حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب حد البكر والثيب إذا زنيا

‎( ‎3 ) باب حد البكر والثيب إذا زنيا 1690 - ( 12 ) [1780] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم . ( 3 ) ومن باب : حدّ البكر والثيِّب إذا زنيا ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلًا ) أي : افهموا عني تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا واعملوا به . وذلك : أن مُقْتضى هذه الآية : أن من زنى حبس في بيته إلى أن يموت .

كذا قاله ابن عباس في النساء ، وحكي عن ابن عمر : أن ذلك حكم الزانيين ؛ يعني : الرَّجل والمرأة . فكان ذلك الحبس هو حدّ الزناة ؛ لأنَّه كان يحصل به إيلام الجاني وعقوبته ؛ بأن يمنع من التصرف والنكاح وغيره طول حياته ، وذلك عقوبةٌ وزجرٌ ، كما يحصل من الجلد والتغريب . فحقيق أن يُسمّى ذلك الحبس حدًّا ، غير أن ذلك الحكم كان محدودًا إلى غاية وهو أن يبين الله لهن سبيلًا آخر غير الحبس ، فلما بلغ وقت بيانه المعلوم عند الله أوضحه الله تعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - فبلَّغه لأصحابه ، فقال لهم : ( خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلًا : البكر بالبكر جلد مائة ، وتغريب عام ، والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم ) ، فارتفع حكم الحبس في البيوت لانتهاء غايته .

وهذا نحو قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام ، لانتهاء غايته ، لا لنسخه . وبهذا يعلم بطلان قول من قال : إن الحبس في البيوت في حق البكر منسوخ بالجلد المذكور في النور ، وفي حق الثيِّب بالرَّجم المجمع عليه . وهذا ليس بصحيح لما ذكرناه أولًا ، ولأن الجمع بين الحبس ، والجلد ، والرَّجم ممكن ، فلا تعارض ، وهو شرط النسخ مع علم [المتأخر من] المتقدم ، كما قدَّمناه في باب النسخ في الأصول .

وإذا تقرر هذا فاعلم : أن الأمَّة مُجْمِعة : على أن البكر - ويعني به : الذي لم يحصن - إذا زنى جلد الحدّ . وجمهور العلماء من الخلفاء ، والصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم ، على وجوب التغريب مع الحدّ إلا أبا حنيفة ، وصاحبه محمد بن الحسن ، فإنَّهما قالا : لا تغريب عليه . فإن النصّ الذي في الكتاب إنَّما هو على جلد الزاني ، والتغريب زيادةٌ عليه ، والزيادة على النصّ نسخ ، فيلزم عليه نسخ القرآن القاطع بخبر الواحد ، فإن التغريب إنما ثبت بخبر الواحد .

والجواب : أنا لا نسلِّم : أن الزيادة على النص نسخٌ ، بل زيادة حكم آخر مع الأصل ، فلا تعارض ، فلا نسخ . وقد بيَّنا ذلك في الأصول ، سلمنا ذلك ، لكن هذه الآية ليست بنصٍّ ، بل عموم ظاهرٌ ، فيخصّص منها بعض الزناة بالتغريب ، كما يخصِّص بعضهم بالرَّجم ، ثمَّ يلزمهم ردَّ الحكم بالرجم فإنه زيادة على نصّ القرآن ، وهو ثابت بأخبار الآحاد . ولو سلَّمنا : أن الرَّجم ثبت بالتواتر ، فشرطه الذي هو الإحصان ثبت بأخبار الآحاد ، ثم هم قد نقضوا هذه القاعدة التي قعدوها في مواضع كثيرةٍ بيَّناها في الأصول .

ومن أوضح ذلك : أنهم أجازوا الوضوء بالنبيذ معتمدين في ذلك على خبر ضعيف لم يصحّ عند أهل العلم بالحديث ، وهو زيادة على ما نصّ عليه القرآن من استعمال الماء . ثم القائلون بالتغريب اختلفوا فيه . فقال مالك : ينفى من مصر إلى الحجاز وشَعب وأسوان ونحوها .

ومن المدينة إلى خيبر وفدك ، وكذلك فَعَل عمر بن عبد العزيز . وقد نفى علي - رضي الله عنه - من الكوفة إلى البصرة . قال مالك : ويحبس في البلد الذي نُفي إليه .

وقيل : يُنفى إلى عمل غير عمل بلده . وقيل : إلى غير بلده . وقال الشافعي : أقلُّ ذلك يوم وليلة .

قلت : والحاصل : أنَّه ليس في ذلك حدٌّ محدود ، وإنَّما هو بحسب ما يراه الإمام ، فيختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص على حسب ما يراه أردع . ثمَّ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحرّ . واختلفوا في تغريب المرأة والعبد .

فممن رأى التغريب فيهما ؛ أخذا بعموم حديث التغريب ، ابن عمر ، وقد حدّ مملوكة له في الزنى ، ونفاها إلى فدك . وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، والثوري ، والطبري ، وداود . وهل يُنْفى العبد والأمة سنة أو نصف سنة ؟ قولان عند الشافعي .

وذهب معظم القائلين بالنفي : إلى أنه لا نفي على مملوك ، وبه قال الحسن وحماد بن أبي سليمان ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق . ولم ير مالك ، والأوزاعي على النساء نفيًا . وروي مثله عن علي بن أبي طالب بناءً على تخصيص حديث النفي .

أما في الأَمَة : فبقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثًا ) . ثم قال بعد ذلك : ( ثم إن زنت فبيعوها ولو بِضَفِير ) ، ولم يذكر النفي ، وهو موضع بيان ، ووقته ، لا يجوز تأخيره عنه ، ولأن تغريب المملوك عقوبة لمالكه يمنعه من منافعه في مدة تغريبه ، ولا يناسب ذلك تصرُّف الشرع ، فلا يعاقب غير الجاني ، ألا ترى أن العبد لا يجب عليه الحجَّ ، ولا الجمعة ، ولا الجهاد لحق السيِّد ؛ فِبأنْ لا يغرب أولى . وإمَّا في حق الحرَّة : فلأنها لا تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم أو زوج ، فإن أوجبنا التغريب على هؤلاء معها كنا قد عاقبناهم وهم برءاءُ ، وإن لم نوجبه عليهم لم يجز لها أن تسافر وحدها فتعذَّر سفرها .

فإن قيل : تسافر مع رفقة مأمونة أو النساء ؛ كما يقوله مالك في سفر الحجّ . فالجواب : إن ذلك من مالك سعي في تحصيل وظيفة الحجّ لعظمها وتأكد أمرها ، بخلاف الزانية ؛ فإن المقصود منه المبالغة في الزجر والنكال ، وذلك حاصل بالجلد ، ولأن إخراج المرأة من بيتها الأصل منعه . ألا ترى : أن صلاتها في بيتها أفضل ، ولا تخرج منه في العِدَة .

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أَعْرُوا النساء يَلْزَمْن الحِجالَ ) . وحاصل ذلك : أن في إخراجها من بيتها إلى بلد آخر تعريضها لكشف عورتها ، وتضييعا لحالها ، وربما يكون ذلك سببًا لوقوعها فيما أخرجت من سببه ، وهو الفاحشة . ومآل هذا البحث تخصيص عموم التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار ، وهو مختلف فيه ، كما ذكرناه في الأصول .

و( قوله : والثيِّب بالثيِّب جلد مائة والرَّجم ) الثيب هنا : هو المحصن ، وهو البالغ ، العاقل ، الحرّ ، المسلم ، الواطئ وطئًا مباحًا في عقد صحيح . هذه شروط الإحصان عند مالك ، وقد اختلف في بعضها . ولبيان ذلك موضع آخر .

فإذا زنى المحصن وجب الرَّجم بإجماع المسلمين ، ولا التفات لإنكار الخوارجِ والنّظَّامِ الرَّجْمَ ، إمَّا لأنهم ليسوا بمسلمين عند من يكفِّرهم ، وإما لأنَّهم لا يعتد بخلافهم ؛ لظهور بدعتهم وفسقهم على ما قرَّرناه في الأصول . وهل يجمع عليه الجلد والرَّجم ؟ كما هو ظاهر هذا الحديث ؛ وبه قال الحسن البصري ، وإسحاق ، وداود ، وأهل الظاهر . وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : أنَّه جمع ذلك على شراحة ، وقال : جلدتها بكتاب الله ، ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

أو يقتصر على الرَّجم وحده ؟ وهو مذهب الجمهور ، متمسكين بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما ، وقال : ( اغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ) ، ولم يذكر الجلد ، فلو كان مشروعًا لما سكت عنه ، وكأنَّهم رأوا : أن هذا أرجح من حديث الجمع بين الجلد والرَّجم ، إما لأنَّه منسوخ إن عرف التاريخ ، وإمَّا لأن العمل المتكرر من النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوقات متعددة أثبت في النفوس ، وأوضح ، فيكون أرجح . وقد شذَّت طائفة فقالت : يجمع الجلد والرجم على الشيخ ، ويُجلد الشابُّ تمسُّكًا بلفظ الشيخ . وهو خطأ ، فإنَّه قد سَمَّاه في الحديث الآخر : الثيب .

و( قوله في الأصل : كرب لذلك وتَرَبَّد وجهه ) أي : أصابه كربٌ ، وعلت وجهه غَبَرَةٌ . والرَّبدة : تغيير البياض للسواد ، وقد تقدم في الإيمان .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث