باب حد السرقة وما يقطع فيه
وأصل الحدّ : المنع حيث وقع وإن اختلفت أبنيته وصيغه . وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات : حدودًا ؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني ومن فعل المعتبر بها . ( 1 ) ومن باب حدّ السَّرِقة وما يقطع فيه السَّرِقةُ والسَّرِقُ - بكسر الراء فيهما - : هو اسم الشيء المسروق ، والمصدر من ( سَرَق ، يَسْرِقُ ) : سَرَقًا - بفتح الرَّاء - كذا قاله الجوهري .
وأصل هذا اللفظ إنما هو : أخذ الشيء في خفية . ومنه : اسْتَرَق السَّمع . وسَارَقَه النظر .
قال ابن عرفة : السارق عند العرب هو : من جاء مستترًا إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له . فإن أخذ من ظاهرٍ فهو مختلس ، ومستلبٌ ، ومنتهبٌ ، ومحترسٌ . فإن منع مما في يده فهو غاصبٌ له .
قلت : وهذا الذي قاله ابن عرفة هو السارق في عُرْفِ الشرع . ويستدعي النَّظر في هذا الباب النَّظر في : السَّارق ، والمسروق منه ، والشيء المسروق ، وحكم السَّارق . ولا خلاف في أن السَّارق إذا كملت شروطه يقطع دون الغاصب ، والْمُخْتَلِس ، والْخَائِن .
وفيمن يستعير المتاع فيَجْحَدُهُ خلاف شاذٌّ ، حكي عن أحمد ، وإسحاق ، فقالا : يقطع . والسَّلف والخلف على خلافهما . وسيأتي القول في حديث المخزوميَّة .
وإنَّما خصَّ الشرع القطع بالسَّارق ؛ لأن أخذ الشيء مُجاهَرَة يمكن أن يُسْتَرجع منه غالبًا . والخائن مكَّنَهُ ربُّ الشيء منه ، وكان متمكنًا من الاستيثاق بالبينة . وكذلك الْمُعير .
ولا يُمَكَّن شيء من ذلك في السَّرِقة ، فبالغ الشرع في الزجر عنها ؛ لما انفردت به عن غيرها بقطع اليد . وقد أجمع المسلمون : على أن اليمنى [تقطع إذا وجدت ؛ لأنَّها الأصل في محاولة كل الأعمال] . و( قول عائشة - رضي الله عنها - : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] يَقْطع في ربع دينار فصاعدًا ) .
وفي الطريق الأخرى : ( لا تُقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ) . هذا تقرير لقاعدة ما تقطع فيه يد السَّارق من النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلفظه . لكنَّه ظاهر فيما إذا كان المسروق ذهبًا ، فلو كان غير ذهب ، وكان فضة ، فهل يعتبر قيمتها بالذهب ؛ فإن سوّيت ربع دينار فصاعدًا قطع فيها ، أو إنما تعتبر بنفسها ؛ فإذا بلغت ثلاثة دراهم وزنًا قطع فيها ، فيكون كل واحد من الذهب والفضة أصلًا معتبرًا بنفسه ؛ قولان : الأول : للشافعي ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبي ثور ، وهو مروي عن عمر ، وعلي ، وعثمان ، وبه قالت عائشة ، وعمر بن عبد العزيز .
والثاني : لمالك وأصحابه . وقال أحمد وإسحاق : إن سرق ذهبًا فربع دينار ، وإن سرق غير الذهب والفضة فكانت قيمته ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم من الورق . وهذا نحو مما صار إليه مالك في أحد القولين .
وفي المشهور : أنه إنما تقوَّم العروض بالدراهم ، كما قال في حديث ابن عمر . وقال بعض أصحابنا : يقوَّم بالغالب في موضع السَّرِقة من الذهب والفضة كما تقوَّم المتلفات . وهو القياس .
وهذان القولان ناشئان من حديثي عائشة ، وابن عمر المذكورين في هذا الباب . وقد نقلت أقوال عن كثير من السلف والعلماء في تحديد نصاب السَّرِقة لم يثبت فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث معتمد ، ولا لها في الأصول ظاهر مستند ؛ فمنها ما روي عن عمر ، وقال به سليمان بن يسار ، وابن شبرمة . وهو : أنَّ الْخَمْسَ لا تقطع إلا في خَمْسٍ .
ومنها : أنَّها لا تقطع إلا في عشرة دراهم . وبه قال عطاء ، والنُّعمان ، وصاحباه . ومنها : أنها تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا .
وهو مروي عن أبي هريرة ، وأبي سعيد . ومنها : أنها تقطع في درهم فما فوقه ، وهو مروي عن عثمان . ومنها : أنها تقطع في كل ما له قيمة ، وروي عن الحسن في أحد أقواله ، وهو قول الخوارج ، وأهل الظاهر .
[واختاره ابن بنت الشافعي ] . ومنها : أنها لا تقطع في أقل من درهمين ، وروي عن الحسن . ومنها : أنها لا تقطع في أقل من أربعين درهما ، أو أربعة دنانير .
وروي عن النخعي . قلت : وهذه كلها أقوال متكافئة ، خلية عن الأدلة الواضحة الشافية ، ولا يصحُّ ما رواه الحجَّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا : ( لا تقطع يد السَّارق في أقل من عشرة دراهم ) لضعف إسناده ، ولما يعارضه من قوله في الصحيح : ( لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار فصاعدًا ) . ولا حجَّة لمن احتجَّ بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لعن الله السَّارق يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده ) لأنَّه وإن احتمل أن يراد بالبيضة بيضة الحديد ، وبالحبل حبل السُّفن ، كما قد قيل فيه : فالأظهر من مساقه : أنَّه يراد به التقليل ، لكن أقل ذلك القليل مقيَّد بقوله : ( لا تقطع يد السَّارق إلا في ربع دينار ) ، وهذا نصٌّ ، وبقول عائشة : لم تكن يد السَّارق تقطع في الشيء التَّافه ، خرَّجه البخاري وغيره .
وهذا منها خبر عن عادة الشرع الجارية عندهم . ومعلوم : أن الواحدة من بيض الدَّجاج ، والحبل الذي يشدّ به المتاع والرَّحل تافهٌ . وإنَّما سلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مسلك العرب فيما إذا أغْيَت في تكثير شيء أو تحقيره ، فإنَّها تذكر في ذلك ما لا يصحّ وجوده ، أو ما يندر وجوده إبلاغًا في ذلك ، فتقول : لأصْعَدنَّ بفلان إلى السماء ، ولأهبطنَّ به إلى تخوم الثَّرى .
وفلانٌ مناطُ الثُّريَّا . وهو مِنِّي مقعد القابلة . ومن بنى لله مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة بُني له بيتٌ في الجنة .
ولا يُتصوَّر مسجد مثل ذلك . وتصدَّقن ولو بظلفٍ مُحرَّقٍ . وهو مِمَّا لا يُتصدقُ به .
ومثل هذا كثير في كلامهم ، وعادة لا تستنكر في خطابهم . وقيل في الحديث : إنَّه إذا سرق البيضة أو الحبل ربما حمله ذلك على أن يسرق ما يقطع فيه ، لأنه ربما يجترئ على سرقة غيرهما ، فيعتاد ذلك فتقطع يده .