باب حد السرقة وما يقطع فيه
( 7 ) [1777] وعن أبي هريرة ، قال : قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لعن الله السارق ، يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الحبل فتقطع يده . وفي رواية : إن سرق حبلا وإن سرق بيضة . و( قوله : لعن الله السَّارق ) أي : أبعده الله .
وقد تقدَّم : أن أصل اللعن : الطرد ، والبعد . وفيه ما يدلّ : على جواز لعن جنس العصاة ؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون في ذلك الجنس من يستحق ذلك اللعن ، أو الذم ، أو الدُّعاء عليه . وليس كذلك العاصي المعيَّن ؛ لأنَّه قد لا يستحق ذلك ، فيعلم الله أنَّه يتوب من ذلك ، فلا يستحق ذلك اللعن بذلك .
وقد ذهب بعض النَّاس : إلى أنَّه يجوز لعن المعيَّن من أهل المعاصي ما لم يُحَدّ . فإذا حدّ لم يجز ؛ لأن الحدود كفارة . وهذا فاسد ؛ لأنَّ العاصي المؤمن لم يخرج بمعصيته عن اسم المؤمن .
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( لعن المؤمن كقتله ) . وقد نهي عن اللَّعن . وهو كثير .
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لعن الملقب بـ ( حمار ) الذي كان يشرب الخمر كثيرًا ، فلعنه بعضهم ، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لعنه . وهو صحيح نصٌّ في الباب . وفرق بين لعن الجنس والشخص ؛ لأنَّ لعن الجنس تحقيق وتحذير ، ولعن الشخص حسبان وتعيير .
وأمَّا الكافر فلا حُرْمةَ له . ويجب الكفُّ عن أذى مَنْ له ذمَّة . ولا حجَّة لمن رأى : أنَّه لا تقطع الْخَمْس إلا في خَمْسٍ بما رواه أنس عن أبي بكر : أنَّه قَطَع في خمسة دراهم ؛ لأنَّه ليس فيه دلالة على أن هذا أقلّ ما يقطع فيه ، ولو كان نصًّا لما كان معارضًا لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقطع يد السَّارق في أقل من ربع دينار ) .
فإن هذا نصٌّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يعارض بغيره . واختلف العلماء في الحدّ الذي تقطع منه اليد . وفيمن قطعت يده ثمَّ سرق ؛ ما الذي يقطع له ؟ وفيمن كانت له يمين شَلاَّء .
فهذه مسائل : الأولى : لا خلاف أن اليمين هي التي تقطع أولًا . ثمَّ اختلفوا إن سرق ثانية . فقال مالك ، وأهل المدينة ، والشافعي ، وأبو ثور ، وغيرهم : تقطع رجله اليسرى ، ثمَّ في الثالثة يده اليسرى ، ثمَّ في الرابعة رجله اليمنى ، ثم بعد هذا يعزر ويحبس .
قال أبو مصعب من أصحابنا : يقتل بعد الرابعة . وقد ثبت عن أبي بكر وعمر : أنهما قطعا اليد بعد اليد ، والرِّجل بعد الرِّجل . وقيل : تقطع في الثانية رجله اليسرى ، ثمَّ لا قطع في غيرها ، فإن عاد حبس ، وعزر .
روي ذلك عن علي ، وبه قال الزهري ، وحمَّاد ، وأحمد . فلو كانت اليمنى شلاَّء ، أو مقطوعة أكثر الأصابع ، أو لا يمين له - وهي المسألة الثانية - ؛ ففيه عن مالك روايتان : إحداهما : تُقطع يده اليسرى . والأخرى : رِجله اليسرى .
وقال الزُّهري : تُقطع الشَّلاَّء ؛ لأنَّها جمال . وبه قال إسحاق ، وأبو ثور . وقال أحمد : إذا كان يُحَرِّكُها قُطِعت .
وعند الحنفية تفصيلٌ بعيدُ التحصيل . ثم إلى أين تُقطع- وهي المسألة الثالثة - ؛ فعند الكافة : تقطع اليد من الرُّسغ ، والرِّجل من المفصل . وهو مروي عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - .
وقال علي - رضي الله عنه - : تُقطع الرجل من شطر القدم ، ويُترك له العقب ، وبه قال أحمد ، وأبو ثور . وقيل : تُقطع اليد إلى المرفق . وقيل : إلى المنكب .
وهما شاذان . تنبيه : آيةُ السَّرقة وردت عامة مطلقة ، لكنها مخصَّصة مقيَّدة عند كافة العلماء ؛ إذ قد خرج من عموم السَّارق من سرق ملكه ، ومن سرق أقل من نصاب ، وغير ذلك . وتقيَّدت باشتراط الحِرز ، فلا قطع على من سرق شيئًا من غير حرز بالإجماع إلا ما شذَّ فيه الحسن ، وأهل الظاهر ، فلم يشترطوا الحِرز .
وقد روى النسائي من حديث رافع بن خديج : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا قطع في كَثَرٍ ولا ثَمَرٍ ) ، والكَثَر : الْجُمَّار . وروى من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : أنَّه سُئل عن الثمر الْمُعَلَّق ؟ فقال : ( من أصاب منه من ذي حاجة غير مُتَّخِذٍ خُبْنَة فلا شيء عليه ، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن الْمِجَنِّ فعليه القطع ، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ) . وفي رواية : ( وليس في الماشية قطعٌ إلا فيما آواه المراح فبلغ ثمن الْمِجَنِّ ففيه قطع اليد ، وما لم يبلغ ثمن الْمِجَنِّ ففيه غرامة مثليه وجلدات .
قال أبو عمر : قوله : وغرامة مثليه : هو منسوخ . ولا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به إلا رواية أحمد . ومحمل هذا على التشديد ، والعقوبة .
وأبو عمر يصحح حديث عمرو بن شعيب إذا كان الرَّاوي عنه ثقةٌ ، والراوي عنه لهذا الحديث ابن عجلان ، وهو ثقة . وإذا تقرَّر اشتراط الحِرز في السرقة : فالحِرز عبارة عن المحلّ الذي يحفظ فيه ذلك الشيء عادة . ثم هو مختلف بحسب اختلاف الشيء الْمُحْرز .
وتفصيل ذلك وبقية ما يتعلَّق بالسَّرِقة في الفروع .