[ 10 ] - حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ - قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ ، حَدَّثَنِي أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُكْلٍ ثَمَانِيَةً قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَاسْتَوْخَمُوا الْأَرْضَ وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ؟ فَقَالُوا : بَلَى . فَخَرَجُوا ، فَشَرِبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَصَحُّوا ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الْإِبِلَ . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُدْرِكُوا فَجِيءَ بِهِمْ ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ ، ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا . وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ فِي رِوَايَتِهِ : وَاطَّرَدُوا النَّعَمَ . وَقَالَ : وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ . [ 11 ] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا . بِمَعْنَى حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ عُثْمَانَ . قَالَ : وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ . [ 12 ] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ح . وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ مَوْلَى أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ لِلنَّاسِ : مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ ؟ فَقَالَ عَنْبَسَةُ : قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَذَا وَكَذَا . فَقُلْتُ : إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمٌ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ ، وَحَجَّاجٍ . قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ عَنْبَسَةُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : فَقُلْتُ : أَتَتَّهِمُنِي يَا عَنْبَسَةُ ؟ قَالَ : لَا ، هَكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ يَا أَهْلَ الشَّامِ مَا دَامَ فِيكُمْ هَذَا أَوْ مِثْلُ هَذَا . وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ - وَهُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ الْحَرَّانِيُّ - ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ح . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ . بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ . وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ : وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ . [ 13 ] وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنْ عُرَيْنَةَ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ ، وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُومُ وَهُوَ الْبِرْسَامُ . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ . وَزَادَ : وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ ، فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ . حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ ، ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ ح . وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ . وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطٌ مِنْ عُرَيْنَةَ . وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ : مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ . بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ . [ 14 ] - وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْأَعْرَجُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ . قَوْلُهُ : ( لَهُمْ بِلِقَاحٍ ) هِيَ جَمْعُ لِقْحَةٍ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا ، وَهِيَ : النَّاقَةُ ذَاتُ الدُّرِّ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ ) أَيْ وَلَمْ يَكْوِهِمْ ، وَالْحَسْمُ فِي اللُّغَةِ : كَيُّ الْعِرْقِ بِالنَّارِ لِنَقْطَعَ الدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُومُ وَهُوَ الْبِرْسَامُ ) ( الْمُومُ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ ، وَأَمَّا ( الْبِرْسَامُ ) فَبِكَسْرِ الْبَاءِ ، وَهُوَ : نَوْعٌ مِنَ اخْتِلَالِ الْعَقْلِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى وَرَمِ الرَّأْسِ وَوَرَمِ الصَّدْرِ ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُ اللَّفْظَةِ سُرْيَانِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ ) الْقَائِفُ هُوَ الَّذِي يَتَتَبَّعُ الْآثَارَ وَغَيْرَهَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ وَالْمُرْتَدِينَ · ص 312 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب القصاص في العين وحكم المرتد · ص 18 ( 2 ) باب القصاص في العين وحكم المرتد 1671 - [1761] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا. فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاء ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَاستاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا . وفي رواية : قال : وسملت أعينهم ، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون . 1471 ( 14 ) - [1762] عَنْ أَنَسٍ قَالَ : إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ . ( 2 ) ومن باب القصاص في العين وحكم المرتد ( قوله : إن ناسًا من عُرَيْنَة قدموا المدينة فاجتَوَوْها ) أي : لم توافقهم في صحتهم . يقال : اجتوى البلد ، واستوبله ، واستوخمه : إذا سقم فيه عند دخوله . و( استاقوا الذود ) أي : حملوا الإبل معهم ، وهو من السَّوق ، وهو : السير السَّريع العنيف . وفي الرِّواية الأخرى : مكان : ( الذود ) : ( لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهي : جمع : لِقْحَة . وهي : الناقة ذات اللبن . و( سَمَلَ أعينهم ) أي : غرز فيها الشوك حتَّى فقأها . قال أبو ذُؤَيْب : والعَيْنُ بَعْدَهُمُ كأنَّ حِدَاقِهَا سُمِلَتْ بشوْكٍ فهي عُورٌ تدْمَعُ و( سَمَرَ ) أي : فقأها بمسامير محميَّةٍ ؛ قاله أبو عبيد . وقال غيره : ( سَمَلَ ) و( سَمَّرَ ) بمعنى واحد . أبدلت الرَّاء من اللام . وفيه بُعْدٌ . ( يستسقون ) : يسألون أن يسقوا . وفي الأصل : ( وقد وقع بالمدينة ألْمُوم ، وهو البرسام ) . والبرسام : لفظة يونانية تستعملها الأطبَّاء في كتبهم ، يعنون به : وجعَ الرأسِ أو الصَّدر . وفي الحديث أبواب من الفقه ؛ منها : جواز التطبب ، وأن يطب كل جسم بما اعتاد . فإن هؤلاء القوم أعراب البادية ، عادتهم شرب أبوال الإبل وألبانها ، وملازمتهم الصحارى . فلمَّا دخلوا القرى ، وفارقوا أغذيتهم ، وعادتهم ؛ مرضوا . فأرشدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك ، فلمَّا رجعوا إلى عادتهم من ذلك ، صحُّوا ، وسمنوا . وفيه دليل لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه . وقد تقدَّم . وفيه جواز قتل المرتدين من غير استتابةٍ . وفيه : القصاص من العين بمثل ما فقئت به ، كما قال أنس : إنما سَمَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعينهم ؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرِّعاء ، وإنَّما قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالرَّاعي ؛ على ما حكاه أهل التاريخ والسِّير . قالوا : كان هذا الفعل من هؤلاء المرتدِّين سنة ست من الهجرة . واسم الرَّاعي : يسار ، وكان نوبيًّا . فقطعوا يديه ، ورجليه ، وغرزوا الشوك في عينيه حتَّى مات ، وأدخل المدينة ميتًا . ففعل بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلوا به . قلت : وعلى هذا : فلا يكون فيه إشكال . ويكون فيه دليل على القصاص من الجماعة بالواحد في النفس والأطراف . وهو قول مالك ، وجماعة . وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال : لا تقتل الجماعة بالواحد . والحديث حجَّة عليه . وقول عمر - رضي الله عنه - : ( لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ) . غير أن ذلك الحديث يُشْكِل بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس أيضًا قال : فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم قافة ، فأُتي بهم ، فأنزل الله تعالى في ذلك : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الآية . وعلى هذا فإنما قطعهم وقتلهم لأنهم محاربون ، فلا يكون فيه حجَّة على شيء مما ذكر قبل هذا من الأوجه المستنبطة ؛ لأنَّهم إذا كانوا محاربين فهو مخيَّر فيهم . ثم يشكل هذا بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس ، فإنَّه قال فيه بعد ذلك : ثم نهى عن المثلة . وفيه من حديث أبي الزناد : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه ، وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في ذلك : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية . فإن كان فعل ذلك قصاصًا منهم ، أو حدًّا ؛ لأنهم محاربون ؛ فذلك ليس بمثلة منهيًّا عنها ، ولا يعاتب عليه . قلت : والذي يرتفع به الإشكال -إن شاء الله - : أن طرق حديث أنس الواقعة في كتاب مسلم والبخاري أشهر وأصح من طرق أبي داود . وتلك الطرق متوافقة : على أن ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قصاصًا