[ 5 ] - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِهِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ ؛ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا . [ 6 ] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ح وَحَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، نَحْوَ حَدِيثِ يُونُسَ . وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ : قَالَتْ : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) مَعْنَاهُ التَّنْبِيهُ عَلَى حَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَأَنَّ الْبَشَرَ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ وَبَوَاطِنِ الْأُمُورِ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يُطْلِعَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِ الْأَحْكَامِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالظَّاهِرِ ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ ، فَيُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ وَبِالْيَمِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الظَّاهِرِ مَعَ إِمْكَانِ كَوْنِهِ فِي الْبَاطِنِ خِلَافَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ ، وَهَذَا نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " ، وَفِي حَدِيثِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ : " لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِيَ وَلَهَا شَأْنٌ " ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَأَطْلَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ ، فَحَكَمَ بِيَقِينِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ ، لَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ ، وَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ أَجْرَى لَهُ حُكْمَهُمْ فِي عَدَمِ الِاطَّلَاعِ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ ؛ لِيَكُونَ حُكْمُ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ حُكْمَهُ ، فَأَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى أَحْكَامَهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ ؛ لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ، وَتَطِيبُ نُفُوسُ الْعِبَادِ لِلِانْقِيَادِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْبَاطِنِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظَّاهِرِ مُخَالِفٌ لِلْبَاطِنِ ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي الْأَحْكَامِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْأُصُولِيِّينَ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ ؟ فِيهِ خِلَافٌ ؛ الْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ ، فَالَّذِينَ جَوَّزُوهُ قَالُوا : لَا يُقَرُّ عَلَى إِمْضَائِهِ ، بَلْ يُعْلِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَيَتَدَارَكُهُ ، وَأَمَّا الَّذِي فِي الْحَدِيثِ فَمَعْنَاهُ : إِذَا حَكَمَ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ كَالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ ، فَهَذَا إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ لَا يُسَمَّى الْحُكْمُ خَطَأً ، بَلِ الْحُكْمُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بِهِ التَّكْلِيفُ ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَاهِدَيْنِ مَثَلًا ، فَإِنْ كَانَا شَاهِدَيْ زُورٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ سَاعَدَهُمَا ، وَأَمَّا الْحَكَمُ فَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا عَيْبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ ، فَإِنَّ هَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمَ الشَّرْعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الْبَاطِنَ ، وَلَا يُحِلُّ حَرَامًا ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحِلَّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ ذَلِكَ الْمَالُ ، وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْوَلِيِّ قَتْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا ، وَإِنْ شَهِدَا بِالزُّورِ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِالطَّلَاقِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : يُحِلُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْفُرُوجَ دُونَ الْأَمْوَالِ ، فَقَالَ : يَحِلُّ نِكَاحُ الْمَذْكُورَةِ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَلِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ ، وَمُخَالِفٌ لِقَاعِدَةٍ وَافَقَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ أَنَّ الْأَبْضَاعَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنَ الْأَمْوَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ) مَعْنَاهُ : إِنْ قَضَيْتُ لَهُ بِظَاهِرٍ يُخَالِفُ الْبَاطِنَ فَهُوَ حَرَامٌ يَؤُولُ بِهِ إِلَى النَّارِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا ) لَيْسَ مَعْنَاهُ التَّخْيِيرَ ، بَلْ هُوَ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وَكَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ قَوْلُهُ : ( سَمِعَ لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ أُمِّ سَلَمَةَ ) هِيَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْجِيمِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ : ( جَلَبَةُ خَصْمٍ ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَالْجَلَبَةُ وَاللَّجَبَةُ : اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ ، وَالْخَصْمُ هُنَا الْجَمَاعَةُ ، وَهُوَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ ) هَذَا التَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الِاحْتِرَازَ مِنَ الْكَافِرِ ؛ فَإِنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ وَالْمُرْتَدِّ فِي هَذَا كَمَالِ الْمُسْلِمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَاللَّحْنِ بِالْحُجَّةِ · ص 371 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن والحكم على الغائب · ص 153 ( 2 ) باب حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن والحكم على الغائب 1713 - ( 4 و 5 ) [1805] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْو ما أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ . وفي رواية : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّما يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا . ( 2 ) ومن باب : حكم الحاكم في الظاهر لا يغير حكم الباطن ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إنَّما أنا بشرٌ ) تنبيه على : أن أصل البشرية عدم العلم بالغيب ، وبما يخفى من البواطن ؛ إلا من أطلعه الله تعالى على شيء من ذلك ، وعلى جواز الغلط والسَّهو عليهم ؛ إلا من عصمه الله من ذلك . وقد كان الله تعالى قادرًا أن يُطلع نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - على بواطن كل من يتخاصم إليه ، فيحكم بخفي ذلك ويخبر به ، كما اتفق له في مواضع ، كقصة كتاب حاطب بن أبي بلتعة ، وحديث فضالة بن عمير ، وذلك : أنه أراد قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالبيت . قال : فلما دنوت منه قال : ( أفضالة ؟ ) قلت : نعم . قال : ( ما كنت تحدث به نفسك ؟ ) قلت : لا شيء ، فضحك ، وأخبرني بذلك ، واستغفر لي ، ووضع يده على صدري ، فسكن قلبي . وغير ذلك من الوقائع التي أخبر بها ، فوجدت كما أخبر . وكما قد اتفق ذلك للخضر في قصة السفينة ، والغلام ، والجدار ، لكن إنَّما كان ذلك للأنبياء من جملة كراماتهم ، ومعجزاتهم . ولم يجعل الله ذلك طريقًا عامًّا ، ولا قاعدة كليَّة ، لا لهم ، ولا لغيرهم ؛ لاستمرار العادة بأن ذلك لا يقع من غير الأنبياء ، ولأنَّ وقوع ذلك من الأنبياء نادرٌ . وتلك سنة الله ، ولن تجد لسنة الله تبديلًا . وقد شاهدت بعض الممخرقين ، وسمعنا منهم : أنهم يعرضون عن القواعد الشرعية ، ويحكمون بالخواطر القلبية ؛ ويقول : الشاهد المتصل بي أعدل من الشاهد المنفصل عني . وهذه مَخْرَقةٌ أبرزتها زندقة ، يقتل صاحبها ، ولا يستتاب من غير شكٍّ ولا ارتياب . وهذا خير البشر - صلى الله عليه وسلم - يقول في مثل هذا الموطن : ( إنَّما أنا بشرٌ ) معترفًا بالقصور عن إدراك المغيبات ، وعاملًا بما نصبه الله تعالى له من اعتبار الأيمان والبينات . و( قوله : يأتيني الخصم ) أي : الخصوم . فهو - هاهنا - للجنس . ويقال للواحد ، والاثنين ، والجمع ، والمذكَّر ، والمؤنث بلفظ واحد : خصم . كما قال تعالى : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ؛ أي : الخصوم ، فإنَّه قال بعد ذلك : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ . و( قوله : ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض ) أي : أفصح وأفطن . قال أبو زيد : لَحَنْتُ له - بالفتح - أَلْحَنُ لَحْنًا : إذا قلت له قولًا يفهمه عنك ، ويخفى على غيره . ولَحِنَهُ هو عَنِّي - بالكسر- يَلْحَنهُ لَحْنًا ؛ أي : فَهِمَهُ . وأَلْحَنْتُه أنا إيَّاه ، ولاحَنْتُ النَّاس ؛ أي : خاطبتهم . كما قال الشاعر : ولقد لحنت إليكم كي تفهموا ولحنت لحنًا ليس بالمرتاب وقال غير أبي زيد : اللَّحن - بالتحريك - : الفِطْنَة . وقد لَحِنَ -بالكسر- قاله الجوهري . قلت : وعلى هذا : يقال فيه بمعنى الفطنة : بفتح الماضي وكسره ، وفي المصدر : بفتح الحاء وإسكانها . ويقال : اللَّحن ، على الخطأ في القول ، وعلى تلحين الشعر ، وعلى القصد إلى الشيء ، والإشارة إليه . قلت : وقد جاء هذا اللفظ مفسَّرًا في الرواية الأخرى ، فقال : ( فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ) أي : أكثر بلاغة ، وإيضاحًا لحجَّته . و( قوله : فأقضي له على نحو ما أسمع منه ) ، يتمسَّك به من قال : إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء من الأشياء [إلا بما يعلمه في مجلس حكمه] . ووجه تمسُّكه : أن كلامه - صلى الله عليه وسلم - يفضي إلى أنَّه لا يحكم إلا بما سمع في حال حكمه . وقد رُوي هذا الحرف : ( إنما أحكم بما أسمع ) ، و( إنما ) للحصر . فكأنه قال : لا أحكم إلا بما أسمع . وقد اختلف في هذا . فقال مالك في المشهور عنه : إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء . وبه قال أحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والشعبي ، وروي عن شريح ، وذهبت طائفة : إلى أنَّه يقضي في كل شيء من الأموال والحدود وغير ذلك مطلقًا . وبه قال أبو ثور ومن تبعه ، وهو أحد قولي الشافعي . وذهبت طوائف إلى التفريق . فقالت طائفة : يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة ، لا قبله ، ولا في غيره ؛ إذا لم تحضر مجلسه بيِّنة ، وفي الأموال خاصة . وبه قال الأوزاعي ، وجماعة من أصحاب مالك ، وحكوه عنه . وقالت طائفة : يحكم بما سمعه في مجلس قضائه ، وفي غيره ، لا قبل قضائه ، ولا في غير مِصْرِه في الأموال خاصة ، وبه قال أبو حنيفة . وقالت طائفة : إنَّه يقضي بعلمه في الأموال خاصة ، سواء سمع ذلك في مجلس قضائه وفي غيره ، قبل ولايته أو بعدها . وبه قال أبو يوسف ، ومحمد . وهو أحد قولي الشافعي . وذهب بعض أصحابنا : إلى أنَّه يقضي بعلمه في الأموال ، والقذف خاصة ، ولم يشترط مجلس القضاء . واتفقوا : على أنَّه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل ؛ لأنَّ ذلك ضروري في حقِّه . والصحيح : الأول ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث هلال بن أمية ، لَمَّا لاعن زوجته : ( أبصروه ؛ فإن جاءت به - يعني : الولد - على نعت كذا ؛ فهو لهلال ، وإن جاءت به على نعت كذا ؛ فهو لشريك ) . فجاءت به على النعت المكروه . وقال : ( لو كنت راجمًا بغير بيِّنة لرجمت هذه ) ، فلم يحكم بعلمه ، لعدم قيام البينة . وعند المخالف : يجب أن يرجمها إذا علم ذلك . قاله عبد الوهاب . فهذا ظاهرٌ قوي في الحدود . وأمَّا في غيرها فيدلّ عليه حديث خزيمة ، حيث اشترى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعرابي بعيرًا ، فمشى معه ليعطيه ثمنه ، فعرض للأعرابي من زاده في الثمن ، فأراد أن يبيعه ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( قد بعته مني ) ، فأنكر الأعرابي وقال : من يشهد لك ؟ فاستدعى النبي - صلى الله عليه وسلم - من يشهد ، فشهد خزيمة . فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بعلمه حتى قامت الشهادة . ولا ينفصل عن هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك لأن الحق كان له ، ولا يشهد أحدٌ لنفسه ، ولا يحكم لها ، ولأنَّه لا يُعطَى أحد بدعواه ، ولأنه قصد قطع حجَّة الأعرابي لما طلب منه الشهادة ؛ لأنَّا نقول : إنَّما اعتبر ذلك كلَّه في حق غير النبي - صلى الله عليه وسلم - لإمكان ادِّعاء الباطل والكذب ، وإرادة أخذ مال الغير ، ودفعه عن حقِّه . وكل ذلك معدومٌ في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعًا . ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - للمنافقين : ( أَيَأْمَنُنِي الله تعالى على خزائنه ولا تأمنوني ، والله ! إني لأمين من في السماء ) . وأمَّا قوله : إنما فعله لقطع حجَّة الخصم . فإنَّه باطل ؛ إذ لا حجَّة له ، ولا لغيره ، على خلاف ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - . فإن هذا الأعرابي إن كان مسلمًا ؛ فقد علم صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - . وإن كان كافرًا ؛ فلا مبالاة بقوله ؛ إذ قد قام دليل على صدقه ، وعلمه العقلاء ، كما لم يُبال بقول من كذَّبه من الكُفَّار ، ولا بقول الذي اتهمه في القسمة ؛ حيث قال : يا محمد ! اعدل ، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . ومن أوضح ما يدلّ على المطلوب ، وأصحُّهُ حديث أبي جهم ؛ حيث بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدِّقًا ، فلاحاه رجلان ، فشجَّهما ، فأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلبان القصاص ، فبذل لهما مالًا ، فرضيا به ، فقال : ( إني أخطُبُ الناس ، وأذْكُرُ لهم ذلك ، أفرضيتما ؟ ) قالا : نعم . فخطب الناس ثم قال : ( أرضيتما ؟ ) قالا : لا . فهمَّ بهما المهاجرون والأنصار ، فمنعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثمَّ نزل فزادهما ، فرضيا ، ثم صعد المنبر فقال : ( أرضيتما ؟ ) قالا : نعم . وموضع الحجَّة : أنَّه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا . وهو المطلوب . ذكره أبو داود من حديث عائشة . وهو صحيح . وذكر : [أن المشجوج إنَّما كان رجلًا واحدًا ، وقد ذكر ] غيره : أنهما كانا اثنين . وحاصل هذا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بعلمه تعليمًا لأمته ، وسعيًا في سدِّ باب التُّهم ، والظنون . والله تعالى أعلم . و( قوله في الرواية الأخرى : فأحسب أنَّه صادق ) دليل على العمل بالظنون وبناء الأحكام عليها . وهو أمرٌ لم يختلف فيه في حق الحاكم والمفتي . و( قوله : فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه ) نصٌّ في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغيِّر حكم الباطن . وسواء كان ذلك في الدِّماء ، والأموال ، والفروج . وهو قول الكافة ، إلا ما حكي عن أبي حنيفة من أن حكم الحاكم يغير حكم الباطن في الفروج خاصة . وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته ، وحكم الحاكم بشهادتهما ، فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم : أن القضيِّة باطل ، وقد شنع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ، ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة في الباطن ، ولم يصن الفروج عن ذلك . والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان . و( قوله : فإنَّما أقطع له قطعة من النار ) أي : ما يأخذه بغير حقه سببٌ يوصل آخذه إلى النَّار . وهو تمثيل يفهم منه شدة العذاب والتنكيل . و( قوله : فليحملها أو يذرها ) لفظه : لفظ الأمر ، ومعناه : التهديد ، والوعيد .