29 - كِتَاب الْحُدُودِ [ 1 ] 1684 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ : حَدَّثَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ح . وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِهِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ . [ 2 ] - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ - وَاللَّفْظُ لِلْوَلِيدِ ، وَحَرْمَلَةَ - قَالُوا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . [ 3 ] - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى - وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ ، وَأَحْمَدَ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ : أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ . [ 4 ] - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ وَلَدِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ . كِتَابُ الْحُدُودِ ( 1 ) بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ وَنِصَابِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - : الْأَمْوَالُ بِإِيجَابِ الْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ ، وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ السَّرِقَةِ كَالِاخْتِلَاسِ وَالِانْتِهَابِ وَالْغَصْبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّرِقَةِ ; وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا النَّوْعِ بِالِاسْتِدْعَاءِ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ ، وَتَسْهُلُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ تَنْدُرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا ، فَعَظُمَ أَمْرُهَا ، وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتُهَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ) وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( لَمْ تُقْطَعْ يَدُ السَّارِقِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : ( قَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ) . أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ كَمَا سَبَقَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَقَدْرِهِ ، فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا يُشْتَرَطُ نِصَابٌ بَلْ ويُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَلَمْ يَخُصُّوا الْآيَةَ ، وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ : وَلَا تُقْطَعُ إِلَّا فِي نِصَابٍ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ النِّصَابِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : النِّصَابُ رُبْعُ دِينَارٍ ذَهَبًا ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، وَلَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ ، وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرُونَ أَوِ الْأَكْثَرُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ دَاوُدَ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ : تُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ أَحَدُهُمَا ، وَلَا قطَعُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : لَا تُقْطَعُ إِلَّا فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا تُقْطَعُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ قِيمَتُهُ ذَلِكَ ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّ النِّصَابَ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ، وَعَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ أَنَّهُ دِرْهَمٌ ، وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ دِرْهَمَانِ ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرَّحَ بِبَيَانِ النِّصَابِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ لَفْظِهِ وَأَنَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَأَمَّا بَاقِي التَّقْدِيرَاتِ فَمَرْدُودَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ) فَمَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَانَ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، وَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَرِيحِ لَفْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَحْدِيدِ النِّصَابِ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُحْتَمَلَةِ ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ لَفْظِهِ ، وَكَذَا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : ( لَمْ يَقْطَعْ يَدَ السَّارِقِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ ) مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبْعَ دِينَارٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِيُوَافِقَ صَرِيحَ تَقْدِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةٍ جَاءَتْ : ( قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( خَمْسَةُ ) فَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُعْمَلُ بِهَا لَوِ انْفَرَدَتْ ، فَكَيْفَ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي التَّقْدِيرِ بِرُبْعِ دِينَارٍ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ اتِّفَاقًا لَا أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِ النِّصَابِ بِذَلِكَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ ( لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ أَوِ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ) فَقَالَ جَمَاعَةٌ : الْمُرَادُ بِهَا بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ ، وَأَنْكَرَ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا وَضَعَّفُوهُ ، فَقَالُوا : بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ لَهُمَا قِيمَةٌ ظَاهِرَةٌ ، وَلَيْسَ هَذَا السِّيَاقُ مَوْضِعَ اسْتِعْمَالِهِمَا ، بَلْ بَلَاغَةُ الْكَلَامِ تَأْبَاهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُذَمُّ فِي الْعَادَةِ مَنْ خَاطَرَ بِيَدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ قَدْرٌ ، وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَنْ خَاطَرَ بِهَا فِيمَا لَا قَدْرَ لَهُ فَهُوَ مَوْضِعُ تَقْلِيلٍ لَا تَكْثِيرٍ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّنْبِيهُ عَلَى عَظِيمِ مَا خَسِرَ ، وَهِيَ يَدُهُ فِي مُقَابَلَةِ حَقِيرٍ مِنَ الْمَالِ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ ، فَإِنَّهُ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ ، أَوْ أَرَادَ جِنْسَ الْبَيْضِ وَجِنْسَ الْحِبَالِ ، أَوْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ الْبَيْضَةَ فَلَمْ يُقْطَعْ جَرَّهُ ذَلِكَ إِلَى سَرِقَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقُطِعَ ، فَكَانَتْ سَرِقَةُ الْبَيْضَةِ هِيَ سَبَبُ قَطْعِهِ ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَدْ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ أَوِ الْحَبْلَ فَيَقْطَعُهُ بَعْضُ الْوُلَاةِ سِيَاسَةً لَا قَطْعًا جَائِزًا شَرْعًا ، وَقِيلَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ مُجْمَلَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانِ نِصَابٍ ، فَقَالَهُ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب حَدِّ السَّرِقَةِ وَنِصَابِهَا · ص 330 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب حد السرقة وما يقطع فيه · ص 69 ( 23 ) كتاب الحدود ( 1 ) باب حد السرقة وما يقطع فيه 1684 - ( 1 ) [1774] عَنْ عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا . 1684 - ( 3 ) [1775] وعنها : أنها سمعت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : لا تقطع يد السارق إلا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا 1686 - ( 6 ) [1776] وعن ابن عمر : أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم . ( 23 ) كتاب الحدود هي : جمع حدّ . وأصل الحدّ : المنع حيث وقع وإن اختلفت أبنيته وصيغه . وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات : حدودًا ؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني ومن فعل المعتبر بها . ( 1 ) ومن باب حدّ السَّرِقة وما يقطع فيه السَّرِقةُ والسَّرِقُ - بكسر الراء فيهما - : هو اسم الشيء المسروق ، والمصدر من ( سَرَق ، يَسْرِقُ ) : سَرَقًا - بفتح الرَّاء - كذا قاله الجوهري . وأصل هذا اللفظ إنما هو : أخذ الشيء في خفية . ومنه : اسْتَرَق السَّمع . وسَارَقَه النظر . قال ابن عرفة : السارق عند العرب هو : من جاء مستترًا إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له . فإن أخذ من ظاهرٍ فهو مختلس ، ومستلبٌ ، ومنتهبٌ ، ومحترسٌ . فإن منع مما في يده فهو غاصبٌ له . قلت : وهذا الذي قاله ابن عرفة هو السارق في عُرْفِ الشرع . ويستدعي النَّظر في هذا الباب النَّظر في : السَّارق ، والمسروق منه ، والشيء المسروق ، وحكم السَّارق . ولا خلاف في أن السَّارق إذا كملت شروطه يقطع دون الغاصب ، والْمُخْتَلِس ، والْخَائِن . وفيمن يستعير المتاع فيَجْحَدُهُ خلاف شاذٌّ ، حكي عن أحمد ، وإسحاق ، فقالا : يقطع . والسَّلف والخلف على خلافهما . وسيأتي القول في حديث المخزوميَّة . وإنَّما خصَّ الشرع القطع بالسَّارق ؛ لأن أخذ الشيء مُجاهَرَة يمكن أن يُسْتَرجع منه غالبًا . والخائن مكَّنَهُ ربُّ الشيء منه ، وكان متمكنًا من الاستيثاق بالبينة . وكذلك الْمُعير . ولا يُمَكَّن شيء من ذلك في السَّرِقة ، فبالغ الشرع في الزجر عنها ؛ لما انفردت به عن غيرها بقطع اليد . وقد أجمع المسلمون : على أن اليمنى [تقطع إذا وجدت ؛ لأنَّها الأصل في محاولة كل الأعمال] . و( قول عائشة - رضي الله عنها - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] يَقْطع في ربع دينار فصاعدًا ) . وفي الطريق الأخرى : ( لا تُقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ) . هذا تقرير لقاعدة ما تقطع فيه يد السَّارق من النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلفظه . لكنَّه ظاهر فيما إذا كان المسروق ذهبًا ، فلو كان غير ذهب ، وكان فضة ، فهل يعتبر قيمتها بالذهب ؛ فإن سوّيت ربع دينار فصاعدًا قطع فيها ، أو إنما تعتبر بنفسها ؛ فإذا بلغت ثلاثة دراهم وزنًا قطع فيها ، فيكون كل واحد من الذهب والفضة أصلًا معتبرًا بنفسه ؛ قولان : الأول : للشافعي ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبي ثور ، وهو مروي عن عمر ، وعلي ، وعثمان ، وبه قالت عائشة ، وعمر بن عبد العزيز . والثاني : لمالك وأصحابه . وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهبًا فربع دينار ، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم من الورق . وهذا نحو مما صار إليه مالك في أحد القولين . وفي المشهور : أنه إنما تقوَّم العروض بالدراهم ، كما قال في حديث ابن عمر . وقال بعض أصحابنا : يقوَّم بالغالب في موضع السَّرِقة من الذهب والفضة كما تقوَّم المتلفات . وهو القياس . وهذان القولان ناشئان من حديثي عائشة ، وابن عمر المذكورين في هذا الباب . وقد نقلت أقوال عن كثير من السلف والعلماء في تحديد نصاب السَّرِقة لم يثبت فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث معتمد ، ولا لها في الأصول ظاهر مستند ؛ فمنها ما روي عن عمر ، وقال به سليمان بن يسار ، وابن شبرمة . وهو : أنَّ الْخَمْسَ لا تقطع إلا في خَمْسٍ . ومنها : أنَّها لا تقطع إلا في عشرة دراهم . وبه قال عطاء ، والنُّعمان ، وصاحباه . ومنها : أنها تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا . وهو مروي عن أبي هريرة ، وأبي سعيد . ومنها : أنها تقطع في درهم فما فوقه ، وهو مروي عن عثمان . ومنها : أنها تقطع في كل ما له قيمة ، وروي عن الحسن في أحد أقواله ، وهو قول الخوارج ، وأهل الظاهر . [واختاره ابن بنت الشافعي ] . ومنها : أنها لا تقطع في أقل من درهمين ، وروي عن الحسن . ومنها : أنها لا تقطع في أقل من أربعين درهما ، أو أربعة دنانير . وروي عن النخعي . قلت : وهذه كلها أقوال متكافئة ، خلية عن الأدلة الواضحة الشافية ، ولا يصحُّ ما رواه الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا : ( لا تقطع يد السَّارق في أقل من عشرة دراهم ) لضعف إسناده ، ولما يعارضه من قوله في الصحيح : ( لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ) . ولا حجَّة لمن احتجَّ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعن الله السَّارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده ) لأنَّه وإن احتمل أن يراد بالبيضة بيضة الحديد ، وبالحبل حبل السُّفن ، كما قد قيل فيه : فالأظهر من مساقه : أنَّه يراد به التقليل ، لكن أقل ذلك القليل مقيَّد بقوله : ( لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار ) ، وهذا نصٌّ ، وبقول عائشة : لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التَّافه ، خرَّجه البخاري وغيره . وهذا منها خبر عن عادة الشرع الجارية عندهم . ومعلوم : أن الواحدة من بيض الدَّجاج ، والحبل الذي يشدّ به المتاع والرَّحل تافهٌ . وإنَّما سلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا أغْيَت في تكثير شيء أو تحقيره ، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصحّ وجوده ، أو ما يندر وجوده إبلاغًا في ذلك ، فتقول : لأصْعَدنَّ بفلان إلى السماء ، ولأهبطنَّ به إلى تخوم الثَّرى . وفلانٌ مناطُ الثُّريَّا . وهو مِنِّي مقعد القابلة . ومن بنى لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بُني له بيتٌ في الجنة . ولا يُتصوَّر مسجد مثل ذلك . وتصدَّقن ولو بظلفٍ مُحرَّقٍ . وهو مِمَّا لا يُتصدقُ به . ومثل هذا كثير في كلامهم ، وعادة لا تستنكر في خطابهم . وقيل في الحديث : إنَّه إذا سرق البيضة أو الحبل ربما حمله ذلك على أن يسرق ما يقطع فيه ، لأنه ربما يجترئ على سرقة غيرهما ، فيعتاد ذلك فتقطع يده .