حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب القصاص في العين وحكم المرتد

) باب القصاص في العين وحكم المرتد 1671 - [1761] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا . فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرُّعَاء ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَاستاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا . وفي رواية : قال : وسملت أعينهم ، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون .

1471 ( 14 ) - [1762] عَنْ أَنَسٍ قَالَ : إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ . ( 2 ) ومن باب القصاص في العين وحكم المرتد ( قوله : إن ناسًا من عُرَيْنَة قدموا المدينة فاجتَوَوْها ) أي : لم توافقهم في صحتهم . يقال : اجتوى البلد ، واستوبله ، واستوخمه : إذا سقم فيه عند دخوله .

و( استاقوا الذود ) أي : حملوا الإبل معهم ، وهو من السَّوق ، وهو : السير السَّريع العنيف . وفي الرِّواية الأخرى : مكان : ( الذود ) : ( لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، وهي : جمع : لِقْحَة . وهي : الناقة ذات اللبن .

و( سَمَلَ أعينهم ) أي : غرز فيها الشوك حتَّى فقأها . قال أبو ذُؤَيْب : والعَيْنُ بَعْدَهُمُ كأنَّ حِدَاقِهَا سُمِلَتْ بشوْكٍ فهي عُورٌ تدْمَعُ و( سَمَرَ ) أي : فقأها بمسامير محميَّةٍ ؛ قاله أبو عبيد . وقال غيره : ( سَمَلَ ) و( سَمَّرَ ) بمعنى واحد .

أبدلت الرَّاء من اللام . وفيه بُعْدٌ . ( يستسقون ) : يسألون أن يسقوا .

وفي الأصل : ( وقد وقع بالمدينة ألْمُوم ، وهو البرسام ) . والبرسام : لفظة يونانية تستعملها الأطبَّاء في كتبهم ، يعنون به : وجعَ الرأسِ أو الصَّدر . وفي الحديث أبواب من الفقه ؛ منها : جواز التطبب ، وأن يطب كل جسم بما اعتاد .

فإن هؤلاء القوم أعراب البادية ، عادتهم شرب أبوال الإبل وألبانها ، وملازمتهم الصحارى . فلمَّا دخلوا القرى ، وفارقوا أغذيتهم ، وعادتهم ؛ مرضوا . فأرشدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك ، فلمَّا رجعوا إلى عادتهم من ذلك ، صحُّوا ، وسمنوا .

وفيه دليل لمالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه . وقد تقدَّم . وفيه جواز قتل المرتدين من غير استتابةٍ .

وفيه : القصاص من العين بمثل ما فقئت به ، كما قال أنس : إنما سَمَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعينهم ؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرِّعاء ، وإنَّما قطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيديهم وأرجلهم لأنهم فعلوا كذلك بالرَّاعي ؛ على ما حكاه أهل التاريخ والسِّير . قالوا : كان هذا الفعل من هؤلاء المرتدِّين سنة ست من الهجرة . واسم الرَّاعي : يسار ، وكان نوبيًّا .

فقطعوا يديه ، ورجليه ، وغرزوا الشوك في عينيه حتَّى مات ، وأدخل المدينة ميتًا . ففعل بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما فعلوا به . قلت : وعلى هذا : فلا يكون فيه إشكال .

ويكون فيه دليل على القصاص من الجماعة بالواحد في النفس والأطراف . وهو قول مالك ، وجماعة . وخالف في ذلك أبو حنيفة فقال : لا تقتل الجماعة بالواحد .

والحديث حجَّة عليه . وقول عمر - رضي الله عنه - : ( لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ) . غير أن ذلك الحديث يُشْكِل بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس أيضًا قال : فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم قافة ، فأُتي بهم ، فأنزل الله تعالى في ذلك : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا الآية .

وعلى هذا فإنما قطعهم وقتلهم لأنهم محاربون ، فلا يكون فيه حجَّة على شيء مما ذكر قبل هذا من الأوجه المستنبطة ؛ لأنَّهم إذا كانوا محاربين فهو مخيَّر فيهم . ثم يشكل هذا بما زاده أبو داود فيه من حديث أنس ، فإنَّه قال فيه بعد ذلك : ثم نهى عن المثلة . وفيه من حديث أبي الزناد : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه ، وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في ذلك : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية .

فإن كان فعل ذلك قصاصًا منهم ، أو حدًّا ؛ لأنهم محاربون ؛ فذلك ليس بمثلة منهيًّا عنها ، ولا يعاتب عليه . قلت : والذي يرتفع به الإشكال -إن شاء الله - : أن طرق حديث أنس الواقعة في كتاب مسلم والبخاري أشهر وأصح من طرق أبي داود . وتلك الطرق متوافقة : على أن ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قصاصًا منهم بما فعلوا ، غير تركهم حتى ماتوا عطاشًا ، وتكحيلهم بمسامير محمَّاة ، كما ذكره أبو داود ، وكما دل عليه قوله : ( وسمر أعينهم ) .

فيمكن أن يقال : إن الله تعالى عاتبه على ذلك القدر الذي زاده فقط ، دون القصاص والقتل ، فإن ذلك كان حكمهم . ولم يَسْتَتِبْهُم من الرِّدة ، إما لأن الاستتابة لم تكن إذ ذاك مشروعة ، وإمَّا لأنهم كانوا قد وجب قتلهم إمَّا بالقصاص ، وإمَّا بالحرابة ؛ فلا بدَّ من قتلهم ، فلا يظهر للاستتابة فائدة ، فاستغنى عنها ، والله تعالى أعلم . غير أنه يبقى على هذا إشكال آخر ، وهو : أن من قطع يد رجل أو رجله ، أو فقأ عينه ، ثم قتله ، قتل به ، ولم يُفعل به شيء مما فعل بالمقتول من قطع ، أو جرح .

بل يُقتل خاصة إلا أن يكون قد مَثَّل به فيُفعل به كما فعل ، ثمَّ يقتل . هذا مذهب مالك . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : يجرح ، أو يقطع ، ثم يُقتل .

فعلى قولهما لا إشكال فيه . ويزول الإشكال على قول مالك بأنهم مثَّلوا بالرَّاعي فمُثِّل بهم ، ثم قُتِلوا . وقد اختلف العلماء فيماذا نزلت : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ فقيل : نزلت في هؤلاء العُرَنيَّين كما ذكرناه في حديث أبي داود .

وذهب الحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح : إلى أنها نزلت في المشركين . وذهب ابن جرير : إلى أنها نزلت في اليهود . قال : ويدخل تحتها كلُّ ذِمِّي وملِّي .

وذهب مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي : إلى أنها نزلت في المسلمين المحاربين . وهذا القول أصحها - إن شاء الله تعالى - لوجهين : أحدهما : أن الكفار لا تخيير فيهم بين القتل والصَّلب ، وقطع الأيدي والأرجل . وإنَّما حكم الكافر الأصلي : إمَّا القتل ، وإمَّا السباء ، أو الجزية .

وأمَّا المرتد : فالقتل . وهل يستتاب أو لا ؟ هذا محل الخلاف كما تقدم . وثانيهما : أن الكافر لو تاب فأسلم بعد القدرة عليه لصحت توبته ، وحرم قتله بالإجماع .

وآية المحاربة بنصِّها مخالفة لهذين الوجهين . فدلَّ اختلاف حكم الكافر لحكم المحارب : أن المحارب إنَّما هو مسلمٌ بحكم اعتقاده ، محارب بفعله . فحكمه ما ذكره الله تعالى في آية المحاربة .

ثم المحاربة عندنا هي : إخافة السبيل ، وإشهار السلاح قصدًا لأخذ الأموال ، وسعيا بالفساد في الأرض ، ويكون خارج المصر وداخله عندنا ، وعند الشافعي . وقال أبو حنيفة ، وعطاء : لا تكون في المصر . وقد فسَّر مجاهد المحاربة بالزنى والسرقة .

وليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى قد بيَّن في كتابه ، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أن السارق تقطع يده فقط ، وأن الزاني يجلد ويغرَّب إن كان بكرًا ، أو يرجم إن كان ثيِّبًا محصنًا ) . وأحكام المحارب في هذه الآية خلاف ذلك ؛ اللهم إلا أن يريد ( مجاهد ) : إخافة الطُّرق بإظهار السِّلاح قصدا للغلبة على الفروج ؛ فهذا أفحش المحاربة ، وأقبح من أخذ الأموال . ولا ينبغي أن يختلف في ذلك .

وقد دخل ذلك في قوله تعالى : وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وأي فسادٍ أعظم من الهجم على حرم المسلمين وأولادهم ، وإشهار ذلك ، وإظهار السلاح لأجله . وقد كثر ذلك في بلاد الأندلس في هذه الْمُدَد القريبة ، وظهر فيهم ظهورًا فاحشًا ، بحيث اشترك فيه الشُّبَّان بالفعل ، وأشياخهم بالإقرار عليه ، [وترك الإنكار . فسلط الله عليهم عدوَّهم فأهلكهم ، واستولى على بلادهم .

فإنا لله وإنَّا إليه راجعون] . فأمَّا حكم المحارب : فأولى الأقوال فيه ما شهد له ظاهر الآية . وهو : تخيير الإمام بين القتل مع الصَّلب ، والقطع ، والنفي .

فأي ذلك رأى الإمام أنكى ، أو أحق ، فعل . وهو مروي عن ابن عباس . وإليه ذهب عطاء ، والحسن البصري ، والنخعي ، ومجاهد ، والضحاك ، ومالك ، وأبو ثور .

واختلف عن مالك في الصَّلب . هل يكون قبل القتل ، أو بعده ؟ وروي أيضًا عن ابن عباس : أنه إن أخاف السبيل وأخذ المال ؛ قُطعت يده ورجله من خلاف . وإن أخذ المال وقَتَل ؛ قُطعت يده ورجله ، ثم قُتل .

وإن قتل ، ولم يأخذ مالًا ؛ قُتل . وإن لم يأخذ مالًا ولم يقتل : نُفي . وبه قال قتادة ، وأبو مجلز .

وقال الأوزاعي : إن أخاف السبيل ، وشهر السلاح ؛ قتل ، ولم يصلب . وإن أخذ ، وقتل ؛ قتل مصلوبًا . وإن أخاف السبيل ولم يقتل ؛ قطع ؛ أخذ المال أو لم يأخذ .

وقال الشافعي : إن قتل ، وأخذ ؛ قتل ، وصلب . وإن قتل ولم يأخذ ؛ قُتل ولم يصلب ، ودُفع إلى أوليائه ، وإن أخذ ولم يقتل ؛ قطعت يده اليمنى ، ثم حسمت بالنار ، ثم رجله اليسرى ، ثم حسمت . وقال أحمد : من قَتَل قُتِل ، ومن أخذ المال قُطِع .

والأولى : القولُ بالتخيير . [والله العليم الخبير] .

هذا المحتوى شرحٌ لـ3 أحاديث
موقع حَـدِيث