منهم بما فعلوا ، غير تركهم حتى ماتوا عطاشًا ، وتكحيلهم بمسامير محمَّاة ، كما ذكره أبو داود ، وكما دل عليه قوله : ( وسمر أعينهم ) . فيمكن أن يقال : إن الله تعالى عاتبه على ذلك القدر الذي زاده فقط ، دون القصاص والقتل ، فإن ذلك كان حكمهم . ولم يَسْتَتِبْهُم من الرِّدة ، إما لأن الاستتابة لم تكن إذ ذاك مشروعة ، وإمَّا لأنهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا بالقصاص ، وإمَّا بالحرابة ؛ فلا بدَّ من قتلهم ، فلا يظهر للاستتابة فائدة ، فاستغنى عنها ، والله تعالى أعلم . غير أنه يبقى على هذا إشكال آخر ، وهو : أن من قطع يد رجل أو رجله ، أو فقأ عينه ، ثم قتله ، قتل به ، ولم يُفعل به شيء مما فعل بالمقتول من قطع ، أو جرح . بل يُقتل خاصة إلا أن يكون قد مَثَّل به فيُفعل به كما فعل ، ثمَّ يقتل . هذا مذهب مالك . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : يجرح ، أو يقطع ، ثم يُقتل . فعلى قولهما لا إشكال فيه . ويزول الإشكال على قول مالك بأنهم مثَّلوا بالرَّاعي فمُثِّل بهم ، ثم قُتِلوا . وقد اختلف العلماء فيماذا نزلت : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ فقيل : نزلت في هؤلاء العُرَنيَّين كما ذكرناه في حديث أبي داود . وذهب الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح : إلى أنها نزلت في المشركين . وذهب ابن جرير : إلى أنها نزلت في اليهود . قال : ويدخل تحتها كلُّ ذِمِّي وملِّي . وذهب مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي : إلى أنها نزلت في المسلمين المحاربين . وهذا القول أصحها - إن شاء الله تعالى - لوجهين : أحدهما : أن الكفار لا تخيير فيهم بين القتل والصَّلب ، وقطع الأيدي والأرجل . وإنَّما حكم الكافر الأصلي : إمَّا القتل ، وإمَّا السباء ، أو الجزية . وأمَّا المرتد : فالقتل . وهل يستتاب أو لا ؟ هذا محل الخلاف كما تقدم . وثانيهما : أن الكافر لو تاب فأسلم بعد القدرة عليه لصحت توبته ، وحرم قتله بالإجماع . وآية المحاربة بنصِّها مخالفة لهذين الوجهين . فدلَّ اختلاف حكم الكافر لحكم المحارب : أن المحارب إنَّما هو مسلمٌ بحكم اعتقاده ، محارب بفعله . فحكمه ما ذكره الله تعالى في آية المحاربة . ثم المحاربة عندنا هي : إخافة السبيل ، وإشهار السلاح قصدًا لأخذ الأموال ، وسعيا بالفساد في الأرض ، ويكون خارج المصر وداخله عندنا ، وعند الشافعي . وقال أبو حنيفة ، وعطاء : لا تكون في المصر . وقد فسَّر مجاهد المحاربة بالزنى والسرقة . وليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى قد بيَّن في كتابه ، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أن السارق تقطع يده فقط ، وأن الزاني يجلد ويغرَّب إن كان بكرًا ، أو يرجم إن كان ثيِّبًا محصنًا ) . وأحكام المحارب في هذه الآية خلاف ذلك ؛ اللهم إلا أن يريد ( مجاهد ) : إخافة الطُّرق بإظهار السِّلاح قصدا للغلبة على الفروج ؛ فهذا أفحش المحاربة ، وأقبح من أخذ الأموال . ولا ينبغي أن يختلف في ذلك . وقد دخل ذلك في قوله تعالى : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وأي فسادٍ أعظم من الهجم على حرم المسلمين وأولادهم ، وإشهار ذلك ، وإظهار السلاح لأجله . وقد كثر ذلك في بلاد الأندلس في هذه الْمُدَد القريبة ، وظهر فيهم ظهورًا فاحشًا ، بحيث اشترك فيه الشُّبَّان بالفعل ، وأشياخهم بالإقرار عليه ، [وترك الإنكار . فسلط الله عليهم عدوَّهم فأهلكهم ، واستولى على بلادهم . فإنا لله وإنَّا إليه راجعون] . فأمَّا حكم المحارب : فأولى الأقوال فيه ما شهد له ظاهر الآية . وهو : تخيير الإمام بين القتل مع الصَّلب ، والقطع ، والنفي . فأي ذلك رأى الإمام أنكى ، أو أحق ، فعل . وهو مروي عن ابن عباس . وإليه ذهب عطاء ، والحسن البصري ، والنخعي ، ومجاهد ، والضحاك ، ومالك ، وأبو ثور . واختلف عن مالك في الصَّلب . هل يكون قبل القتل ، أو بعده ؟ وروي أيضًا عن ابن عباس : أنه إن أخاف السبيل وأخذ المال ؛ قُطعت يده ورجله من خلاف . وإن أخذ المال وقَتَل ؛ قُطعت يده ورجله ، ثم قُتل . وإن قتل ، ولم يأخذ مالًا ؛ قُتل . وإن لم يأخذ مالًا ولم يقتل : نُفي . وبه قال قتادة ، وأبو مجلز . وقال الأوزاعي : إن أخاف السبيل ، وشهر السلاح ؛ قتل ، ولم يصلب . وإن أخذ ، وقتل ؛ قتل مصلوبًا . وإن أخاف السبيل ولم يقتل ؛ قطع ؛ أخذ المال أو لم يأخذ . وقال الشافعي : إن قتل ، وأخذ ؛ قتل ، وصلب . وإن قتل ولم يأخذ ؛ قُتل ولم يصلب ، ودُفع إلى أوليائه ، وإن أخذ ولم يقتل ؛ قطعت يده اليمنى ، ثم حسمت بالنار ، ثم رجله اليسرى ، ثم حسمت . وقال أحمد : من قَتَل قُتِل ، ومن أخذ المال قُطِع . والأولى : القولُ بالتخيير . [والله العليم الخبير] .