حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب

) باب للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب 1751 [1269] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا ، كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلاً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ . قَالَ: فَقُمْتُ ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لك يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ . فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ .

فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ يا رسول الله ! وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَا هَا اللَّهِ إِذًا ، لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ . فَأَعْطَانِي ، قَالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا لَا نُعْطِيهِ ، أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ وَنَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللَّهِ؟ ( 7 ) ومن باب: للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب ( الجولة ) : الاضطراب .

ويعني به : انهزام المنهزمة يوم حنين على ما يأتي . و( حبل العاتق ) : هو موصل ما بين العنق والكاهل . وقيل : هو حبل الوريد .

والوريد : عرق بين الحلقوم والعلباوَيْن . وقوله : ( فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت ) ؛ أي : ضمة شديدة أشرف بسببها على الموت . وهي استعارة حسنة .

وأصلها : أن من قرب من الشيء وجد ريحه . وقوله : ( وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه ) ؛ دليل : على أن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - كان بعد أن برد القتال ، وأما قبل القتال فيكره مالك للإمام أن يقول مثل ذلك ؛ لئلا تفسد نية المجاهدين . وهل قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك القول مُقَعِّدًا لقاعدة السلب للقاتل ، ومبيِّنًا لحكم الله تعالى في ذلك دائمًا ، وفي كل واقعة ؟ وإليه صار الليث ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والطبري ، والثوري ، وأبو ثور ، قالوا : السلب للقاتل ، قاله الإمام أو لم يقله ، غير أن الشافعي -رحمه الله- اشترط في ذلك : أن يقتله مقبلاً .

واشترط الأوزاعي أن يكون ذلك قبل التحام الحرب . أو قاله - صلى الله عليه وسلم - على جهة أن يبيِّن : أن للإمام أن يفعل ذلك إذا رآه مصلحة ؟ وإلى هذا ذهب مالك ، وأبو حنيفة ، فقالا : إن السلب ليس بحق للقاتل ، وإنه من الغنيمة إلا أن يجعل الأمير ذلك له . فأما الطائفة الأولى : فتمسَّكت بظاهر الحديث المتقدِّم ، وقصر الشافعي عموم قوله : ( من قتل قتيلاً ) على نحو ما وقع لأبي قتادة ؛ فإنه قتل الكافر مقبلاً ، ولذلك ضمه الضمة الشديدة ، وليس للأوزاعي على ما اشترط حجَّة من الحديث ، بل هو حجَّة عليه ؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك بعد فراغ القتال .

وأما الطائفة الثانية : فإنهم ردُّوا ظاهر ذلك الحديث لما يعارضه ، وهو قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ فأضاف أربعة أخماس الغنيمة للغانمين ، ولا يصلح قوله : ( من قتل قتيلاً فله سلبه ) للتخصيص ، للاحتمال الذي أبديناه . ومما تمسَّكوا به قضية أبي جهل الآتية بعد هذا ، وذلك : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لابني عفراء : ( كلاكما قتله ) ، ثم قضى بسلبه لأحدهما ، وهي نصٌّ في المقصود ، لا يقال : إن قضية أبي جهل متقدَّمة وقضية أبي قتادة متأخرة ، فتكون ناسخة ؛ لأنا لا نسلم التعارض لإمكان الجمع بين القضيتين ؛ لأن ذلك رأي رآه فيهما ، فاختلف الحال بحسب اختلاف الاجتهاد . والله تعالى أعلم .

ومما يعتضدُ به هؤلاء : أنه لو كان قوله : من قتل قتيلاً فله سلبه ) مقعدًا للقاعدة ، ومبيِّنًا لها ؛ لكان ذلك أمرًا معمولاً به عند الصحابة ، وخصوصًا الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ، فإنهم كانوا حضورًا في ذلك الموطن ، وقد انقرضت أعصارهم ، ولم يحكموا : بأن السلب للقاتل مطلقًا ، على ما حكاه ابن أبي زيد في مختصره . هذا مع كثرة وقائعهم في العدو ، وغنائمهم ، وعموم الحاجة إلى ذلك . فلما لم يكن ذلك كذلك ؛ صح أن يقال : إن ذلك موكول لرأي الإمام .

والله تعالى أعلم . تفريع : لا شك في أن من كان مذهبه : أن السلب للقاتل : أنه لا يخمسه ، وإنما يملكه بنفس القتل المشهود عليه ، وأما من صار إلى : أن ذلك للإمام يرى فيه رأيه ، فاختلفوا ؛ هل يخمس أو لا يخمس ؟ فقال مالك ، والأوزاعي ، ومكحول : يخمس . وقاله إسحاق إذا كثر .

ونحوه عن عمر ، وحكى ابن خواز منداذ عن مالك : أن الإمام مخيَّر في ذلك كله . قاله القاضي إسماعيل . ثم اختلفوا في السلب الذي يستحقه القاتل .

