًا آخر . وهو اختلافهم في اليمين . هل هو جزء السبب ، والحنث الجزء الآخر ؟ أم ليس كذلك ؟ بل وجود اليمين هو السبب فقط ، والحنث شرط وجوب الكفارة . وبسط هذا في مسائل الخلاف . وذكر مسلم في بعض طرق حديث أبي موسى الأشعري المردفة . حدثنا شيبان بن فرُّوخ ، حدثنا الصَّعِقُ ابن حَزْن - بكسر العين - من الصعق ، حدثنا مطر الوَّراق ، حدثنا زَهْدَم الْجَرْمِي . وهذا سندٌ فيه نظر . وذلك أن الدارقطني استدركه على مسلم ؛ فقال : ابن الصَّعِق ، ومطر ليسا بالقويين ، ولم يسمع مطر من زُهدم . قلت : وهذا لا عتب على مسلم فيه ، ولا نقص يلحق كتابه بسبب ذلك ؛ لأنَّه قد أخرج الحديث من طرق كثيرة صحيحة ، ثم أردف هذا السَّند بعد تلك الطرق الصحيحة المتصلة ، ولذلك قال فيه : عن زهدم قال : دخلت على أبي موسى ، وهو يأكل لحم دجاج ، وساق الحديث بنحو حديثهم ، وزاد فيه : قال : إني والله ما نسيت . فذكره مردفًا لأجل هذه اللفظة الزائدة ، ثم هذا على ما شرطه في أول كتابه ؛ حيث قَسَم الأسانيد إلى ثلاثة أقسام ، وثلاث طبقات . فهذا السَّند من الطبقة الأخيرة ؛ التي هي دون من قبلها ، وفيها مغمزٌ بوجه ما . وهذا يدل على أنه أدخل الثلاث الطبقات في كتابه خلافًا لمن زعم : أنه لم يدخل فيه من الطبقة الثالثة أحدًا . وذكر مسلم بعد هذا السند : ضُرَيْب بن نُقَيْر عن زهدم . قال القاضي عياض : ضُرَيْب بن نُقَيْر : مصغران ، ونُفَيْر هذا بالقاف أشهر . وهي رواية الصَّدفي ، والأسدي ، والتميمي من أشياخنا . وكذا قيَّدناه عنهم . وكان الخشني قيَّده بالفاء . وقال الحافظ أبو علي : يقال بهما ، والقاف أشهر . وأمَّا جبيْر بن نُفَيْر : فلم يختلف أنه بالفاء . وقول أبي موسى : ( وافقته وهو غضبان ) وحلفه في تلك الحال يدلُّ لمالك : على صحة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب . وهو له حجة على الشافعي حيث قال : إنَّها لا تلزم ، كما تقدَّم . ويدلُّ أيضًا على قول مالك حديث عدي بن حاتم المذكور .