[ 14 ] - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ، قَالُوا : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ . 3 بَاب الضِّيَافَةِ وَنَحْوِهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ، قَالُوا : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يُؤْثِمُهُ ؟ قَالَ : يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ) . هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالضِّيَافَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِهَا وَعَظِيمِ مَوْقِعِهَا ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الضِّيَافَةِ ، وَأَنَّهَا مِنْ مُتَأَكِّدَاتِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْجُمْهُورُ : هِيَ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ : هِيَ وَاجِبَةٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، قال أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : هِيَ وَاجِبَةٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَأَهْلِ الْقُرَى دُونَ أَهْلِ الْمُدُنِ ، وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُورُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَأَشْبَاهَهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَتَأَكُّدِ حَقِّ الضَّيْفِ كَحَدِيثِ : " غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ " أَيْ : مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ ، وَتَأَوَّلَهَا الْخَطَّابِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرُهُ عَلَى الْمُضْطَرِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ ... يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ الِاهْتِمَامُ بِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَإِتْحَافُهُ بِمَا يُمْكِنُ مِنْ بِرٍّ وَإِلْطَافٍ ، وَأَمَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَيُطْعِمُهُ مَا تَيَسَّرَ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَادَتِهِ ، وَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَمَعْرُوفٌ إِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، قَالُوا : وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ حَتَّى يُؤْثِمَهُ ) مَعْنَاهُ : لَا يَحِلُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ بَعْدَ الثَّلَاثِ حَتَّى يُوقِعَهُ فِي الْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْتَابُهُ لطُولِ مَقَامِهِ ، أَوْ يُعَرِّضُ لَهُ بِمَا يُؤْذِيهِ ، أَوْ يَظُنُّ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أَقَامَ بَعْدَ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ مِنَ الْمُضِيفِ ، أَمَّا إِذَا اسْتَدْعَاهُ وَطَلَبَ زِيَادَةَ إِقَامَتِهِ ، أَوْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ إِقَامَتَهُ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ يُؤْثِمُهُ ، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ . فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِ الْمُضِيفِ هَلْ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وَيَلْحَقُهُ بِهَا حَرَجٌ أَمْ لَا ؟ لَا تَحِلُّ الزِّيَادَةُ إِلَّا بِإِذْنِهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) . فَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِيهِ ، وَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ . وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْعَادَةِ ، وَكَثِيرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الضِّيَافَةِ وَنَحْوِهَا · ص 392 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها · ص 197 ( 11 ) باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها 48 - في اللقطة ( 14 ) [1823] عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ الخزاعي أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ، وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ. قَالَوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ! قَالَ: يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ . ( 11 ) ومن باب الأمر بالضيافة والحكم فيمن منعها قوله : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته ) قد تقدم القول في حكم الضيافة ، وأن الأمر بها عند الجمهور على جهة الندب ، لأنَّها من مكارم الأخلاق ، إلا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة ، فتجب حينئذ . وقد أفاد هذا الحديث : أنها من أخلاق المؤمنين ، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلَّفوا عنها ، لما يحصل عليها من الثواب في الآخرة ، ولما يترتب عليها في الدنيا من إظهار العمل بمكارم الأخلاق ، وحُسن الأحدوثة الطيبة ، وطيب الثناء ، وحصول الرَّاحة للضيف المتعوب بمشقَّات السَّفر ، المحتاج إلى ما يخفف عليه ما هو فيه من المشقَّة ، والحاجة . ولم تزل الضيافة معمولًا بها في العرب من لدن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنَّه أول من ضيَّف الضيف . وعادة مستمرة فيهم ، حتى إنَّ من تركها يُذَمُّ عُرْفًا ، ويُبَخَّلُ ويُقَبَّحُ عليه عادة ، فنحن وإن لم نقل : إنَّها واجبة شرعًا فهي متعيِّنة لما يحصل منها من المصالح ، ويندفع بها من المضار عادة وعُرفًا . و( الجائزة ) : العطية . يقال : أجزته جائزة ، كما تقول : أعطيته عطية . و( جائزته ) هنا منصوبة ، إما على إسقاط لفظ حرف الجر ، فكأنه قال : فليكرم ضيفه بجائزته . وإما بأن يُشْرِبَ ( فليكرم ) معنى : ( فليُعط ) ، فيكون مفعولا ثانيًا لـ ( يكرم ) . و( قوله : وما جائزته ؟ ) استفهام عن مقدار الجائزة ، لا عن حقيقتها ، ولذلك أجابهم بقوله : ( يومه وليلته ) أي : القيام بكرامته في يومه وليلته ؛ أي : أقل ما يكون هذا القدر ، فإنَّه إذا فعل هذا حصلت له تلك الفوائد . و( قوله بعد ذلك : والضيافة ثلاثة أيام ) يعني بها بالكاملة التي إذا فعلها المضيف فقد وصل إلى غاية الكمال ، وإذا أقام الضيف إليها لم يلحقه ذمٌّ بالمقام فيها ؛ فإن العادة الجميلة جاريةٌ بذلك . وأمَّا ما بعد ذلك فخارج عن هذا كله ، وداخل في باب : إدخال المشقات والكُلَف على الْمُضيِّف ، فإنَّه يتأذى بذلك من أوجه متعددة . وهو المعني بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يؤثمه ) أي : حتى يشق عليه ، ويثقل ، لا سيما مع رقة الحال ، وكثرة الكلف .