باب للإمام أن يخص القاتل بالسَّلب
[1270] وعن سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَوَازِنَ ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ حَقَبِهِ ، فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ يَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ فِي الظَّهْرِ ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ ، فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ ، ثُمَّ أَنَاخَهُ وَقَعَدَ فَأَثَارَهُ ، فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ ، قَالَ سَلَمَةُ: وَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَهُ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي ، فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ ، عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ . قَالَوا: ابْنُ الْأَكْوَعِ ، قَالَ لَهُ: سَلَبُهُ أَجْمَعُ . غريب حديث سلمة بن الأكوع : قول سلمة : ( فبينا نحن نتضحَّى ) ؛ يعني : نتغدَّى في وقت الضحاء - بالمد - قاله الخطابي وغيره .
و( الطلق ) : الحبل ، وهو بفتح اللام . و( الحقب ) بفتح القاف . والحقيبة : هو ما يجعله الرَّاكب خلفه .
و( الضعَفَة ) - بفتح العين - : جمع ضعيف ، والأوْجَه والأصح : ( ضعْفَة ) ؛ أي : حالة ضعيفة ، وهزال . و( يشتدُّ ) : يجري سريعًا . و( قعد عليه ) ؛ أي : ركبه ؛ لأن الرَّاكب قاعد .
و( اخترطت السَّيف ) ؛ أي : سللته من غَمْدِه سريعًا . ( فندر ) ؛ أي : سقط ، وخرج عن جسده . ومنه : الشيء النادر ؛ أي : الخارج ، والرواية فيه بالنون والدال المهملة .
والرحل للبعير كالسرج للفرس ، والإكاف للحمار . وفيه من الفقه : أن السَّلب إنما يستحقه القاتل بإذن الإمام كما تقدَّم ؛ إذ لو كان واجبًا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرار هذا القول ؛ إذ قد تقرر الحكم في يوم حنين على زعم الخصم ، وعمل به . وفيه : أن كل ما يكون على القتيل ، أو معه ، أو عليه سلب للقاتل .
وفيه : أن السَّلب لا يخمس . وفيه حجة لمن قال من أهل العلم : أن للإمام أن ينفل جميع ما أخذته السَّرية من الغنيمة لمن يراه منهم ؛ إذ قد كان مع سلمة رجل على ناقة ؛ ولم يعطه من الغنيمة شيئًا ، وهذا إنما يتم للمحتج به إذا نقل : أنه لم يكن هناك غنيمة إلا ذلك السَّلب ، فلعلهم غنموا شيئًا آخر غير السَّلب ، فإن نقلوا ذلك تمسّكنا بقوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وقلنا : ذلك خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - . وفيه : قتل الجاسوس ، ولا خلاف في ذلك إذا لم يكن معاهدًا ، أو مسلمًا .
والمعاهد يقتل عندنا وعند الأوزاعي لنقضه العهد . وقال معظم الفقهاء : لا يكون ذلك نقضًا ، وأما المسلم فالجمهور على أن الإمام يجتهد فيه . وقال كبار أصحاب مالك : أنه يقتل ، واختلف في قبول توبته على ثلاثة أقوال ، يفرق في الثالث بين أن يكون معروفًا بذلك أو لا .
وفيه التنويه بأهل الفضائل ، ومعرفة حق من فيه فضل وغناء.