حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل

) باب لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل 1752 [1271] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ ، نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي ، فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا ، تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا ، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ ، وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا ، قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا ، قَالَ: فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ ، قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ . فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ ، فَقَالَ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ . قَالَا: لَا ، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ .

وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَالرَّجُلَانِ: مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ . ( 8 ) ومن باب: لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل قوله : ( تمنيت لو كنت بين أضلع منهما ) ؛ كذا الرواية ، بالضاد المعجمة ، والعين المهملة ، ووقع في بعض روايات البخاري : ( أصلح ) بالحاء ، والصاد ، مهملتين ، من الصلاح ، والأول أصوب . ومعنى ( أضلع ) : أقوى ، والضلاعة : القوة .

ومنه قولهم : هل يدرك الظالع شأو الضليع - بالضاد - ؛ أي : القوي ، والظالع - بالظاء المشالة - : هو الذي أصابه الظلع ، وهو ألَمٌ يأخذ الدَّابة في بعض قوائمها . وكأنه استضعفهما لصغر أسنانهما . وقوله : ( لا يفارق سوادي سواده ) ؛ أي : شخصي شخصه .

وأصله : أن الشخص يرى على البعد أسود . والله تعالى أعلم . وقوله : ( حتى يموت الأعجل منَا ) ؛ أي : الأقرب أجلاً ، وهو كلام مستعمل يفهم منه : أنه يلازمه ، ولا يتركه إلى وقوع الموت بأحدهما .

وصدور مثل هذا الكلام في حالة الغضب والانزعاج يدل على صحة العقل ، وثبوت الفهم ، والتثبت العظيم في النظر في العواقب ؛ فإن مقتضى الغضب أن يقول : حتى أقتله ؛ لكن العاقبة مجهولة . وقوله : ( فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس ) ؛ معنى لم أنشب : لم أشتغل بشيء . وهو من : نشب بالشيء ؛ إذا دخل فيه ، وتعلَّق به .

و( يزول ) ؛ أي : يجول ويضطرب في المواضع ، ولا يستقر على حال . وهو فعل من يعبئ الناس ، ويحرضهم . أو فعل من أخذه الزويل ، وهو : الفزع والقلق .

والأول أولى ؛ لرواية ابن ماهان لهذا الحرف : ( يجول ) بالجيم . وقوله : ( هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا ، فنظر في السيفين فقال : كلاكما قتله ) ؛ هذا يدل على: أن للإمام أن ينظر في شواهد الأحوال ليترجح عنده قول أحد المتداعيين ، وذلك أن سؤاله عن مسح السيفين إنما كان لينظر إن كان تعلق بأحدهما من أثر الطعام أو الدَّم ما لم يتعلق بالآخر ، فيقضي له ، فلما رأى تساويَ سيفيهما في ذلك قال : ( كلاكما قتله ) ، ومع ذلك فقضى بالسلب لأحدهما ، فكان ذلك أدل دليل على صحة ما قدَّمناه من مذهب مالك ، وأبي حنيفة . وقد اعتذر المخالفون عن هذا الحديث بأوجه : منها : أن هذا منسوخ بما قاله يوم حنين .

وهو فاسد لوجهين : أحدهما : أن الجمع بينهما ممكن . كما قدمناه ، فلا نسخ . والثاني : أنَّه قد روى أهل السِّير وغيرهم : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر : ( من قتل قتيلاً فله سلبه ) ؛ كما قال يوم حنين .

وغايته : أن يكون من باب تخصيص العموم على ما قلناه . ومنها : أن بعض الشافعية قال : إنما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ؛ لأنه استطاب نفس أحدهما . وهذا كلام غير محصل ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيب الأنفس بما لا يحل .

ثم كيف يستطيب نفس هذا بإفساد قلب الآخر ؟ هذا مما لا يليق بذوي المروءات ، فكيف بخاتم النبوات ؟! ومنها : أنه لعله أن يكون رأى على سيف أحدهما من الأثر ما لم ير على الآخر ، فأعطاه السلب لذلك ، وقال : ( كلاكما قتله ) تطييبًا لقلب الآخر . وهذا يبطله قوله : ( كلاكما قتله ) . والقتل هو السبب عند القائل .

وظاهره التسوية في القتل ؛ فإن القائل إذا قال لمخاطبيه : كلاكما قال ، أو كلاكما خرج ، فظاهره المشاركة فيما نسب إليهما . ثم يلزم هذا القائل أن يجوّز على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التورية في الأحكام . والقول بذلك باطل ، وحرام .

وقوله : ( والرجلان : معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء ) ؛ هكذا الصحيح ، وقد جاء في البخاري من حديث ابن مسعود : أن ابني عفراء ضرباه حتى برك . وكأن هذا وهم من بعض الرواة لحديث ابن مسعود . وسبب هذا الوهم : أن عفراء هذه من بني النجار ، أسلمت وبايعت ، وكان أولادها سبعة ، كلهم شهد بدرًا ، وكانت عند الحارث بن رفاعة ، فولدت له : معاذًا ، ومعوّذًا ، ثم طلقها ، فتزوَّجها بكير بن عبد ياليل ، فولدت له : خالدًا ، وإياسًا ، وعاقلاً ، وعامرًا ، ثم راجعها الحارث ، فولدت له عوفًا ، فشهدوا كلهم بدرًا .

فكأنه التبس على بعض الرُّواة معاذ بن عمرو بن الجموح بمعاذ بن عفراء وبمعوذ بن عفراء عند السكوت عن ذكر عمرو والد معاذ . والله تعالى أعلم . وفي البخاري ومسلم : أن ابن مسعود هو الذي أجهز على أبي جهل واحتزَّ رأسه بعد أن جرى له معه كلام سيأتي إن شاء الله تعالى .

ورد في أحاديث8 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث