باب النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام
) باب النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام 1688 - ( 8 و9 ) [1778] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ ، فَقَالَوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ ! ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا . وفي رواية : فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وفيها : ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1688 - ( 10 ) [1779] وعنها : قالت : كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقطع يَدهَا، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ الأول .
( 2 ) ومن باب : النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام ( قوله : إن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت ) هذا هو الصحيح : أن هذه المرأة سرقت ، وقطعت يدها لأجل سرقتها ، لا لأجل جحد المتاع . ويدلّ على صحة ذلك أربعة أوجه : أولها : إن رواية من روى : أنها سرقت ؛ أكثر وأشهر من رواية من قال : إنَّها كانت تجحد المتاع . وإنَّما انفرد معمر بذكر الجحد وحده من بين الأئمة الحفاظ ، وقد تابعه على ذلك من لا يعتد بحفظه كابن أخي ابن شهاب ونَمَطِه .
هذا قول المحدِّثين . ثانيها : إن معمرًا وغيره ممن روى هذه القضية متفق : على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - حيث أنكر على أسامة - : ( لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها ) ، ثم أمر بيد المرأة فقطعت . وهذا يدلُّ دلالة قاطعة : على أن المرأة قطعت في السَّرِقة ؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر السِّرِقة هنا لاغيًا ، لا فائدة له ، وإنما كان يقول : لو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها .
وثالثها : إن جاحد المتاع خائن ، ولا قطع على خائن عند جمهور العلماء خلافًا لما ذهب إليه أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا : ( ليس على خائن ، ولا منتهب ، ولا مختلس ، قطع ) . وقال : هذا حديث حسن صحيح . وهذا نصٌّ .
ولأنَّه لو كان في جَحْد المتاع قطعٌ لكان يلزم القطع على كلَّ من جَحَد شيئًا من الأشياء ثمَّ ثبت عليه . وهذا لا قائل به فيما أعلم . ورابعها : إنَّه لا تعارض بين رواية من روى : ( سرقت ) ولا بين رواية من روى : ( جحدت ما استعارت ) إذ يمكن أن يقال : إن المرأة فعلت الأمرين ، لكن قطعت في السرقة ، لا في الجحد ، كما شهد به مساق الحديث ، فتأمله و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : أتشفع في حدٍّ من حدود الله ؟ ! ) إنكارٌ على أسامة ، يُفْهَم منه : تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام ، فيَحْرُم على الشافع وعلى الْمُشَفَّع ، وهذا لا يختلف فيه .
وقد ذكر الدارقطني عن عروة بن الزبير قال : شفع الزبير في سارق ، فقيل : حتى نُبْلِغَهُ الإمامَ . قال : إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والْمُشَفَّع ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ورواه مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن : أن الزبير قال ذلك ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
والموقوف هو الصحيح . وأمَّا الشفاعة قبل بلوغ الإمام : فقد أجازها أكثر أهل العلم لما جاء في السِّتر على المسلم مطلقًا ، لكن قال مالك : ذلك فيمن لم يُعرف منه أذى للنَّاس ، فأما من عرف منه شرٌّ ، وفسادٌ : فلا أحبُّ أن يُشْفع فيه . وأمَّا الشفاعة فيما ليس فيه حدٌّ وليس فيه حق لآدمي ، وإنَّما فيه التعزير فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا .
و( قوله : إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ ) تهديد ، ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود ، وعلى ترك التسوية فيما بين الدَّنيء والشريف ، والقوي والضعيف . ولا خلاف في وجوب ذلك . وفيه حجَّة لمن قال : إن شرع من قبلنا شرع لنا .
و( قوله : لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها ) إخبارٌ عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقق . وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب ، والبغيض والحبيب ، لا تنفع في ذريةٍ شفاعة ، ولا تحولُ دونه قرابة ولا جماعة . و( قولها : فحسنت توبتها ، وتزوَّجت . .
إلى آخره ) يدلّ على صحة السَّارق ، وأنها ماحيةٌ لإثم السَّرِقة ، وللمعرَّة اللاحقة ، فيحرم تعييره بذلك . أو يعاب عليه شيء مما كان هنالك . وهكذا حكم أهل الكبائر إذا تابوا منها ، وحسنت أحوالهم بعدها ، تُسمعُ أقوالهم ، وتُقبل شهادتهم .
وهذا مذهب الجمهور ، غير أن أبا حنيفة قال : لا تقبل شهادة القاذف المحدود مطلقًا وإن تاب . وقال مالك : لا تُقبل شهادة المحدود فيما حدّ فيه ، وتُقبل في غيره .