حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب اليمين على المدعى عليه والقضاء باليمين والشاهد

[1804] وعنه : أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بيمين وشاهد . و( قوله : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهد ) ظاهره : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - حكم في قضية معيَّنة تُحُوكِمَ عنده فيها بيمين وشاهد . ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة .

فكأنه قال : أوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم باليمين والشاهد . ومِمَّا يشهد لهذا التأويل : ما زاده أبو داود في حديث ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بشاهد ويمين في الحقوق . وهذا الذي يظهر من حديث أبي هريرة الذي قال فيه : قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باليمين مع الشاهد .

فعلى الظاهر الأول من حديث مسلم لا يكون له عموم ؛ لأنَّها قضيَّة في عين ، وعلى زيادة أبي داود ، وظاهر حديث أبي هريرة يكون له عموم . ومع ذلك فهو مخصوصٌ بالأموال وما يتعلَّق بها . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب - رحمه الله - : ذلك في الأموال وما يتعلَّق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كلِّ قائل باليمين مع الشاهد .

قال : لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان ، بدلالة قبول شهادة النساء فيها . وقد اختلف قول مالك في جراح العمد . هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين ؟ فيه روايتان : إحداهما : أنه يجب به التخيير بين القود والدِّية .

والأخرى : أنَّه لا يجب به ؛ لأنَّه من حقوق الأبدان . قال : وهو الصحيح . قال مالك في الموطأ : وإنما يكون ذلك في الأموال خاصَّة .

وقال الإمام أبو عبد الله : يُقبل ذلك في المال الْمَحْض من غير خلاف ، ولا يُقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف . وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال ، ولكنه يُؤدي إلى المال ؛ كالشهادة بالوصية ، والنكاح بعد الموت ، حتى لا يُطلب من ثبوتها إلا المال ، إلى غير ذلك ؛ ففي قبوله اختلاف . فمن راعى المال قبله ، كما يُقبل في المال .

ومن راعى الحال لم يقبله . قلت : والعذر لمالك عن خروجه عن ذلك الأصل المجمع عليه فيما كان المقصود فيه المال فقط واضح . وأمَّا الجراح العمد فليست بمال ، ولا تؤدي إليه ، وإنما يدخل المال فيها برضا المجروح .

ثم يلزمه عليه أن يعمل بالشاهد واليمين في قتل النفس العمد ؛ لأنَّه قد يرضى بها الأولياء ولا قائل به ، ولا يلتفت لتفريق من فرَّق من أصحابنا بين الجراح والنفس ، بأن من جنس الجراح ما لا يكون فيه إلا المال ؛ لأنَّا كذلك نقول في القتل ، فإن من جنسه ما لا يكون فيه إلا المال ، وهو قتل الخطأ . فالصحيح من هذا : أنَّه لا يحكم بالشاهد واليمين في الجراح بوجه . ثمَّ : أحاديث هذا الباب كلها حجَّة للجمهور على الكوفيين ، والأوزاعي ، والنَّخعي ، وابن أبي ليلى ، والزهري ، والليث ، والحكم ، والشعبي ، حيث نَفَوا الحكم بالشاهد واليمين ، ونقضوا حكم من حكم به ، وبدَّعوه ، وقال الحكم : الشاهد واليمين بدعة ، وأول من حكم به معاوية .

قلت : يا للعجب ! ولضيعة العلم والأدب ! كيف ردَّ هؤلاء القوم هذه الأحاديث مع صحتها ، وشهرتها ؟ ! وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتى نقضوا حكمه ، واستقصروا علمه ، مع أنَّه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وأبي بن كعب ، ومعاوية ، وشريح ، وعمر بن عبد العزيز ، - وكتب به إلى عمَّاله - ، وإياس بن معاوية ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو الزناد ، وربيعة . ولذلك قال مالك : وإنَّه ليكفي من ذلك ما مضى من السُّنة . أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ، ويحكم ببدعتهم ؟ ! قالوا : والذي حمل هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغترُّوا به من واهن الحِجَاج ، وذلك : أنَّهم وقع لهم : أن الحكم باليمين مع الشاهد زيادة على نصِّ قوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ووجه تمسُّكهم : أنها حاصرة للوجوه التي يستحق بها المال نصٌّ في ذلك ، والزيادة على ذلك نسخ .

ونسخ القاطع بخبر الواحد لا يجوز إجماعًا ، والقضاء بالشاهد واليمين إنَّما جاء بخبر الواحد فلا يُقبل . والجواب : منع كون الزيادة على النصِّ نسخًا ؛ إذ الجمع بين النصّ والزيادة يصحّ ، وليس ذلك نسخًا لحكم شرعي ، كما بيَّنَّاه في الأصول . سلَّمناه ، لكن لا نُسلِّم : أن الآية نصٌّ في حصر ذلك ؛ لأنَّ ذلك يبطل بنكول المطلوب ، ويمين الطالب ، فإن ذلك يستحق به المال إجماعًا .

وهذا معنى ما أشار إليه مالك في الموطأ ، وهو واضح . ثمَّ نقول بموجب الآية ؛ إذ نصُّها الأمر بمن يستشهد في المعاملات ، لا ما يُقضى به عند الدَّعاوي والخصومات .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث