حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب لا يستحق القاتل السَّلب بنفس القتل

43 و 44 [1272] وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلاً مِنْ الْعَدُوِّ ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ . قَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهِ . فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لك مَا ذَكَرْتُ لك عِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتُغْضِبَ ، فَقَالَ: لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إِبِلاً أَوْ غَنَمًا فَرَعَاهَا ، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا ، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا ، فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتَرَكَتْ كَدْرَهُ ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ .

وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى ، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ . وقول عوف بن خالد : ( هل أنجزت لك ما ذكرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ) كلام فيه نوع من التقصير ، والتهكم بمنصب الإمارة ، والإزراء عليه ، ولذلك غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك حين سمعه ، ثم أمضى ما فعله خالد بقوله : ( لا تعطه يا خالد ! ) ، ونوَّه به ، وعظم حرمته بقوله : ( هل أنتم تاركو لي أمرائي ؟! ) وهذا يدل دلالة واضحة على : أن السَّلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل ، بل برأي الإمام ونظره ، كما قدَّمناه . وقوله : ( ادفعه إليه ) ؛ هو أمر على جهة الإصلاح ورفع التنازع ، فلما صدر من عوف ما يقتضي الغض من منصب الإمارة أمضى ما رآه الأمير ؛ لأنه لم يكن للقاتل فيه حق .

وهذا نحو مما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بماء الزبير ، حيث نازعه الأنصاري في السقي ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( اسق يا زبير ! وأرسل الماء إلى جارك ) ، فأغضب الأنصاري النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال للزبير : ( اسق يا زبير ! وأمسك الماء حتى يبلغ الجدر ) ، فاستوفى للزبير حقه . وهذا الحديث من أصعب الأحاديث على القائل بأن السَّلب يستحقه القاتل بنفس القتل . و( استغضب ) هو مبني لما لم يسم فاعله ؛ أي : أغضب ، زيدت فيه السين والتاء ، ومعناه : خلق فيه الغضب عندما سمع ما كرهه شيئا فشيئا ، والله تعالى أعلم .

وقوله : ( هل أنتم تاركو لي أمرائي ) ؛ هكذا الرواية بإسقاط النون من ( تاركو ) ، ولحذفها وجهان : أحدهما : أن يكون استطال الكلمة كما استطيلت كلمة الاسم الموصول ، كما قال تعالى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا على أحد القولين . وكما قال الشاعر : ابني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك وفكك الأغلالا والوجه الثاني : أن يكون ( أمرائي ) مضافًا ، وأقحم الجار والمجرور بين المضاف والمضاف إليه ، ويكون هذا من نوع قراءة ابن عامر : ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم ) ، بنصب ( أَوْلادُهُمْ ) ، وخفض ( شُرَكَائهِمْ )، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ، وأكثر ما يكون هذا النوع في الشعر ، كما أنشده سيبويه : كما خط الكتاب بكف يومًا يهودي يقارب أو يزيل وكما أنشد : فزججتها بمزجة زجّ القلوص أبي مزاده ويفهم من هذا الحديث : احترام الأمراء ، وترك الاستطالة عليهم . وقوله : ( استرعي رعية ) ؛ أي : كلف رعيها ورعايتها ، وهذا مثال مطابق للمتُمثل به من كل وجه .

و( الصفو ) : الصافي عن الكدر ، وهو عبارة عما يأخذه الناس بالقسم . و( الكدر ) : المتغير ، وهو مثال لما يبقى للأمراء ