[ 32 ] 1680 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ : إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا قَتَلَ أَخِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَتَلْتَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَتَلْتَهُ قَالَ : كَيْفَ قَتَلْتَهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي ، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ ؟ قَالَ : مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي ، قَالَ : فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ ؟ قَالَ : أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ ، فَرَمَى إِلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ ، وَقَالَ : دُونَكَ صَاحِبَكَ ، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ ، فَرَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ ، وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ ؟ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ - لَعَلَّهُ قَالَ : بَلَى - قَالَ : فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ ، قَالَ : فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ . ( 10 ) بَاب صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ وَتَمْكِينِ وَلِيِّ الْقَتِيلِ مِنْ الْقِصَاصِ وَاسْتِحْبَابِ طَلَبِ الْعَفْوِ مِنْهُ قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا قَتَلَ أَخِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَتَلْتَهُ ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ، قَالَ : نَعَمْ قَتَلْتُهُ ، قَالَ : كَيْفَ قَتَلْتَهُ ؟ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ ) . أَمَّا النِّسْعَةُ : فَبِنُونٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ سِينٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَهِيَ حَبْلٌ مِنْ جُلُودٍ مَضْفُورَةٍ . وَقَرْنُهُ : جَانِبُ رَأْسِهِ . وَقَوْلُهُ : ( يَخْتَبِطُ ) أَيْ يَجْمَعُ الْخَبْطَ ، وَهُوَ وَرَقُ الثَّمَرِ بِأَنْ يَضْرِبَ الشَّجَرَ بِالْعَصَا فَيَسْقُطُ وَرَقُهُ فَيَجْمَعُهُ عَلَفًا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : الْإِغْلَاظُ عَلَى الْجُنَاةِ وَرَبْطِهِمْ وَإِحْضَارِهِمْ إِلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ . وَفِيهِ سُؤَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى ، فَلَعَلَّهُ يُقِرُّ فَيَسْتَغْنِي الْمُدَّعِي وَالْقَاضِي عَنِ التَّعَبِ فِي إِحْضَارِ الشُّهُودِ وَتَعْدِيلِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِقْرَارِ حُكْمٌ بِيَقِينٍ ، وَبِالْبَيِّنَةِ حُكْمٌ بِالظَّنِّ . وَفِيهِ سُؤَالُ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ الْوَلِيَّ عَنِ الْعَفْوِ عَنِ الْجَانِي . وَفِيهِ جَوَازُ الْعَفْوِ بَعْدَ بُلُوغِ الْأَمْرِ إِلَى الْحَاكِمِ . وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ : ( هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ ؟ ) . وَفِيهِ قَبُولُ الْإِقْرَارِ بِقَتْلِ الْعَمْدِ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ ، فَرَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ : إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ ، وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ ؟ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ - لَعَلَّهُ قَالَ - بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ ، قَالَ : فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ ) . وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( إِنَّهُ انْطَلَقَ بِهِ فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ) . أَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ ) فَالصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ لَا فَضْلَ وَلَا مِنَّةً لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَا عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ وَجَزِيلُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ، وَجَمِيلُ الثَّنَاءِ فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : فَهُوَ مِثْلُهُ فِي أَنَّهُ قَاتِلٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ ، لَكِنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي إِطَاعَتِهِمَا الْغَضَبَ وَمُتَابَعَةِ الْهَوَى ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ طَلَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ الْعَفْوَ ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ بِهَذَا اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ صَادِقٌ فِيهِ لِإِيهَامٍ مَقْصُودٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْوَلِيَّ رُبَّمَا خَافَ فَعَفَا ، وَالْعَفْوُ مَصْلَحَةٌ لِلْوَلِيِّ وَالْمَقْتُولِ فِي دِيَتِهِمَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ ) وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْجَانِي وَهُوَ إِنْقَاذُهُ مِنَ الْقَتْلِ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَفْوُ مَصْلَحَةً تَوَصَّلَ إِلَيْهِ بِالتَّعْرِيضِ ، وَقَدْ قَالَ الضَّمْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْتِي إِذَا رَأَى مَصْلَحَةً فِي التَّعْرِيضِ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يُعَرِّضَ تَعْرِيضًا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ ، مَعَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ ، قَالُوا : وَمِثَالُهُ أَنْ يَسْأَلَهُ إِنْسَانٌ عَنِ الْقَاتِلِ ، هَلْ لَهُ تَوْبَةٌ ؟ وَيَظْهَرُ لِلْمُفْتِي بِقَرِينَةٍ أَنَّهُ إِنْ أَفْتَى بِأَنَّ لَهُ تَوْبَةً تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ الصَّائِلَ يَسْتَهْوِنُ الْقَتْلَ لِكَوْنِهِ يَجِدُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ مَخْرَجًا ، فَيَقُولُ الْمُفْتِي فِي الْحَالَةِ هَذِهِ : صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَوْبَةَ لِقَاتِلٍ ، فَهُوَ صَادِقٌ فِي أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ ، وَلَا يُوَافِقُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، لَكِنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا يَفْهَمُ مِنْهُ مُوَافَقَتَهُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَيَكُونُ سَبَبًا لِزَجْرِهِ ، فَهَكَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَمَنْ يَسْأَلُ عَنِ الْغِيبَةِ فِي الصَّوْمِ : هَلْ يُفْطِرُ بِهَا ؟ فَيَقُولُ : جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " الْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب صِحَّةِ الْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ وَتَمْكِينِ وَلِيِّ الْقَتِيلِ مِنْ الْقِصَاصِ وَاسْتِحْبَابِ طَلَبِ الْعَفْوِ مِنْهُ · ص 322 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه · ص 51 ( 8 ) باب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه 1680 - ( 22 و 23 ) [1771] عن عَلْقَمَةَ بْن وَائِلٍ عن أبيه قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَتَلْتَهُ؟ ( فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ). قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتَهُ، قَالَ: فكَيْفَ قَتَلْتَهُ؟. قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي ، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ ، فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟. قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي، قَالَ: فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟. قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ، فَرَمَى إِلَيْهِ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِسْعَتِهِ وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ. فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ. فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ. وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟. قَالَ: بلى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ. قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ . وفي رواية : فانطلق به وفي عنقه نسعة يجرها ، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القاتل والمقتول في النار فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخلى عنه ، قال ابن أشوع : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سأله أن يعفو عنه فأبى . ( 8 ) ومن باب : الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه قوله : ( جاء رجل يقود آخر بنِسعَةٍ ) النِّسعة : ما ضفر من الأدم كالحبال . وجمعها : أنساع . فإذا فُتل ولم يُضْفر ؛ فهو الجديل . والجدْل : الفَتْل . وفيه من الفقه : العنف على الجاني ، وتثقيفه ، وأخذ الناس له حتى يحضروه إلى الإمام ، ولو لم يجعل ذلك للناس لفرَّ الجناة ، وفاتوا ، ولتعذر نصر المظلوم ، وتغيير المنكر . و( قوله : هذا قتل أخي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أقتلته ) فيه من الفقه سماع دعوى المدَّعي في الدَّم قبل إثبات الموت والولاية . ثم لا يثبت الحكم حتى يثبت كل ذلك . فإن قيل : فقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على القاتل في هذا الحديث من غير إثبات ولاية المدَّعي . فالجواب : إن ذلك كان معلومًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وعند غيره ، فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك . وفيه : استقرار المدَّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره ، فتسقط وظيفة إقامة البينة عن المدَّعي . كما جرى في هذا الحديث . و( قوله : لو لم يعترف أقمت عليه البينة ) بيان : أن الأصل في ثبوت الدِّماء الإقرار ، أو البيِّنة . وأمَّا القسامة : فعلى خلاف الأصل ، كما تقدم ؛ وفيه : استقرار المحبوس ، والمتهدَّد ، وأخذه بإقراره . وقد اختلف في ذلك العلماء ، واضطرب المذهب عندنا في إقراره بعد الحبس والتهديد . هل يُقبل جملة ، أو لا يقبل جملة ؟ والفرق ( فيقبل إذا عيَّن ما اعترف به من قتل ، أو سرقة ، ولا يُقبل إذا لم يعين ) ثلاثة أقوال . و( قوله : كيف قتلته ؟ ) سؤال استكشاف عن حال القتل ، لإمكان أن يكون خطأ ، أو عمدًا . ففيه من الفقه : وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام ، ولا يكتفى بالإطلاق . وهذا كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ماعز حين اعترف على نفسه بالزنى على ما يأتي . و( قوله : كنت أنا وهو نختبط من شجرة ، فسبَّني ، فأغضبني ، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته ) . نختبط ( نفتعل ) من الخبط ، وهو ضرب بالعصا ليقع يابسُ ورقها ، فتأكله الماشية . وقرن الرأس : جانبه الأعلى . قال الشاعر : .................... وضَرَبْتُ قَرْنِي كَبْشِها فَتَجَدَّلا و( قوله : هل لك من شيء تؤدِّيه عن نفسك ) يدلّ : على أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ألزمَه حكم إقراره ، وأن قتله كان عمدًا ؛ إذ لو كان خطأ لما طالبه بالدِّية ، ولطولب بها العاقلة ، ويدلُّ على هذا أيضًا قوله : ( أترى قومك يشترونك ؟ ) لأنه لما استحق أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد صاروا كالمالكين له ، فلو دفع أولياء القاتل عنه عوضًا فقبله أولياء المقتول لكان ذلك كالبيع . وهذا كله إنما عرضه النبي - صلى الله عليه وسلم - على القاتل بناء منه : على أنه إذا تيسَّر له ما يؤدي إلى أولياء المقتول سألهم في العفو عنه . ففيه من الفقه : السعي في الإصلاح بين الناس ، وجواز الاستشفاع ، وإن رفعت حقوقهم للإمام ؛ بخلاف حقوق الله تعالى ، فإنَّه لا تجوز الشفاعة فيها إذا بلغت الإمام . و( قوله : ما لي مال إلا كسائي وفأسي ) فيه من الفقه : أنَّ المال يُقال على كل ما يتموَّل من العروض وغيرها . وأن ذلك ليس مخصوصًا بالإبل ، ولا بالعين . وقد تقدَّم ذلك . و( قوله : فرمى إليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنِسْعَته وقال : دونك صاحبك ) أي : خذه فاصنع به ما شئت . هذا : إنَّما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا تحقق السبب ، وتعذَّر عليه الإصلاح ، وبعد أن عرض على الولي العفو فأبى ، كما قاله ابن أشوع ، وبعد أن علم : أنه لا مستحِقَّ للدَّم إلا ذلك الطالب خاصة . ولو كان هناك مستحقٌّ آخر لتعيَّن استعلام ما عنده من القصاص أو العفو . وفيه ما يدلُّ : على أن القاتل إذا تحقق عليه السبب ، وارتفعت الموانع لا يقتلُه الإمام ، بل يدفعه للولي يفعل به ما يشاء من قتل ، أو عفو ، أو حبس ، إلى أن يرى رأيه فيه . ولا يسترقَّه بوجه ؛ لأنَّ الحرَّ لا يملك . ولا خلاف فيه فيما أعلمه . و( قوله : فانطلق به ، فلمَّا ولى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن قتله فهو مثله ) ظاهره : إن قتله كان عليه من الإثم مثل ما على القاتل الأول . وقد صرَّح بهذا في الرواية الأخرى التي قال فيها : ( القاتل والمقتول في النَّار ) ، وهذا فيه إشكال عظيم . فإن القاتل الأوَّل قَتَل عمدًا . والثاني يَقْتُلُ قِصَاصًا ، ولذلك : لما سمع الولي ذلك قال : ( يا رسول الله ! قلت ذلك ؟ ! وقد أخذته بأمرك ) . فاختلف العلماء في تأويل هذا على أقوال : الأول : قال الإمام أبو عبد الله المازري : أمثلُ ما قيل فيه : أنَّهما استويا بانتفاء التِّباعةِ عن القاتل بالقِصاص . قلت : وهذا كلامٌ غير واضح . ويعني به - والله أعلم - : أن القاتل إذا قَتَل قِصَاصًا لم يبق عليه تبعة من القتل . والمقتصّ : لا تبعة عليه ؛ لأنَّه استوفى حقه ، فاستوى الجاني والولي المقتصُّ في أن كل واحد منهما لا تبعة عليه . الثاني : قال القاضي عياض : معنى قوله : ( فهو مثله ) أي : قاتل مثله ، وإن اختلفا في الجواز والمنع ، لكنهما اشتركا في طاعة الغضب ، وشِفَاء النفس ، لا سيما مع رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العفو ، على ما جاء في الحديث . قلت : والعجيبُ من هذين الإمامين : كيف قنعا بهذين الخيالين ولم يتأمَّلا مساق الحديث ، وكأنهما لم يسمعا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين انطلق به يجرُّه ليقتله : ( القاتل والمقتول في النار ) . وهذه الرواية مفسِّرة لقوله في الرواية المتقدمة : ( إن قَتَلَه فهو مِثْلُه ) [لأنها ذُكِرت بدلًا منها ، فعلى مقتضى قوله : ( فهو مثله ) أي : هو في النار مثله] ، ومن هنا عظم الإشكال . ولا يلتفت لقول من قال : إن ذلك إنما قاله - صلى الله عليه وسلم - للولي لِمَا عَلِمَه منه من معصية يستحق بها دخول النار ؛ لأنَّ المعصية المقدرة ، إما أن يكون لها مدخل في هذه القصَّة ، أو لا مدخل لها فيها . فإن كان الأول فينبغي لنا أن نبحث عنها حتى نتبيَّنها ونعرف وجه مناسبتها لهذا الوعيد الشديد . وإن لم يكن لها مدخل في تلك القضية لم يلق بحكمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا ببلاغته ، ولا ببيانه ، أن يذكر وعيدًا شديدًا في قضية ذات أحوال وأوصاف متعددة ، ويقرن ذلك الوعيد بتلك القصَّة ، وهو يريد : أن ذلك الوعيد إنَّما هو لأجل شيء لم يذكره هو ، ولا جرى له ذكر من غيره . ثمَّ إن المقول له ذلك قد فهم : أن ذلك إنما كان لأمر جرى في تلك القصة ، ولذلك قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : تقول ذلك ، وقد أخذته بأمرك ؟ ! ولو كان كما قاله هذا القائل ؛ لقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنَّما قلت ذلك للمعصية التي فعلت ، أو : الحالة التي أنت عليها ، لا لهذا ، ولما كان يسكت عن ذلك ، ولبادر لبيانه في تلك الحال ؛ لأنَّ الحاجة له داعية ، والنصيحة والبيان واجبان عليه - صلى الله عليه وسلم - . والله تعالى أعلم . الثالث : أن أبا داود روى هذا الحديث من طريق أبي هريرة وقال فيه : قتل رجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدفعه إلى ولي المقتول . فقال القاتلُ : يا رسول الله ! والله ما أردت قتله ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للولي : ( أما إنَّه إن كان صادقًا ثمَّ قتلته دخلت النار ) فحاصله : أن هذا المعترف بالقتل زعم أنه لم يرد قتله ، وحلف عليه ، فكان القتل خطأ ، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاف أن يكون القاتل صدق فيما حلف عليه ، وأن القاتل يعلم ذلك ؛ لكن سلمه له بحكم إقراره بالعمد ، ولا شاهد يشهد له بالخطأ . ومع ذلك فتوقَّع صدقَهُ ، فقال : إن قتلته دخلت النَّار . فكأنه قال : إن كان صادقًا وعلمت أنت صدقه ، ثمَّ قتلته فأنت في النار . وهذا - على ما فيه من التكلُّف - يبطله قوله : ( القاتل والمقتول في النار ) ، فسوَّى بينهما في الوعيد . فلو كان القاتلُ مُخطِئًا لما استحق بذلك النَّار ، ولَمَا باء بإثْمِه وإثم صاحبه ؛ فإن المخطئ لا يكون آثِمًا ، ولا يتحمَّل إثمَ من أخطأ عليه . الرابع : أن أبا داود روى هذا الحديث عن وائل بن حجر ، وذكر فيه ما يدلّ : على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد تخليصه فعرض الدِّية ، أو العفو على الولي ثلاث مرَّات ، والولي في كل ذلك يأبى إلا القتل معرضًا عن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن حرصه على تخليص الجاني من القتل ، فكأن الولي صدر منه جفاء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث ردَّ متأكد شفاعته ، وخالفه في مقصوده . ويظهر هذا من مساق الحديث . وذلك : أن وائل بن حجر قال : كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جيء برجل قاتل في عنقه نسعة . قال : فدعا ولي المقتول ، فقال : ( أتعفو ؟ ) ، قال : لا . فقال : ( أتأخذ الدِّية ؟ ) قال : لا . قال : ( أتقتل ؟ ) قال : نعم . قال : ( اذهب به ) ، فلمَّا ولى ، قال : ( أتعفو ؟ ) قال : لا . قال : ( أفتأخذ الدِّية ؟ ) قال : لا . قال : ( أفتقتل ؟ ) قال : نعم . قال : ( اذهب به ) ، فلمَّا كان في الرابعة قال : ( أما إنَّك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه ) ، قال : فعفا عنه . فهذا المساق يفهم منه : صحَّة قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - لتخليص ذلك القاتل ، وتأكد شفاعته له في العفو ، أو قبول الدِّية . فلمَّا لم يلتفت الولي إلى ذلك كله صدرت منه - صلى الله عليه وسلم - تلك الأقوال الوعيدية مشروطة باستمراره على لَجَاجه ، ومضيه على جفائه . فلما سمع الولي ذلك القول عفا وأحسن ، فقُبِلَ ، وأُكرِمَ . وهذا أقرب من تلك التأويلات والله أعلم بالمشكلات . وهذا الذي أشار إليه ابن أشوع حيث قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله أن يعفو فأبى . تنبيه : إنَّما عظم الإشكال من جهة قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( القاتل والمقتول في النار ) ، ولما كان ذلك قال بعض العلماء : إن هذا اللفظ يعني : قوله : ( القاتل والمقتول في النار ) إنما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) . فوهم بعض الرواة ، فضمه إلى هذا الحديث الآخر . قلت : وهذا فيه بُعد . والله تعالى أعلم . و( قوله : أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟ ) أي : ينقلب ، ويرجع . وأكثر ما يُستعمل : ( باء بكذا ) في الشر . ومنه قوله تعالى : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ويعني بذلك - والله تعالى أعلم - : أن المقتول ظلمًا تُغفر له ذنوبه عند قتل القاتل له . والولي يغفر له عند عفوه عن القاتل . فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل ، فلذلك قيل عنه : إنَّه باء بذنوب كل واحد منهما . هذا أحسن ما قيل فيه . والله تعالى أعلم . و( قوله : ألك شيء تؤدِّيه عن نفسك ) يفيد : أنَّه لو حضرت الدِّية لدفعت للولي ، ولسقط القصاص لكن برضى الولي ، ولا يُجبر على أخذها ؛ لأنَّ الذي للولي القصاص أو التخيير . وهو حقه ، ولا يختلف في هذا . وإنَّما اختلف في إجبار القاتل على إعطاء الدية إذا رضي بها الولي . فذهب جماعة : إلى إجباره عليها ؛ منهم : الشافعي وغيره على ما تقدَّم في كتاب الحجِّ . وقالت طائفة أخرى : لا يجبر عليها ، ولا يكون ذلك إلا برضا القاتل والولي ، وإليه ذهب الكوفيون . وهو مشهور مذهب مالك . وسبب هذا الخلاف معارضة السُّنة للقرآن . وذلك : أن ظاهر القرآن وجوب القصاص . وهو قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى وقوله : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وقد ثبت : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين ، بين أن يأخذوا العقل ، وبين أن يقتلوا ) ، وهذا نصَّ في التخيير . وبيان الأرجح يستدعي تطويلًا . وبسطه في كتب الخلاف .