باب الحكم في اللقطة والضوال
( 5 و 7 ) [1818] وعنه ، قال : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ : الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْترِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ . وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا . وذكر نحو ما تقدم .
وفي رواية : ثم كلها ، فإن جاء صاحبها فأدها إليه . و( قوله : ولتكن وديعة عندك ) بعد قوله : ( استنفقها ) معناه : ولتكن في ضمانك على حُكم الوديعة ؛ يعني : إذا أنفقها الْمُودَعُ عنده فإنَّه يضمنها ، وإلا : فإذا أنفقها لم تبق عَيْنُها ، فكيف تبقى وديعة إلا على ما ذكرناه ؟ والله تعالى أعلم . و( قوله : فضالةُ الغنم ؟ ) فقال : ( هي لك ، أو لأخيك ، أو للذئب ) أي : لا بدَّ لها من حال من هذه الأحوال الثلاثة .
و( أو ) هذه للتقسيم والتنويع . ويفيد هذا : الغنم إذا كانت في موضع يخاف عليها فيه الهلاك جاز لملتقطها أكلها ، ولا ضمان عليه ؛ إذ قد سوّى بينه وبين الذئب ، والذئب لا ضمان عليه ، فالملتقط لا ضمان عليه . وهو مذهب مالك وأصحابه ، وقد ضمَّنه الشافعي وأبو حنيفة تمسُّكًا ببقاء ملك ربِّها عليها ، وبما قد روي من حديث عمرو بن يثربي : أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن لقيتها لقحة تحمل شفرةً وأزنادًا فلا تمسَّها ) .
ولا حجَّة في شيء من ذلك ؛ قد اتفقنا على أن لواجدها أخذها ، وأكلها . والأصل : أنَّه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير ؛ فقد تركنا ذلك الأصل ، فلا نتمسك به في باب اللقطة ؛ لأن الشرع قد سلَّط الملتقط عليها ، ولما كانت هذه مآلها الهلاك إن تُركت ولا ضمان ؛ كان أكلها لواجدها أولى بغير ضمان ؛ لأنَّه انتفع بها رجل مسلم ، ولا حجَّة أيضًا في الحديث لأنَّه من رواية عمارة بن حارثة ، وليس بالمشهور الرواية ، ولو سُلِّم أنه صحيح فلا حجَّة فيه أيضًا ؛ لأنَّ ذلك القول إنما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جوابًا لمن قال له : أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فأجزرتها ؛ أعلي في ذلك شيء ؟ فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بذلك . فلم يسأله عن ضالة الغنم ، بل عن غنم ابن عمِّه ، وذلك عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفسٍ منه ) .
فحينئذ سأله عن ذلك ، فأجابه بذلك . ويلحق بالغنم عند مالك : ما لا يبقى من الأطعمة ، ويخافُ عليه الفساد ، وكان بموضع لا ينحفظ فيه ، ولا يوجد من يشتريه ، فله أكله ، ولا ضمان . وضمَّنه الإمامان ، كما قدمناه ، فإن كان شيء من ذلك قريبًا من العمران ، وأمن الهلاك عليه فلا يجوز له أكله ، ولا خلاف فيه ، فإن شاء أخذها بنيَّة حفظها ، وإن شاء تركها على ما تقدم .
و( قوله في ضالَّة الإبل : ما لك ولها ؟ ) إلى آخر الكلام ، وغضبه حين قال ذلك يدلُّ على تحريم التعرُّض لضالَّة الإبل ؛ لأنَّها يؤمن عليها الهلاك لاستقلالها بمنافعها . وقد نصّ على ذلك بقوله في الرواية الأخرى : ( دعها عنك ) . ومقتضاه : المنع من التصرف فيها مطلقًا ، وأن تترك حيث هي .
لكن هذا إذا لم تكن بأرض مسبعة . وعلى هذا يدلُّ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ضالة المسلم حرق النار ) . قال العلماء : هكذا كان في أول الإسلام ، وعلى ذلك استمر زمن أبي بكر ، وعمر ، فلمَّا كان زمن عثمان وعلي ، وكثر فساد الناس ، واستحلالهم : رأوا التقاطها ، وضمَّها ، والتعريف بها ، وهذا كلُّه منهم وفاءً بمقصود هذا الحديث في لقطة الإبل ؛ فإن مقصوده : أنها إذا أمن عليها الهلاك ، وبقيت بحيث تتمكن مما تعيش به من الأكل والشرب حتى يجيء ربُّها ، فيجدها سليمة ، فحينئذ لا يتعرَّض لها أحدٌ ، فلو تعذر شيء من ذلك ، وخِيف عليها الهلاك أو السَّرق ؛ التقطت ، وحفظت ؛ لأنَّها مال مسلم ؛ فيجب حفظه ، ولا تُؤكل .
ولو كانت بالمواضع المنقطعة عن العمران البعيدة ؛ لأنَّ سَوْقها ممكن ، ومؤونتها متيسرة بخلاف الغنم . وهل يلحق بها البقر أو بالغنم ؟ عندنا في ذلك قولان . فرأى مالك إلحاقها بالغنم لضعفها عن الامتناع عند انفرادها .
ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها فيه من السِّباع . قلت : وكأن هذا تفصيل أحوال ، لا اختلاف أقوال . وقد بيَّنَّا : أن مثله جار في الإبل ، فالأولى : إلحاقها بها .
وكذلك اختلف في التقاط الخيل ، والبغال ، والحمير . وظاهر قول ابن القاسم : أنها تلتقط . وقال أشهب ، وابن كنانة : لا تلتقط .
و( حذاء الإبل ) : أخِفافُها . وأصل الحذاء : ما يحتذي به الإنسان من نعال أو غيره . و( السِّقاء ) ما يشرب به ، فيعني : أن الإبل لا تحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه غيرها من المواشي ، فإنَّها تمشي حيث شاءت ، وتأكل من الأشجار ، وترد على الأنهار .