[ 41 ] 1751 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بن كَثِيرِ ابْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ - وَكَانَ جَلِيسًا لِأَبِي قَتَادَةَ - قَالَ : قَالَ أَبُو قَتَادَةَ . وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ . وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ : مَا لِلنَّاسِ ؟ فَقُلْتُ : أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ . قَالَ : فَقُمْتُ ، فَقُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : فَقُمْتُ ، فَقُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : لَا هَا اللَّهِ ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ ؛ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ . فَأَعْطَانِي ، قَالَ : فَبِعْتُ الدِّرْعَ ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ : لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ . 13 بَاب اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ سَلَبَ الْقَتِيلِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيِّ - وَكَانَ جَلِيسًا لِأَبِي قَتَادَةَ - قَالَ : قَالَ أَبُو قَتَادَةَ . وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ . قَالَ مُسْلِمٌ : وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . قَالَ مُسْلِمٌ : وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَاللَّفْظُ لَهُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنِ أَنَسٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ ) إِلَى آخِرِهِ ، اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ : ( وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ ) وَقَوْلَهُ فِي الثَّانِي : ( وَسَاقَ الْحَدِيثَ ) يَعْنِي بِهِمَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ ) وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ عَادَةِ مُسْلِمٍ فَاحْفَظْ مَا حَقَّقْتُهُ لَكَ ، فَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْكُتَّابِ غَلِطَ فِيهِ ، وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ قَبْلَهُمَا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ الْمَعْرُوفُ مِنْ عَادَةِ مُسْلِمٍ ، حَتَّى إِنَّ هَذَا الْمُشَارَ إِلَيْهِ تَرْجَمَ لَهُ بَابًا مُسْتَقِلًّا وَتَرْجَمَ لِلطَّرِيقِ الثَّالِثِ بَابًا آخَرَ ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ فَاحْذَرْهُ . وَإِذَا تَدَبَّرْتَ الطُّرُقَ الْمَذْكُورَةَ تَيَقَّنْتَ مَا حَقَقْتُهُ لَكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْمُ أَبِي مُحَمَّدٍ هَذَا : نَافِعُ بْنُ عَبَّاسٍ الْأَقْرَعُ الْمَدَنِيُّ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَاهُمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعُمَرُ وَأَبُو مُحَمَّدٍ . قَوْلُهُ : ( كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ ، أَيْ : انْهِزَامٌ وَخِيفَةٌ ذَهَبُوا فِيهَا ، وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ الْجَيْشِ ، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ فَلَمْ يُوَلُّوا ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي مَوَاضِعِهَا . وَقَدْ نَقَلُوا إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : انْهَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ انْهَزَمَ بِنَفْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ ، بَلْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِإِقْدَامِهِ وَثَبَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ . قَوْلُهُ : ( فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يَعْنِي : ظَهَرَ عَلَيْهِ وَأَشْرَفَ عَلَى قَتْلِهِ أَوْ صَرْعِهِ ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ . قَوْلُهُ : ( فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ) هُوَ مَا بَيْنَ الْعُنُقِ وَالْكَتِفِ . قَوْلُهُ : ( فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ شِدَّةً كَشِدَّةِ الْمَوْتِ ، وَيَحْتَمِلُ قَارَبْتُ الْمَوْتَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمْ : يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ سَلَبَ الْقَتِيلِ فِي جَمِيعِ الْحُرُوبِ سَوَاءٌ قَالَ أَمِيرُ الْجَيْشِ قَبْلَ ذَلِكَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَمْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، قَالُوا : وَهَذِهِ فَتْوَى مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإِخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُمَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - : لَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ سَلَبَ الْقَتِيلِ ، بَلْ هُوَ لِجَمِيعِ الْغَانِمِينَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْأَمِيرُ قَبْلَ الْقِتَالِ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ . وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا ، وَجَعَلُوا هَذَا إِطْلَاقًا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ بِفَتْوَى وَإِخْبَارِ عَامٍّ ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِتَالِ وَاجْتِمَاعِ الْغَنَائِمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَشْتَرِطُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ أَنْ يَغْزُوَ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِ كَافِرٍ مُمْتَنِعٍ فِي حَالِ الْقِتَالِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَاتِلَ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ رَضْخٌ وَلَا سَهْمَ لَهُ كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ ، اسْتَحَقَّ السَّلَبَ ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا الْمُقَاتِلُ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّامِيُّونَ . لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إِلَّا فِي قَتِيلٍ قَتَلَهُ قَبْلَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ ، فَأَمَّا مَنْ قَتَلَ فِي الْتِحَامِ الْحَرْبِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيسِ السَّلَبِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ : لَا يُخَمَّسُ ، هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَآخَرُونَ ، وَقَالَ مَكْحُولٌ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُخَمَّسُ ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : يُخَمَّسُ إِذَا كَثُرَ ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ خَمَّسَهُ وَإِلَّا فَلَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ) فَفِيهِ : تَصْرِيحٌ بِالدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، أَنَّ السَّلَبَ لَا يُعْطَى إِلَّا لِمَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُعْطَى بِقَوْلِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ ، قَالَا : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ السَّلَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يُحَلِّفْهُ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَقَدْ صَرَّحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا تُلْغَى ، وَقَدْ يَقُولُ الْمَالِكِيُّ : هَذَا مَفْهُومٌ ، وَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ ، وَيُجَابُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى " الْحَدِيثُ . " فَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ فَضَعِيفٌ ، وَإِنَّ الْإِقْرَارَ إِنَّمَا يَنْفَعُ إِذَا كَانَ الْمَالُ مَنْسُوبًا إِلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ ، وَالْمَالُ هُنَا مَنْسُوبٌ إِلَى جَمِيعِ الْجَيْشِ ، وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَاقِينَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : لَاهَا اللَّهِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ( لَاهَا اللَّهِ إِذًا ) بِالْأَلِفِ وَأَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ، وَقَالُوا : هُوَ تَغْيِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ ، وَصَوَابُهُ ( لَاهَا اللَّهِ ذَا ) بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ ، وَقَالُوا : وَ( هَا ) بِمَعْنَى الْوَاوِ الَّتِي يُقْسَمُ بِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ : ( لَا وَاللَّهِ ذَا ) قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَعْنَاهُ لَاهَا اللَّهِ ذَا يَمِينِي أَوْ ذَا قَسَمِي . وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : ( ذَا ) زَائِدَةٌ ، وَفِيهَا لُغَتَانِ : الْمَدُّ وَالْقَصْرُ ، قَالُوا : وَيَلْزَمُ الْجَرُّ بَعْدَهَا كَمَا يَلْزَمُ بَعْدَ الْوَاوِ ، قَالُوا : وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُقَالُ : لَاهَا وَاللَّهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَكُونُ يَمِينًا ، قَالَ أَصْحَابُنَا : إِنْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ كَانَتْ يَمِينًا ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَعَارَفَةً فِي الْأَيْمَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( لَا يَعْمِدُ ) فَضَبَطُوهُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَهُ : ( فَيُعْطِيكَ ) بِالْيَاءِ وَالنُّونِ ، وَكِلَاهُمَا ظَاهِرٌ . وَقَوْلُهُ : ( يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) أَيْ : يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ وَشَرِيعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا . وَفِي إِفْتَائِهِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِدْلَالِهِ لِذَلِكَ ، وَتَصْدِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي قَتَادَةَ ؛ فَإِنَّهُ سَمَّاهُ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ جَلِيلَةٌ مِنْ مَنَاقِبِهِ . وَفِيهِ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ : ( يُعْطِيكَ سَلَبَهُ ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ) أَمَّا بَنُو سَلِمَةَ فَبِكَسْرِ اللَّامِ ، وَأَمَّا ( الْمَخْرَفُ ) فَبِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقَالَ الْقَاضِي : رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ كَالْمَسْجِدِ وَالْمَسْكِنِ بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَخْرَفِ هُنَا الْبُسْتَانُ ، وَقِيلَ : السِّكَّةُ مِنَ النَّخْلِ تَكُونُ صَفَّيْنِ ، يُخْرِفُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ ، أَيْ : يَجْتَنِي ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : هِيَ الْجُنَيْنَةُ الصَّغِيرَةُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ نَخَلَاتٌ يَسِيرَةٌ . وَأَمَّا ( الْمِخْرَفُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ فَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ مَا يُجْتَنَى مِنَ الثِّمَارِ ، وَيُقَالُ : اخْتَرَفَ الثَّمَرَ : إِذَا جَنَاهُ ، وَهُوَ ثَمَرٌ مَخْرُوفٌ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ ) هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَ الْأَلِفِ أَيِ : اقْتَنَيْتُهُ وَتَأَصَّلْتُهُ ، وَأَثَلَةُ الشَّيْءِ : أَصْلُهُ . قَوْلُهُ : ( لَا تُعْطِهِ أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ ) قَالَ الْقَاضِي : اخْتَلَفَ رُوَاةُ كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَرْفِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : رِوَايَةُ السَّمَرْقَنْدِيِّ ( أُصَيْبِغَ ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ . وَالثَّانِي : رِوَايَةُ سَائِرِ الرُّوَاةِ ( أُضَيْبِعُ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاةُ الْبُخَارِيِّ ، فَعَلَى الثَّانِي هُوَ تَصْغِيرُ ضَبْعٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، كَأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ أَبَا قَتَادَةَ بِأَنَّهُ أَسَدٌ مُصَغَّرٌ هَذَا بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ وَشَبَّهَهُ بِالضُّبَيْعِ ؛ لِضَعْفِ افْتِرَاسِهَا ، وَمَا تُوصَفُ بِهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْحُمْقِ . وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَوَصْفَهُ بِهِ لِتَغَيُّرِ لَوْنِهِ ، وَقِيلَ : حَقَّرَهُ وَذَمَّهُ بِسَوَادِ لَوْنِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ صَاحِبُ لَوْنٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ ، وَقِيلَ : وَصَفَهُ بِالْمَهَانَةِ وَالضَّعْفِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ( الْأُصَيْبِغُ ) نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنَّهُ شَبَّهَهُ بِنَبَاتٍ ضَعِيفٍ يُقَالُ لَهُ : الصُّيْبِغَا ، أَوَّلُ مَا يَطْلُعُ مِنَ الْأَرْضِ يَكُونُ مِمَّا يَلِي الشَّمْسَ مِنْهُ أَصْفَرَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ سَلَبَ الْقَتِيلِ · ص 413 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب · ص 540 ( 7 ) باب للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب 1751 [1269] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا ، كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلاً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ. قَالَ: فَقُمْتُ ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لك يَا أَبَا قَتَادَةَ؟. فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ يا رسول الله ! وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَا هَا اللَّهِ إِذًا ، لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ. فَأَعْطَانِي ، قَالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا لَا نُعْطِيهِ ، أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ وَنَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللَّهِ؟ ( 7 ) ومن باب: للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب ( الجولة ) : الاضطراب . ويعني به : انهزام المنهزمة يوم حنين على ما يأتي . و( حبل العاتق ) : هو موصل ما بين العنق والكاهل . وقيل : هو حبل الوريد . والوريد : عرق بين الحلقوم والعلباوَيْن . وقوله : ( فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت ) ؛ أي : ضمة شديدة أشرف بسببها على الموت . وهي استعارة حسنة . وأصلها : أن من قرب من الشيء وجد ريحه . وقوله : ( وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه ) ؛ دليل : على أن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - كان بعد أن برد القتال ، وأما قبل القتال فيكره مالك للإمام أن يقول مثل ذلك ؛ لئلا تفسد نية المجاهدين . وهل قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك القول مُقَعِّدًا لقاعدة السلب للقاتل ، ومبيِّنًا لحكم الله تعالى في ذلك دائمًا ، وفي كل واقعة ؟ وإليه صار الليث ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والطبري ، والثوري ، وأبو ثور ، قالوا : السلب للقاتل ، قاله الإمام أو لم يقله ، غير أن الشافعي -رحمه الله- اشترط في ذلك : أن يقتله مقبلاً . واشترط الأوزاعي أن يكون ذلك قبل التحام الحرب . أو قاله - صلى الله عليه وسلم - على جهة أن يبيِّن : أن للإمام أن يفعل ذلك إذا رآه مصلحة ؟ وإلى هذا ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، فقالا : إن السلب ليس بحق للقاتل ، وإنه من الغنيمة إلا أن يجعل الأمير ذلك له . فأما الطائفة الأولى : فتمسَّكت بظاهر الحديث المتقدِّم ، وقصر الشافعي عموم قوله : ( من قتل قتيلاً ) على نحو ما وقع لأبي قتادة ؛ فإنه قتل الكافر مقبلاً ، ولذلك ضمه الضمة الشديدة ، وليس للأوزاعي على ما اشترط حجَّة من الحديث ، بل هو حجَّة عليه ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك بعد فراغ القتال . وأما الطائفة الثانية : فإنهم ردُّوا ظاهر ذلك الحديث لما يعارضه ، وهو قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ فأضاف أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ، ولا يصلح قوله : ( من قتل قتيلاً فله سلبه ) للتخصيص ، للاحتمال الذي أبديناه . ومما تمسَّكوا به قضية أبي جهل الآتية بعد هذا ، وذلك : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لابني عفراء : ( كلاكما قتله ) ، ثم قضى بسلبه لأحدهما ، وهي نصٌّ في المقصود ، لا يقال : إن قضية أبي جهل متقدَّمة وقضية أبي قتادة متأخرة ، فتكون ناسخة ؛ لأنا لا نسلم التعارض لإمكان الجمع بين القضيتين ؛ لأن ذلك رأي رآه فيهما ، فاختلف الحال بحسب اختلاف الاجتهاد . والله تعالى أعلم . ومما يعتضدُ به هؤلاء : أنه لو كان قوله : من قتل قتيلاً فله سلبه ) مقعدًا للقاعدة ، ومبيِّنًا لها ؛ لكان ذلك أمرًا معمولاً به عند الصحابة ، وخصوصًا الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، فإنهم كانوا حضورًا في ذلك الموطن ، وقد انقرضت أعصارهم ، ولم يحكموا : بأن السلب للقاتل مطلقًا ، على ما حكاه ابن أبي زيد في مختصره. هذا مع كثرة وقائعهم في العدو ، وغنائمهم ، وعموم الحاجة إلى ذلك . فلما لم يكن ذلك كذلك ؛ صح أن يقال : إن ذلك موكول لرأي الإمام . والله تعالى أعلم . تفريع : لا شك في أن من كان مذهبه : أن السلب للقاتل : أنه لا يخمسه ، وإنما يملكه بنفس القتل المشهود عليه ، وأما من صار إلى : أن ذلك للإمام يرى فيه رأيه ، فاختلفوا ؛ هل يخمس أو لا يخمس ؟ فقال مالك ، والأوزاعي ، ومكحول : يخمس . وقاله إسحاق إذا كثر . ونحوه عن عمر ، وحكى ابن خواز منداذ عن مالك : أن الإمام مخيَّر في ذلك كله. قاله القاضي إسماعيل . ثم اختلفوا في السلب الذي يستحقه القاتل . فذهب الأوزاعي ، وابن حبيب من أصحابنا إلى أنه فَرسه الذي ركبه ، وكل شيء كان عليه من لبوس ، وسلاح ، وآلة ، وحلية له ولفرسه . غير أن ابن حبيب قال : إن المنطقة التي فيها دنانير ودراهم نفقة داخلة في السَّلب . ولم ير ذلك الأوزاعي . وقد عمل بقولهما جماعة من الصحابة . ونحوه مذهب الشافعي ، غير أنه تردد في السوارين ، والحلية ، وما في معناهما من غير حلية الحرب . وذهب ابن عباس إلى أنه : الفرس ، والسِّلاح ، وهو معنى مذهب مالك . وشذَّ أحمد ، فلم ير الفرس من السَّلب ، ووقــف في السَّيف . وللشافعي قولان فيما وجد في عسكر العدو من أموال المقتول ؛ هل هو من سلبه أم لا ؟ والصحيح : العموم فيما كان معه ، تمسّكًا بالعموم . والله تعالى أعلم . وقوله : ( له عليه بينة ) ؛ قال بظاهره الليث ، والشافعي ، وبعض أصحاب الحديث ، فلا يستحق القاتل السلب إلا بالبيّنة ، أو بشاهدٍ ويمين. وقال الأوزاعي والليث : ليست البيّنة شرطًا في الاستحقاق ، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعًا للمنازعة ، وإن لم يتفق كان للقاتل بغير بيّنة ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة ، ولا يمين . ولا يكفي شهادة واحد ، ولا يناط بها حكم بمجردها ، لا يقال : إنما أعطاه إيَّاه بشهادة الذي هو في يده ، وشهادة أبي بكر ؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يُقم شهادة لأبي قتادة ، وإنما منع أن يُدفع السلب للذي ذكر أنه في يده ، ويمنع منه أبو قتادة . ويخرج على أصول المالكية في هذه المسألة ، ومن قال بقولها : أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة ؛ لأنه من الإمام ابتداء عطيّة . فإن شرط فيه الشهادة كان له ، وإن لم يشترط ، جاز أن يعطيه من غير شهادة . والله تعالى أعلم . وقوله : ( فأرضه من حقه يا رسول الله ! ) أي : أعطه ما يرضى به بدلاً من حقه في السَّلب . فكأنه سأل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتركه له ، ويعطي أبا قتادة من غيره ما يرضى به . وقول أبي بكر : ( لا ها الله إذًا ) ؛ الرواية هكذا ( إذًا ) بالتنوين . قال الخطابي : والصواب فيه : ( لا ها الله ذا ) بغير ألف قبل الذال . ومعناه في كلامهم : لا والله . يجعلون ( الها ) مكان ( الواو ) . والمعنى : لا والله لا يكون ذا . قال المازري : معناه : ذا يميني ، وذا قسمي . وقال أبو زيد : ( ذا ) صلة في الكلام . وقوله : ( فبعت الدرع ، فاشتريت به مخرفًا ) ، قال القاضي أبو الفضل : رويناه بفتح الميم ، وكسرها . فمن كسره جعله مثل : مرْبَدٍ . ومن فتح جعله مثل : مضرَب . والمخرف : البستان الذي تخترف ثماره ؛ أي : تجتنى. فأما المخرف - بكسر الميم - فهو : الوعاء الذي يجمع فيه ما يُخترفُ . و( تأثلت المال ) : تملكته ، فجعلته أصل مالي . وأَثَلَةُ كل شيء : أصله. وقوله : ( كلا ، لا نعطيه أضيبع من قريش ) ؛ كلا : ردع ، وزجر. وقد تكون بمعنى : لا ؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام : كُلَا في جواب قولهم : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ وقد يكون استفتاحًا بمعنى : ألا ؛ كما قيل في قوله تعالى : كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ و( أضيبع ) روايتنا فيه - وهي المشهورة - بالضاد المعجمة ، والعين المهملة ؛ وهو تصغير ضبع على غير القياس . فكأنه لما وصف الآخر بالأسدية ، صغر هذا بالنسبة إليه ، وشبهه بالضبع تصغيرًا له. ورواه السمرقندي : ( أصيبغ ) بالصاد المهملة ، والغين المعجمة ، فقيل : كأنه حقَّره ، وذمَّه لسواد لونه . وقال الخطابي : الأصيبغ نوع من الطير . قال : ويجوز أن يشبهه بنبات صغير ، يقال له : الصبغاء ، أول ما تطلع من الأرض فيكون ما يلي الشمس منه أصفر . وقال الهروي بمعناه. ومبادرة أبي بكر بالفتيا والرَّدع والنَّهي بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، وتصديقه على قوله ، شرفٌ عظيم ، وخصوصية لأبي بكر رضي الله عنه ليس لأحدٍ من الصحابة مثلها ، هذا مع أنه قد كان عدد من الصحابة نحو الأربعة عشر يفتون في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يعلم بهم ، ويقرهم ، لكن لم يُسمع عن أحدٍ منهم أنه أفتى بحضرته ، ولا صدر عنه شيء مما صدر عن أبي بكر في هذه القضية. وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمِّل .