[ 35 ] 1749 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً - وَأَنَا فِيهِمْ - قِبَلَ نَجْدٍ ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً ، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَي عَشَرَ بَعِيرًا - أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا - وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا . قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا ) هَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( اثْنَا عَشَرَ ) وَفِي بَعْضِهَا ( اثْنَيْ عَشَرَ ) وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَجْعَلُ الْمُثَنَّى بِالْأَلِفِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَنْصُوبًا أَوْ مَجْرُورًا ، وَهِيَ لُغَةُ أَرْبَعِ قَبَائِلَ مِنَ الْعَرَبِ ، وَقَدْ كَثُرَتْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا بَعِيرًا ) فِيهِ إِثْبَاتُ النَّفْلِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ النَّفْلِ هَلْ هُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ؟ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ ، وَبِكُلٍّ مِنْهَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا : أَنَّهُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَآخَرُونَ ، وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ ، الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَآخَرُونَ ، وَأَجَازَ النَّخَعِيُّ أَنْ تُنَفَّلَ السَّرِيَّةُ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْ دُونَ بَاقِي الْجَيْشِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ نَفَّلَهُمُ الْإِمَامُ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ الْعَتِيدِ دُونَ الْغَنِيمَةِ جَازَ ، وَالتَّنْفِيلُ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ صَنَعَ جَمِيلًا فِي الْحَرْبِ انْفَرَدَ بِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ( نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا ) مَعْنَاهُ : أَنَّ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا النَّفْلَ نُفِّلُوا بَعِيرًا إِلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السَّرِيَّةِ نُفِّلَ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءُ : الْأَنْفَالُ : هِيَ الْعَطَايَا مِنَ الْغَنِيمَةِ غَيْرُ السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْقِسْمَةِ ، وَاحِدُهَا ( نَفَلٌ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحُكِيَ إِسْكَانُهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا ) فَمَعْنَاهُ : سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَقَدْ قِيلَ : مَعْنَاهُ : سُهْمَانُ جَمِيعِ الْغَانِمِينَ اثْنَا عَشَرَ ، وَهَذَا غَلَطٌ ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا كَانَتْ سُهْمَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ ، وَنَفَّلَ السَّرِيَّةَ سِوَى هَذَا بَعِيرًا بَعِيرًا . قَوْلُهُ : ( وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( نُفِّلُوا بَعِيرًا ، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا بَعِيرًا ) وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَّلَهُمْ ، فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ بَعْثِ السَّرَايَا ، وَمَا غَنِمَتْ تَشْتَرِكُ فِيهِ هِيَ وَالْجَيْشُ إِنِ انْفَرَدَتْ عَنِ الْجَيْشِ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَتْ مِنَ الْبَلَدِ ، وَأَقَامَ الْجَيْشُ فِي الْبَلَدِ ، فَتُخْتَصُّ هِيَ بِالْغَنِيمَةِ وَلَا يُشَارِكُهَا الْجَيْشُ . وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّنْفِيلِ ؛ لِلتَّرْغِيبِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْقِتَالِ ، ثُمَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ التَّنْفِيلَ يَكُونُ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ ، سَوَاءٌ الْأُولَى وَغَيْرُهَا ، وَسَوَاءٌ غَنِيمَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّامِيِّينَ : لَا يُنَفَّلُ فِي أَوَّلِ غَنِيمَةٍ وَلَا يُنَفَّلُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةٍ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الْأَنْفَالِ · ص 411 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ · ص 537 1749 - 37 [1266] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إِبِلاً وَغَنَمًا ، فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعِيرًا بَعِيرًا . وقوله : ( بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجد سرية ) إلى قوله : ( ونفلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرًا بعيرًا ) ؛ هذه السرية خرجت من جيش بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجد ، فلما غنمت قسم ما غنمت على الجيش والسرية ، فكانت سهمان ؛ كل واحد من الجيش والسَّرية اثني عشر بعيرًا ، اثني عشر بعيرًا ، ثم زيد أهل السَّرية بعيرًا بعيرًا ، فكان لكل إنسان من أهل السَّرية ثلاثة عشر بعيرًا ، ثلاثة عشر بعيرًا . بيّن ذلك ونصّ عليه أبو داود من حديث شعيب بن أبي حمزة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ولهذا قال مالك ، وعامة الفقهاء : إن السَّرية إذا خرجت من الجيش فما غنمته كان مقسومًا بينها وبين الجيش . ثم إن رأى الإمام أن ينفلهم من الخمس جاز عند مالك ، واستُحبّ عند غيره . وذهب الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد : إلى أن النفل من جملة الغنيمة بعد إخراج الخمس ، وما بقي للجيش ، وحديث ابن عمر يرد على هؤلاء ، فإنه قال فيه : فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا ، اثني عشر بعيرًا ، ونفلنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيرًا بعيرًا ... وظاهر مساق هذه الرواية : أن الذي قسَّم بينهم ، ونفلهم ، هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حين رجعوا إليه. وفي رواية مالك عن نافع : ( ونُفِّلُوا بعيرًا بعيرًا ) ، ولم يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ومن رواية الليث عن نافع : ( ونفلوا سوى ذلك بعيرًا بعيرًا ، فلم يغيره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وفي كتاب أبي داود من حديث محمد بن إسحاق عن نافع قال : فأصبنا نعمًا كثيرًا ، فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا ، ثم قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقسم علينا غنيمتنا ، فأصاب كل إنسان منا اثنا عشر بعيرًا ، اثنا عشر بعيرًا ، وما حاسَبَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي أعطانا صاحبنا ، ولا عاب عليه ما صنع ، فكان لكل رجل ثلاثة عشر بعيرًا بنفله . وهذا اضطراب في حديث ابن عمر ، على أنه يمكن أن تحمل رواية من رفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنه لما بلغه ذلك أجازه ، وسوَّغه . والله تعالى أعلم . أو تكون رواية عبيد الله عن نافع في الرَّفع وهمًا ، وبمقتضى رواية ابن إسحاق عن نافع قال الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد كما قدمناه آنفًا من مذهبهم ، لكن محمد بن إسحاق كذبه مالك ، وضعفه غيره .