[ 5 ] - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، فَقَالَ : اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا ، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ . وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ ، فَقَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا ؟ دَعْهَا ؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا ، وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ ، فَقَالَ : خُذْهَا ؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ . [ 6 ] وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ . زَادَ رَبِيعَةُ : فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ ، وَزَادَ : فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ . [ 7 ] - وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ لَمْ تُعْتَرَفْ ، فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ، ثُمَّ كُلْهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ . [ 8 ] وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ : فَإِنْ اعْتُرِفَتْ فَأَدِّهَا ، وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا . [ 9 ] 1723 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ : سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ : خَرَجْتُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ غَازِينَ ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا فَأَخَذْتُهُ ، فَقَالَا لِي : دَعْهُ ، فَقُلْتُ : لَا ، وَلَكِنِّي أُعَرِّفُهُ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ ، وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ ، قَالَ : فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمَا ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا قُضِيَ لِي أَنِّي حَجَجْتُ ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِشَأْنِ السَّوْطِ وَبِقَوْلِهِمَا ، فَقَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا ، قَالَ : فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا ، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا ، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا ، فَقَالَ : احْفَظْ عَدَدَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا ، فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا ، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ . وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ - أَوْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ - قَالَ : سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ فَوَجَدْتُ سَوْطًا ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ إِلَى قَوْلِهِ : فَاسْتَمْتَعْتُ بِهَا . قَالَ شُعْبَةُ : فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ ، يَقُولُ : عَرَّفَهَا عَامًا وَاحِدًا . [ 10 ] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو - ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ ، إِلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ : عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أحوال . وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ . وَزَادَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ : وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ : وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا ، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ ) فِي هَذَا دَلَالَةٌ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُ : إِذَا جَاءَ مَنْ وَصَفَ اللُّقَطَةَ بِصِفَاتِهَا وَجَبَ دَفْعُهَا إِلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ ، وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ : لَا يَجِبُ دَفْعُهَا إِلَيْهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَتَأَوَّلُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إِذَا صَدَّقَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ وَلَا يَجِبُ ، فَالْأَمْرُ بِدَفْعِهَا بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِهِ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَاتِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : ( عَرِّفْهَا سَنَةً ) وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثَلَاثَ سِنِينَ . وَفِي رِوَايَةٍ ( سَنَةً وَاحِدَةً ) وَفِي رِوَايَةٍ : أَنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ قَالَ : ( لَا أَدْرِي قَالَ : حَوْلٌ ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يُطْرَحَ الشَّكُّ ، وَالزِّيَادَةُ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ سَنَةً فِي رِوَايَةِ الشَّكِّ ، وَتُرَدُّ الزِّيَادَةُ لِمُخَالَفَتِهَا بَاقِي الْأَحَادِيثِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، فَرِوَايَةُ زَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ سَنَةً مَحْمُولَةٌ عَلَى أَقَلِّ مَا يَجْزِي ، وَرِوَايَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي التَّعْرِيفِ ثَلَاثَ سِنِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوَرَعِ وَزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ ، قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِتَعْرِيفِ سَنَةٍ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ تَعْرِيفَ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجص 388 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الحكم في اللقطة والضوال · ص 188 1722 - ( 5 و 7 ) [1818] وعنه ، قال : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ : الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْترِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ. وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا . وذكر نحو ما تقدم . وفي رواية : ثم كلها ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه . و( قوله : ولتكن وديعة عندك ) بعد قوله : ( استنفقها ) معناه : ولتكن في ضمانك على حُكم الوديعة ؛ يعني : إذا أنفقها الْمُودَعُ عنده فإنَّه يضمنها ، وإلا : فإذا أنفقها لم تبق عَيْنُها ، فكيف تبقى وديعة إلا على ما ذكرناه ؟ والله تعالى أعلم . و( قوله : فضالةُ الغنم ؟ ) فقال : ( هي لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ) أي : لا بدَّ لها من حال من هذه الأحوال الثلاثة . و( أو ) هذه للتقسيم والتنويع . ويفيد هذا : الغنم إذا كانت في موضع يخاف عليها فيه الهلاك جاز لملتقطها أكلها ، ولا ضمان عليه ؛ إذ قد سوّى بينه وبين الذئب ، والذئب لا ضمان عليه ، فالملتقط لا ضمان عليه . وهو مذهب مالك وأصحابه ، وقد ضمَّنه الشافعي وأبو حنيفة تمسُّكًا ببقاء ملك ربِّها عليها ، وبما قد روي من حديث عمرو بن يثربي : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن لقيتها لقحة تحمل شفرةً وأزنادًا فلا تمسَّها ) . ولا حجَّة في شيء من ذلك ؛ قد اتفقنا على أن لواجدها أخذها ، وأكلها . والأصل : أنَّه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير ؛ فقد تركنا ذلك الأصل ، فلا نتمسك به في باب اللقطة ؛ لأن الشرع قد سلَّط الملتقط عليها ، ولما كانت هذه مآلها الهلاك إن تُركت ولا ضمان ؛ كان أكلها لواجدها أولى بغير ضمان ؛ لأنَّه انتفع بها رجل مسلم ، ولا حجَّة أيضًا في الحديث لأنَّه من رواية عمارة بن حارثة ، وليس بالمشهور الرواية ، ولو سُلِّم أنه صحيح فلا حجَّة فيه أيضًا ؛ لأنَّ ذلك القول إنما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جوابًا لمن قال له : أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فأجزرتها ؛ أعلي في ذلك شيء ؟ فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بذلك . فلم يسأله عن ضالة الغنم ، بل عن غنم ابن عمِّه ، وذلك عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسٍ منه ) . فحينئذ سأله عن ذلك ، فأجابه بذلك . ويلحق بالغنم عند مالك : ما لا يبقى من الأطعمة ، ويخافُ عليه الفساد ، وكان بموضع لا ينحفظ فيه ، ولا يوجد من يشتريه ، فله أكله ، ولا ضمان . وضمَّنه الإمامان ، كما قدمناه ، فإن كان شيء من ذلك قريبًا من العمران ، وأمن الهلاك عليه فلا يجوز له أكله ، ولا خلاف فيه ، فإن شاء أخذها بنيَّة حفظها ، وإن شاء تركها على ما تقدم . و( قوله في ضالَّة الإبل : ما لك ولها ؟ ) إلى آخر الكلام ، وغضبه حين قال ذلك يدلُّ على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل ؛ لأنَّها يؤمن عليها الهلاك لاستقلالها بمنافعها . وقد نصّ على ذلك بقوله في الرواية الأخرى : ( دعها عنك ) . ومقتضاه : المنع من التصرف فيها مطلقًا ، وأن تترك حيث هي . لكن هذا إذا لم تكن بأرض مسبعة . وعلى هذا يدلُّ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ضالة المسلم حرق النار ) . قال العلماء : هكذا كان في أول الإسلام ، وعلى ذلك استمر زمن أبي بكر ، وعمر ، فلمَّا كان زمن عثمان وعلي ، وكثر فساد الناس ، واستحلالهم : رأوا التقاطها ، وضمَّها ، والتعريف بها ، وهذا كلُّه منهم وفاءً بمقصود هذا الحديث في لقطة الإبل ؛ فإن مقصوده : أنها إذا أمن عليها الهلاك ، وبقيت بحيث تتمكن مما تعيش به من الأكل والشرب حتى يجيء ربُّها ، فيجدها سليمة ، فحينئذ لا يتعرَّض لها أحدٌ ، فلو تعذر شيء من ذلك ، وخِيف عليها الهلاك أو السَّرق ؛ التقطت ، وحفظت ؛ لأنَّها مال مسلم ؛ فيجب حفظه ، ولا تُؤكل . ولو كانت بالمواضع المنقطعة عن العمران البعيدة ؛ لأنَّ سَوْقها ممكن ، ومؤونتها متيسرة بخلاف الغنم . وهل يلحق بها البقر أو بالغنم ؟ عندنا في ذلك قولان . فرأى مالك إلحاقها بالغنم لضعفها عن الامتناع عند انفرادها . ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها فيه من السِّباع . قلت : وكأن هذا تفصيل أحوال ، لا اختلاف أقوال . وقد بيَّنَّا : أن مثله جار في الإبل ، فالأولى : إلحاقها بها . وكذلك اختلف في التقاط الخيل ، والبغال ، والحمير . وظاهر قول ابن القاسم : أنها تلتقط . وقال أشهب ، وابن كنانة : لا تلتقط . و( حذاء الإبل ) : أخِفافُها . وأصل الحذاء : ما يحتذي به الإنسان من نعال أو غيره . و( السِّقاء ) ما يشرب به ، فيعني : أن الإبل لا تحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه غيرها من المواشي ، فإنَّها تمشي حيث شاءت ، وتأكل من الأشجار ، وترد على الأنهار .