فذهب الأوزاعي ، وابن حبيب من أصحابنا إلى أنه فَرسه الذي ركبه ، وكل شيء كان عليه من لبوس ، وسلاح ، وآلة ، وحلية له ولفرسه . غير أن ابن حبيب قال : إن المنطقة التي فيها دنانير ودراهم نفقة داخلة في السَّلب . ولم ير ذلك الأوزاعي .

وقد عمل بقولهما جماعة من الصحابة . ونحوه مذهب الشافعي ، غير أنه تردد في السوارين ، والحلية ، وما في معناهما من غير حلية الحرب . وذهب ابن عباس إلى أنه : الفرس ، والسِّلاح ، وهو معنى مذهب مالك .

وشذَّ أحمد ، فلم ير الفرس من السَّلب ، ووقــف في السَّيف . وللشافعي قولان فيما وجد في عسكر العدو من أموال المقتول ؛ هل هو من سلبه أم لا ؟ والصحيح : العموم فيما كان معه ، تمسّكًا بالعموم . والله تعالى أعلم .

وقوله : ( له عليه بينة ) ؛ قال بظاهره الليث ، والشافعي ، وبعض أصحاب الحديث ، فلا يستحق القاتل السلب إلا بالبيّنة ، أو بشاهدٍ ويمين . وقال الأوزاعي والليث : ليست البيّنة شرطًا في الاستحقاق ، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعًا للمنازعة ، وإن لم يتفق كان للقاتل بغير بيّنة ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى أبا قتادة سلب مقتوله من غير شهادة ، ولا يمين . ولا يكفي شهادة واحد ، ولا يناط بها حكم بمجردها ، لا يقال : إنما أعطاه إيَّاه بشهادة الذي هو في يده ، وشهادة أبي بكر ؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يُقم شهادة لأبي قتادة ، وإنما منع أن يُدفع السلب للذي ذكر أنه في يده ، ويمنع منه أبو قتادة .

ويخرج على أصول المالكية في هذه المسألة ، ومن قال بقولها : أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة ؛ لأنه من الإمام ابتداء عطيّة . فإن شرط فيه الشهادة كان له ، وإن لم يشترط ، جاز أن يعطيه من غير شهادة . والله تعالى أعلم .

وقوله : ( فأرضه من حقه يا رسول الله ! ) أي : أعطه ما يرضى به بدلاً من حقه في السَّلب . فكأنه سأل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتركه له ، ويعطي أبا قتادة من غيره ما يرضى به . وقول أبي بكر : ( لا ها الله إذًا ) ؛ الرواية هكذا ( إذًا ) بالتنوين .

قال الخطابي : والصواب فيه : ( لا ها الله ذا ) بغير ألف قبل الذال . ومعناه في كلامهم : لا والله . يجعلون ( الها ) مكان ( الواو ) .

والمعنى : لا والله لا يكون ذا . قال المازري : معناه : ذا يميني ، وذا قسمي . وقال أبو زيد : ( ذا ) صلة في الكلام .

وقوله : ( فبعت الدرع ، فاشتريت به مخرفًا ) ، قال القاضي أبو الفضل : رويناه بفتح الميم ، وكسرها . فمن كسره جعله مثل : مرْبَدٍ . ومن فتح جعله مثل : مضرَب .

والمخرف : البستان الذي تخترف ثماره ؛ أي : تجتنى . فأما المخرف - بكسر الميم - فهو : الوعاء الذي يجمع فيه ما يُخترفُ . و( تأثلت المال ) : تملكته ، فجعلته أصل مالي .

وأَثَلَةُ كل شيء : أصله . وقوله : ( كلا ، لا نعطيه أضيبع من قريش ) ؛ كلا : ردع ، وزجر . وقد تكون بمعنى : لا ؛ كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام : كُلَا في جواب قولهم : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ وقد يكون استفتاحًا بمعنى : ألا ؛ كما قيل في قوله تعالى : ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ و( أضيبع ) روايتنا فيه - وهي المشهورة - بالضاد المعجمة ، والعين المهملة ؛ وهو تصغير ضبع على غير القياس .

فكأنه لما وصف الآخر بالأسدية ، صغر هذا بالنسبة إليه ، وشبهه بالضبع تصغيرًا له . ورواه السمرقندي : ( أصيبغ ) بالصاد المهملة ، والغين المعجمة ، فقيل : كأنه حقَّره ، وذمَّه لسواد لونه . وقال الخطابي : الأصيبغ نوع من الطير .

قال : ويجوز أن يشبهه بنبات صغير ، يقال له : الصبغاء ، أول ما تطلع من الأرض فيكون ما يلي الشمس منه أصفر . وقال الهروي بمعناه . ومبادرة أبي بكر بالفتيا والرَّدع والنَّهي بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، وتصديقه على قوله ، شرفٌ عظيم ، وخصوصية لأبي بكر رضي الله عنه ليس لأحدٍ من الصحابة مثلها ، هذا مع أنه قد كان عدد من الصحابة نحو الأربعة عشر يفتون في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يعلم بهم ، ويقرهم ، لكن لم يُسمع عن أحدٍ منهم أنه أفتى بحضرته ، ولا صدر عنه شيء مما صدر عن أبي بكر في هذه القضية .

وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمِّل .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث