[ 15 ] 1672 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ ، قَالَ : فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَقٌ ، فَقَالَ لَهَا : أَقَتَلَكِ فُلَانٌ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ . وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ - ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ : فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ . ( 3 ) بَاب ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَدَّدَاتِ وَالْمُثَقَّلَاتِ وَقَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ [ 16 ] - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ . فَأُخِذَ ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ . وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . [ 17 ] - وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، فَسَأَلُوهَا : مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ ؟ فُلَانٌ ؟ فُلَانٌ ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا ، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا ، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ ، فَأَقَرَّ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ . قَوْلُهُ : ( إَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَقٌ ، فَقِيلَ لَهَا : أَقَتَلَكِ فُلَانٌ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا : أَنْ لَا ، ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا ، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ ، فَقَالَتْ : نَعَمْ وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا ، ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ ، فَأَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، فَسَأَلُوهَا : مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ ، فُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا الْيَهُودِيَّ ، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا ، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ ) . أَمَّا ( الْأَوْضَاحُ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، فَهِيَ : قِطَعُ فِضَّةٍ ، كَمَا فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى . قَوْلُهُ : ( وَبِهَا رَمَقٌ ) هُوَ بَقِيَّةُ الْحَيَاةِ وَالرُّوحِ . وَالْقَلِيبُ الْبِئْرُ ، وَقَوْلُهُ : ( رَضَخَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ وَرَضَّهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ ) هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَجَرٍ وَرُمِيَ بِحَجَرٍ آخَرَ فَقَدْ رُجِمَ ، وَقَدْ رُضَّ ، رُضِخَ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَجَمَهَا الرَّجْمَ الْمَعْرُوفَ مَعَ الرَّضْخِ ; لِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيبٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ : مِنْهَا : قَتْلُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ ، وَهُوَ إِجْمَاعُ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ . وَمِنْهَا : أَنَّ الْجَانِيَ عَمْدًا يُقْتَلُ قِصَاصًا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَتَلَ ، فَإِنْ بِسَيْفٍ قُتِلَ هُوَ بِالسَّيْفِ ، وَإِنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ ; لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ رَضَخَهَا فَرُضِخَ هُوَ . وَمِنْهَا : ثُبُوتُ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلَاتِ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمُحَدَّدَاتِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا قِصَاصَ إِلَّا فِي الْقَتْلِ بِمُحَدَّدٍ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ ، أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِقَتْلِ النَّاسِ بِالْمَنْجَنِيقِ ، أَوْ بِالْإِلْقَاءٍ فِي النَّارِ . وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي مُثَقَّلِ الْحَدِيدِ كَالدَّبُّوسِ . أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ شِبْهَ عَمْدٍ بِأَنْ قَتَلَ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا فَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ بِهِ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ وَاللَّطْمَةِ وَالْقَضِيبِ وَالْبُنْدُقَةِ وَنَحْوِهَا ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ : يَجِبُ فِيهِ الْقَوْدُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ : لَا قِصَاصَ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْهَا : وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الَّذِي يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ . وَمِنْهَا : جَوَازُ سُؤَالِ الْجَرِيحِ مَنْ جَرَحَكَ ؟ وَفَائِدَةُ السُّؤَالِ : أَنْ يُعْرَفَ الْمُتَّهَمُ لِيُطَالَبَ ، فَإِنْ أَقَرَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْمَجْرُوحِ ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ ، وأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ثُبُوتُ الْقَتْلِ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْمَجْرُوحِ ، وَتَعَلَّقُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَهَذَا تَعَلُّقٌ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ اعْتَرَفَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، فَإِنَّمَا قُتِلَ بِاعْتِرَافِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب ثُبُوتِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْحَجَرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَدَّدَاتِ وَالْمُثَقَّلَاتِ وَقَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ · ص 312 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب القصاص في النفس بالحجر · ص 23 ( 3 ) باب القصاص في النفس بالحجر 1672 - [1763] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ ؟ فُلَانٌ ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَأتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ . وفي رواية : فقتله رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين حجرين ( 3 ) ومن باب : القصاص في النفس ( قوله : إن جارية وجد رأسها قد رضَّ بين حجرين فجيء بها [إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبها رمق ] ) الرَّضُّ : الكسر غير الْمُبَان . و( الرَّمَق ) : بقية الحياة ؛ يعني : أنها قد أشرفت على الموت . ولذلك لما سُئلت عمَّن أصابها أومأت برأسها لما ذُكِر لها القاتل ، ولم تقدر على الكلام بلسانها . ومن قال من الرواة : إنَّها قالت : نعم . فإنما عبَّر عمَّا فهم عنها من الإشارة بالقول ، فإنَّها تنزلت منزلة القول . ففيه من الفقه : قتل الرَّجل بالمرأة . وهو قول الجمهور خلافًا لمن شذَّ فقال : لا يقتل بها . وهو عطاء ، والحسن . وقد روي عن علي - رضي الله عنه - . وأمَّا القصاص بينهما في الأطراف : فهو أيضًا مذهب الجمهور . وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس ، وأبو حنيفة ، وحماد ، وإن قالا به في النفس . والصحيح قول الجمهور في المسألتين ؛ لقوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وفيه : جواز ذكر من اتُّهم ، وعرضهم على المقتول واحدًا واحدًا بعينه واسمه ، وإن لم تقم دلالة على لطخه أكثر من أنَّه يحتمل ذلك احتمالًا قريبًا . ولا يكون ذلك عرضًا يستباح . وفيه : ما يدلُّ على اعتبار التَّدمية على الجملة . وقد تقدَّم الكلام فيها ، لكن الصحيح في هذا الحديث : أن اليهودي إنَّما قتل بالمرأة باقراره ، لا بمجرد التَّدمية . والرواية التي يظهر منها : أنَّه قتل بمجرد التَّدمية مردودة إلى الرواية التي ذكر فيها : أنه قتل بإقراره لوجهين : أحدهما : أن القضية واحدة وإن اختلفت الرِّوايات ، فيحمل مطلقها على مقيَّدِها . والثاني : أن ظاهر تلك الرِّواية المطلقة مجمع على تركه ؛ إذ لم يقل أحد من المسلمين : أن التَّدمية بمجردها يقتل بها ، وإنَّما هي عند من قال بها لوثٌ يقسم معها . ولم يسمع قطّ في شيء من طرق هذا الحديث ، ولا رواياته : أن أولياء هذه الجارية أقسموا على اليهودي . وفيه : قتل الكبير بالصَّغير ؛ لأن الجارية اسم لمن لم يبلغ من النساء ، كالغلام في الرجال . وهذا لا يختلف فيه . وفيه : أن من قَتَل بشيء قُتل به . وقد اختلف فيه ، فذهب الجمهور : إلى أنَّه يُقتل بمثل ما قَتَل من حجر ، أو عصا ، أو تغريق ، أو خنق ، أو غير ذلك ، ما لم يقتله بفسق كاللوطية ، وإسقاء الخمر ؛ فيقتل بالسيف . وحجَّتهم هذا الحديث ، وقوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وقوله تعالى : وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ والقصاص أصله : المساواة في الفعل . ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار ، وفي قتله بالعصا . فجمهورهم : على أنَّه يقتل بذلك . وقال ابن الماجشون وغيره : لا يحرَّق بالنار لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يعذب بالنَّار إلا الله ) . وقال مالك في إحدى الروايتين عنه : إنَّه إن كان في قتله بالعصا تطويل وتعذيب ، قتل بالسَّيف . وفي الأخرى : يقتل بها ، وإن كان فيه ذلك ، وهو قول الشافعي . وقال الشافعي فيمن حبس رجلًا أيَّامًا في بيت حتَّى مات جوعًا ، أو عطشًا ، أو قطع يديه ورجليه ، ورمى به من جبل ، أن يُفعل به مثل ذلك ، فإن مات ، وإلا قتل . وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كلِّه فقالوا : لا قود إلا بالسيف ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والشعبي ، والنخعي . واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا قود إلا بحديدة ) ، وبالنهي عن المثلة . والصحيح مذهب الجمهور لما تقدم ، ولأن الحديث الذي هو : ( لا قود إلا بحديدة ) ضعيف عند المحدثين ، لا يروى من طريق صحيح ، ولأن النهي عن المثلة نقول بموجبه إذا لم يمثل بالمقتول ، فإذا مَثَّل مثَّلنا به ؛ لقوله تعالى : فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ولحديث العُرَنِيِّين على ما تقدم . وقد شذَّ بعضهم فقال فيمن قتل بخنق ، أو بسم ، أو تردية من جبل أو في بئر ، أو بخشبة : أنه لا يقتل ، ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدد : حديد ، أو حجر ، أو خشب ، أو كان معروفًا بالخنق والتردية . وهذا منه ردٌّ للكتاب ، والسُّنة ، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمَّة ، وذريعةٌ إلى رفع القصاص الذي شرعه الله حياة للنفوس ، فليس عنه مناصٌ . ثم اختلف العلماء فيما إذا قَتَل بما لا يَقْتُل مِثْلُه غالبًا ، كالعضَّة واللَّطمة ، وضربة السَّوط ، والقضيب ، وشبه ذلك . فقال مالك ، والليث : هو عمدٌ ، وفيه القود . قال أبو عمر : وقال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين . وذهب جمهور فقهاء الأمصار : إلى أن هذا كلُّه شبه عمد ، إنما فيه الدِّية مغلظة . وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وقد ذكر عن مالك ، وقاله ابن وهب ، وجماعة من الصحابة والتابعين . قلت : وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ؛ إذ العمد : القصدُ إلى القتل ، وهو أمر خفي لا يُطَّلعُ عليه ، فلا بُدَّ من دليل عليه ، ولا بدَّ أن تكون تلك الدَّلالة واضحة رافعة للشَّك . ودلالة ما يقتل مثله غالبًا دلالة محقَّقة ، صحيحة ، وليس كذلك اللطمة ، وضربة السوط ، فلا دلالة فيهما . والدِّماء أحق ما احتيط لها ؛ إذ الأصل صيانتها في أهبها ، فلا نستبيحها إلا بأمر بيِّن ، لا إشكال فيه ، وهذا فيه إشكال ، ولا نستبيح به دمًا ، ولما كان مترددًا بين العمد والخطأ ؛ حكم له بشبه العمد ، وهو حُكْمٌ بين حُكمين ، فلا هو عمد محضّ ، ولا خطأ محضّ ، فلا قود فيه ؛ إذ لم يتحقق العمد . ومع ذلك فيمكن أن يكون قصد القتل ، فتكون فيه الدِّية المغلظة ، هذا مع ما قد رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم الفتح بمكة ، فذكر الحديث ، وقال فيه : ( ألا وإن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسَّوط ، أو العصا مائة من الإبل ، أربعون في بطونها أولادها ) . وهذا نصٌّ في الباب ، فلا ينبغي أن يعدل عنه . ثمَّ اختلف القائلون بشبه العمد في الدِّية المغلظة ما هي ؟ فقال عطاء ، والشافعي : هي ثلاثون حِقَّة ، وثلاثون جَذَعة ، وأربعون خَلِفَة . وقد روي ذلك عن عمر ، وزيد بن ثابت ، والمغيرة ، وأبي موسى . وهو مذهب مالك حيث يقول : بشبه العمد . ومشهور مذهبه : أنه لم يقل به إلا في مثل فعل المدلجي بابنه حيث ضربه بالسَّيف . وقيل : إن دية شبه العمد أربعون جَذَعة إلى بازلٍ عامها ، وثلاثون حِقَّة ، وثلاثون بنت لبون . وروي هذا عن عثمان . وبه قال الحسنُ ، وطاووس ، والزُّهري . وأمَّا ديةُ العمد : فهي عند الشافعي ثلاثون حِقَّةً ، وثلاثون جَذَعةً ، وأربعون خلفة ، كما قال في شبه العمد . وقال مالك : هي أرباع : ربع بنات مخاض ، وربع بنات لبون ، وربع جِذاعٌ ، وربعٌ حقاقٌ . وبه قال الزهري ، وربيعةُ ، وأحمدُ . وقال أبو ثور : أخماس ، ويزيد على الأربعة الأسنان المتقدِّمة بني لبون . وهي عنده ديةُ شبه العمد . وأمَّا دية الخطأ : فهي عنده أخماسٌ كما ذكرناه آنفًا . وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وسليمان بن يسار ، والزهري ، وربيعةُ ، والشافعي . ونحوه قال أبو حنيفة ، غير أنه جعل بدل بني لبون بني مخاضٍ . وبه قال النَّخعي ، وأحمدُ ، ويعقوبُ ، ومحمد . ورُوِي عن ابن مسعودٍ . وقيل : إنها أرباعٌ كما تقدَّم في دية العمد . وبه قال الشعبي ، والحسن البصري ، والنخعي ، وإسحاق بن راهويه . قلتُ : وهذا في أهل الإبل مجمعٌ عليه : أن في النَّفس مائة من الإبل . واختلف في غيرهم . فقالت طائفة : يجب على أهل الذهبِ الذهبُ ، وعلى أهل الورِقِ الورِقُ . وروي ذلك عن عمر ، وعروة ، وقتادة ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي ، ولم يختلف هؤلاء : أن دية الذهب ألفُ دينار . واختلفوا في الفضة . فقال الثوري ، والنعمان ، وصاحباه ، وأبو ثورٍ : هي عشرةُ آلاف درهم . [وقال الحسن البصري ، وعروةُ ، ومالكٌ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ : اثنا عشر ألف درهم] . وقال مالك ، وأبو حنيفة : الدِّيةُ من الذهب ، والإبل ، والفضة ، ولم يعرفا الْحُلَل ، ولا الشاء ، ولا البقر . وقال آخرون : هي على أهل البقر مائتا بقرة . وعلى أهل الشاء ألفا شاة . وعلى أهل الْحُلَل مائتا حُلَّة . وروي هذا عن عمر ، والحسن البصري . وبه قال عطاء ، والزهري ، وقتادة ، غير أن هؤلاء الثلاثة لم يقولوا بالحلل . قلت : وسبب هذا الخلاف اختلاف الأحاديث الواردة في الباب ، والاختلاف في تصحيحها ، وذلك : أنه ليس شيء منها متفقًا على صحته ، وهي ما بين مرسلٍ ، وضعيفٍ . فلنذكر منها ما خرَّجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جدِّه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قَتَل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول ؛ فإن شاؤوا قتلوا ، وإن شاؤوا أخذوا الدِّية ، وهي : ثلاثون حِقَّة ، وثلاثون جَذَعة ، وأربعون خَلِفة ، وما صالحوا عليه فهو لهم ، وذلك لتشديد العقل ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . وروى أبو داود عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى : أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل : ثلاثون بنت مخاض ، وثلاثون بنت لبون ، وثلاثون حِقَّة ، وعشر بني لبونٍ ذكر . وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار ، أو ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين . قال : فكان ذلك حتى استخلف عمر ، فقام خطيبًا فقال : ألا إن الإبل قد غلت ، ففرضها على أهل الذهب ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة . قال : وترك دية أهل الذمَّة لم يرفعها فيما رفع من الدِّية . وفي رواية أخرى عنه قال : عقل شبه العمد مغلَّظة مثل العمد ، ولا يقتل صاحبه . وعن عطاء ، عن جابر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلَّة . وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دية الخطأ عشرون حِقَّة ، وعشرون جَذَعة ، وعشرون بنت مخاض ، وعشرون بنت لبون ، وعشرون بني مخاض ذكر . وعن عكرمة ، عن ابن عبَّاس : أن رجلًا من بني عدي قتل ، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديته اثني عشر ألفًا . فهذه الأحاديث التي دارت بين العلماء الذين تقدم ذكر مذاهبهم ، فصار كل فريق منهم إلى ما صحَّ عنده منها ، وعمل به ، ومن بلغه جميعها فلا بد له من البحث عنها حتى يتبيَّن له الأرجح منها .