[ 3 ] 1712 - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا زَيْدٌ - وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ - حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ . 2 بَاب وجوب الحكم بشاهد ويمين قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ ) فِيهِ جَوَازُ الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْكُوفِيُّونَ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْأَنْدَلُسِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ ، وَقَالَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ : يقْضي بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْأَمْوَالِ ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْأَمْوَالُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيٌّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَمُعْظَمُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، قَالَ الْحُفَّاظُ : أَصَحُّ أَحَادِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي إِسْنَادِهِ ، قَالَ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي صِحَّتِهِ . قَالَ : وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا حِسَانٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ · ص 370 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد · ص 150 1712 - [1804] وعنه : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بيمين وشاهد . و( قوله : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهد ) ظاهره : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - حكم في قضية معيَّنة تُحُوكِمَ عنده فيها بيمين وشاهد . ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة . فكأنه قال : أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم باليمين والشاهد . ومِمَّا يشهد لهذا التأويل : ما زاده أبو داود في حديث ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين في الحقوق . وهذا الذي يظهر من حديث أبي هريرة الذي قال فيه : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد . فعلى الظاهر الأول من حديث مسلم لا يكون له عموم ؛ لأنَّها قضيَّة في عين ، وعلى زيادة أبي داود ، وظاهر حديث أبي هريرة يكون له عموم . ومع ذلك فهو مخصوصٌ بالأموال وما يتعلَّق بها . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب - رحمه الله - : ذلك في الأموال وما يتعلَّق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كلِّ قائل باليمين مع الشاهد . قال : لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان ، بدلالة قبول شهادة النساء فيها . وقد اختلف قول مالك في جراح العمد . هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين ؟ فيه روايتان : إحداهما : أنه يجب به التخيير بين القود والدِّية . والأخرى : أنَّه لا يجب به ؛ لأنَّه من حقوق الأبدان . قال : وهو الصحيح . قال مالك في الموطأ : وإنما يكون ذلك في الأموال خاصَّة . وقال الإمام أبو عبد الله : يُقبل ذلك في المال الْمَحْض من غير خلاف ، ولا يُقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف . وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال ، ولكنه يُؤدي إلى المال ؛ كالشهادة بالوصية ، والنكاح بعد الموت ، حتى لا يُطلب من ثبوتها إلا المال ، إلى غير ذلك ؛ ففي قبوله اختلاف . فمن راعى المال قبله ، كما يُقبل في المال . ومن راعى الحال لم يقبله . قلت : والعذر لمالك عن خروجه عن ذلك الأصل المجمع عليه فيما كان المقصود فيه المال فقط واضح . وأمَّا الجراح العمد فليست بمال ، ولا تؤدي إليه ، وإنما يدخل المال فيها برضا المجروح . ثم يلزمه عليه أن يعمل بالشاهد واليمين في قتل النفس العمد ؛ لأنَّه قد يرضى بها الأولياء ولا قائل به ، ولا يلتفت لتفريق من فرَّق من أصحابنا بين الجراح والنفس ، بأن من جنس الجراح ما لا يكون فيه إلا المال ؛ لأنَّا كذلك نقول في القتل ، فإن من جنسه ما لا يكون فيه إلا المال ، وهو قتل الخطأ . فالصحيح من هذا : أنَّه لا يحكم بالشاهد واليمين في الجراح بوجه . ثمَّ : أحاديث هذا الباب كلها حجَّة للجمهور على الكوفيين ، والأوزاعي ، والنَّخعي ، وابن أبي ليلى ، والزهري ، والليث ، والحكم ، والشعبي ، حيث نَفَوا الحكم بالشاهد واليمين ، ونقضوا حكم من حكم به ، وبدَّعوه ، وقال الحكم : الشاهد واليمين بدعة ، وأول من حكم به معاوية . قلت : يا للعجب ! ولضيعة العلم والأدب ! كيف ردَّ هؤلاء القوم هذه الأحاديث مع صحتها ، وشهرتها ؟ ! وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتى نقضوا حكمه ، واستقصروا علمه ، مع أنَّه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وأبي بن كعب ، ومعاوية ، وشريح ، وعمر بن عبد العزيز ، - وكتب به إلى عمَّاله - ، وإياس بن معاوية ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو الزناد ، وربيعة . ولذلك قال مالك : وإنَّه ليكفي من ذلك ما مضى من السُّنة . أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ، ويحكم ببدعتهم ؟ ! قالوا : والذي حمل هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغترُّوا به من واهن الحِجَاج ، وذلك : أنَّهم وقع لهم : أن الحكم باليمين مع الشاهد زيادة على نصِّ قوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ووجه تمسُّكهم : أنها حاصرة للوجوه التي يستحق بها المال نصٌّ في ذلك ، والزيادة على ذلك نسخ . ونسخ القاطع بخبر الواحد لا يجوز إجماعًا ، والقضاء بالشاهد واليمين إنَّما جاء بخبر الواحد فلا يُقبل . والجواب : منع كون الزيادة على النصِّ نسخًا ؛ إذ الجمع بين النصّ والزيادة يصحّ ، وليس ذلك نسخًا لحكم شرعي ، كما بيَّنَّاه في الأصول . سلَّمناه ، لكن لا نُسلِّم : أن الآية نصٌّ في حصر ذلك ؛ لأنَّ ذلك يبطل بنكول المطلوب ، ويمين الطالب ، فإن ذلك يستحق به المال إجماعًا . وهذا معنى ما أشار إليه مالك في الموطأ ، وهو واضح . ثمَّ نقول بموجب الآية ؛ إذ نصُّها الأمر بمن يستشهد في المعاملات ، لا ما يُقضى به عند الدَّعاوي والخصومات .