[ 8 ] - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ لَهُمْ الْحُمْلَانَ إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ - وَهِيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ - فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ . وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ - وَلَا أَشْعُرُ - فَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمْ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي : أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ، فَأَجَبْتُهُ ، فَقَالَ : أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوكَ ، فَلَمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ - لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ - فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ : إِنَّ اللَّهَ - أَوْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكَبُوهُنَّ . قَالَ أَبُو مُوسَى : فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي بِهِنَّ فَقُلْتُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَلَكِنْ - وَاللَّهِ - لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلْتُهُ لَكُمْ وَمَنْعَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ إِعْطَاءَهُ إِيَّايَ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ ، فَقَالُوا لِي : وَاللَّهِ إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ . فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الَّذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْعَهُ إِيَّاهُمْ ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى سَوَاءً . [ 9 ] - حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ . وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ - قَالَ أَيُّوبُ : وَأَنَا لِحَدِيثِ الْقَاسِمِ أَحْفَظُ مِنِّي لِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ - قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي ، فَقَالَ لَهُ : هَلُمَّ ، فَتَلَكَّأَ ، فَقَالَ : هَلُمَّ ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ ، فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أَطْعَمَهُ ، فَقَالَ : هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ : إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ ، فَدَعَا بِنَا فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ، قَالَ : فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ : أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ ، لَا يُبَارَكُ لَنَا . فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلْتَنَا ، أَفَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَالْقَاسِمِ التَّيمِيِّ ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ : كَانَ بَيْنَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ جَرْمٍ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وُدٌّ وَإِخَاءٌ ، فَكُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ لَحْمُ دَجَاجٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ الْقَاسِمِ التَّيمِيِّ ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ح . وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَالْقَاسِمِ ، عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى . وَاقْتَصُّوا جَمِيعًا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ . وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حَدَّثَنَا الصَّعْقُ - يَعْنِي ابْنَ حَزْنٍ - ، حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ ، حَدَّثَنَا زَهْدَمٌ الْجَرْمِيُّ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمَ دَجَاجٍ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ ، وَزَادَ فِيهِ : قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا نَسِيتُهَا . [ 10 ] - وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ ضُرَيْبِ بْنِ نُقَيْرٍ الْقَيْسِيِّ ، عَنْ زَهْدَمٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ : مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ بُقْعِ الذُّرَى ، فَقُلْنَا : إِنَّا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ، فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ أَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّيْمِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ ، عَنْ زَهْدَمٍ ، يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : كُنَّا مُشَاةً فَأَتَيْنَا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ . قَوْلُهُ : ( أَسْأَلُهُ لَهُمُ الْحُمْلَانَ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ، أَيْ : الْحَمْلُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ ) أَيْ : الْبَعِيرَيْنِ الْمَقْرُونِ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ) هُوَ بِزَايٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ . قَوْلُهُ فِي لَحْمِ الدَّجَاجِ : ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ ) فِيهِ إِبَاحَةُ لَحْمِ الدَّجَاجِ ، وَمَلَاذِّ الْأَطْعِمَةِ ، وَيَقَعُ اسْمُ الدَّجَاجِ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا . قَوْلُهُ : ( بِنَهْبِ إِبِلٍ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : النَّهْبُ الْغَنِيمَةُ ، وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَجَمْعُهُ : نِهَابٌ بِكَسْرِهَا ، وَنُهُوبٌ بِضَمِّهَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَنْهُوبِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ . قَوْلُهُ : ( أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ ) هُوَ بِإِسْكَانِ اللَّامِ ، أَيْ جَعَلْنَاهُ غَافِلًا ، وَمَعْنَاهُ : كُنَّا سَبَبَ غَفْلَتِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَنِسْيَانِهِ إِيَّاهَا ، وَمَا ذَكَّرْنَاهُ إِيَّاهَا أَيْ : أَخَذْنَا مِنْهُ مَا أَخَذْنَا وَهُوَ ذَاهِلٌ عَنْ يَمِينِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الصَّعِقُ يَعْنِي : ابْنَ حَزْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ ، عَنْ زَهْدَمٍ ) هُوَ الصَّعِقُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَبِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِهَا ، وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الصَّعِقُ ، وَمَطَرٌ لَيْسَا قَوِيَّيْنِ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مَطَرٌ مِنْ زَهْدَمٍ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ ، فَاسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْهُ مُتَّصِلًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لِلطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُتَابَعَاتِ يُحْتَمَلُ فِيهَا الضَّعْفُ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مُسْلِمٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ خُطْبَةِ كِتَابِهِ وَشَرَحْنَاهُ هُنَاكَ ، وَأَنَّهُ يَذْكُرُ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ مُتَابَعَةً لِلصَّحِيحَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُمَا لَيْسَا قَوِيَّيْنِ ، فَقَدْ خَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ : هُوَ ثِقَةٌ فِي الصَّعِقِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَا بِهِ بَأْسٌ ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فِي مَطَرٍ الْوَرَّاقِ : هُوَ صَالِحٌ ، وَإِنَّمَا ضَعَّفُوا رِوَايَتَهُ عَنْ عَطَاءٍ خَاصَّةً . قَوْلُهُ : ( عَنْ ضُرَيْبِ بْنِ نُقَيْرٍ ) أَمَّا ( ضُرَيْبٌ ) فَبِضَادٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّر ، وَ ( نُقَيْرٌ ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَآخِرُهُ رَاءٌ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ فِي كُتُبِ الْأَسْمَاءِ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْفَاءِ ، وَقِيلَ : نُفَيْلٌ بِالْفَاءِ وَآخِرُهُ لَامٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو السَّلِيلِ ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ، وَهُوَ ضُرَيْبُ بْنُ نُقَيْرٍ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب نَدْبِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ · ص 275 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر · ص 627 ( 6 ) باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر ( 1649 ) ( 9 و7 ) [1750] عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ ، فَتَلَكَّأَ ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ شَيْئًا فَقَذِرْتُهُ ، فَحَلَفْتُ ألَا أَطْعَمَهُ ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ عَنْ ذَلِكَ: إِنِّي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَحْمِلُكُمْ ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ . فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْبِ إِبِلٍ ، فَدَعَا بِنَا ، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى ، قَالَ: فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَغْفَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينَهُ ، لَا يُبَارَكُ لَنَا ، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَلَا تَحْمِلَنَا ، ثُمَّ حَمَلْتَنَا ، فَنَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا حَمَلَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . وفي رواية : إِلَّا كَفَّرْتُ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . ( 6 ) ومن باب : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر ( قوله : إن أبا موسى دعا بمائدته وعليها لحم دجاج ) يدل على أن أكل الطيِّبات على الموائد جائز معمولٌ به عندهم . وأن ذلك لا يناقض الزهد ، ولا يُنقصه خلافًا لبعض متقشِّفة المتزهدة . وقول الرَّجل : ( رأيته يأكل شيئًا فقذرته ) يعني به : أنه رأى الدَّجاج يأكل نجاسة فاستقذره ، فحلف ألا يأكله لذلك . وظاهر قول هذا الرجل ؛ أنه كان يكره أكل ما يأكل النجاسات من الحيوانات . وقد اختلف في ذلك . فكرهه قوم ، فكان ابن عمر لا يأكل الدَّجاجة حتَّى يقصرها أيامًا . ومثل ذلك روي عن ابن القاسم في الجدي الذي ارتضع على خنزيرة : إنَّه لا يذبح حتَّى يذهب ما في بطنه . وكره الكوفيون أكل لحوم الجلاَّلة ، والشافعي : إن كان أكلُها أو غالبُه النجاسة ، فإن كان غالبه الطَّهارة لم يكرهه . وأجاز مالك أكل لحوم الإبل الجلاَّلة ، وأكل ما يأكل الجيف من الطَّير وغيره لبعد الاستحالة . قلت : وهذا محمول على ما إذا ذهب ما في بطونها من ذلك ، كما حكيناه عن ابن القاسم ، لأن مالكا قد قال في روث ما يأكل النجاسة وبوله : أنَّه نجس ، بخلاف أصله في أن الأبوال تابعة للُّحوم . وكره ابن حبيب من أصحابنا أكل ما يأكل النجاسات مطلقا . قلت : وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الجلاَّلة وألبانها . وهو حجة لابن حبيب ؛ لولا أنَّه من رواية محمد بن إسحاق . و( قوله : فتَلَكَّأ ) أي : تثاقل ، وتأخر . و( نستحمله ) أي : نسأله أن يحملنا ؛ أي : يعطينا ما نتحمَّل عليه وبه ، و( نَهْبُ إبل ) أي : غنيمتها . والنهب : الغنيمة . وكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ إذا أوتر من أول الليل قال : أحرزت نهبي ؛ أي : غنيمتي . وقد تقدَّم الكلام في الذَّوْد في كتاب الزكاة . و( قوله : غُرِّ الذُّرى ) غرُّ : جمع أغرُّ . وأصله : الذي في جبهته بياض من الخيل . و( الذُّرى ) : جمع ذروة ، وهي : من كل شيء أعلاه . والمراد بـ ( غُرّ الذُّرى ) : أن تلك الإبل كانت بيض الأسنمة . وقد روي : ( بُقْعُ الذُّرى ) أي : فيها لمعٌ بيضٌ وسودٌ . ومنه قيل : الغراب الأبقع ، والشَّاة البقعاء : إذا كانا كذلك . و( قوله : أغفَلْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه ) أي : وجدناه غافلاً عنها . كما تقول العرب : أحمدت الرَّجل : وجدته محمودًا . وأذممته : وجدته مذمومًا . فكأنه قال : وجدناه غافلاً عنها ، فاغتنمنا غفلته ، فأخذنا منه في حال غفلته . و( قوله : لا يبارك لنا ) أي : فيما أعطانا إن سكتنا عن ذلك ولم نعرّفه . وفيه من الفقه ما يدل على جواز اليمين عند التبرُّم ، وجواز ردّ السَّائل المثقل عند تعذر الإسعاف ، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول . وذلك : أنَّهم سألوه في حال تحقق فيها : أنَّه لم يكن عنده شيء فأدَّبهم بذلك القول ، ثم : إنَّه صلى الله عليه وسلم بقي مترقِّبًا لما يُسعِفُ به طِلْبتَهُم ، ويجبرُ به انكسارهم ، فلمَّا يسَّر الله تعالى ذلك عليه أعطاهم ، وجبرهم على مقتضى كرم خلقه . و( قوله : إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتها ) ، وفي الرواية الأخرى : ( إلا كفَّرتُ عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ) اختلاف هاتين الروايتين أوجب اختلاف العلماء في الكفارة قبل الحنث هل تجزئ أم لا ؟ على ثلاثة أقوال : جوازها مطلقا . وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة ، وجمهور الفقهاء . وهو مشهور مذهب مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تجزئ بوجه . وهي رواية أشهب عن مالك . وقال الشافعي : تجزئ بالإطعام ، والعتق ، والكسوة . ولا تجزئ بالصَّوم . وقد ذكر أصحابنا للخلاف في هذه المسألة سببًا آخر . وهو اختلافهم في اليمين . هل هو جزء السبب ، والحنث الجزء الآخر ؟ أم ليس كذلك ؟ بل وجود اليمين هو السبب فقط ، والحنث شرط وجوب الكفارة . وبسط هذا في مسائل الخلاف . وذكر مسلم في بعض طرق حديث أبي موسى الأشعري المردفة . حدثنا شيبان بن فرُّوخ ، حدثنا الصَّعِقُ ابن حَزْن - بكسر العين - من الصعق ، حدثنا مطر الوَّراق ، حدثنا زَهْدَم الْجَرْمِي . وهذا سندٌ فيه نظر . وذلك أن الدارقطني استدركه على مسلم ؛ فقال : ابن الصَّعِق ، ومطر ليسا بالقويين ، ولم يسمع مطر من زُهدم . قلت : وهذا لا عتب على مسلم فيه ، ولا نقص يلحق كتابه بسبب ذلك ؛ لأنَّه قد أخرج الحديث من طرق كثيرة صحيحة ، ثم أردف هذا السَّند بعد تلك الطرق الصحيحة المتصلة ، ولذلك قال فيه : عن زهدم قال : دخلت على أبي موسى ، وهو يأكل لحم دجاج ، وساق الحديث بنحو حديثهم ، وزاد فيه : قال : إني والله ما نسيت . فذكره مردفًا لأجل هذه اللفظة الزائدة ، ثم هذا على ما شرطه في أول كتابه ؛ حيث قَسَم الأسانيد إلى ثلاثة أقسام ، وثلاث طبقات . فهذا السَّند من الطبقة الأخيرة ؛ التي هي دون من قبلها ، وفيها مغمزٌ بوجه ما . وهذا يدل على أنه أدخل الثلاث الطبقات في كتابه خلافًا لمن زعم : أنه لم يدخل فيه من الطبقة الثالثة أحدًا . وذكر مسلم بعد هذا السند : ضُرَيْب بن نُقَيْر عن زهدم . قال القاضي عياض : ضُرَيْب بن نُقَيْر : مصغران ، ونُفَيْر هذا بالقاف أشهر . وهي رواية الصَّدفي ، والأسدي ، والتميمي من أشياخنا . وكذا قيَّدناه عنهم . وكان الخشني قيَّده بالفاء . وقال الحافظ أبو علي : يقال بهما ، والقاف أشهر . وأمَّا جبيْر بن نُفَيْر : فلم يختلف أنه بالفاء . وقول أبي موسى : ( وافقته وهو غضبان ) وحلفه في تلك الحال يدلُّ لمالك : على صحة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب . وهو له حجة على الشافعي حيث قال : إنَّها لا تلزم ، كما تقدَّم . ويدلُّ أيضًا على قول مالك حديث عدي بن حاتم المذكور .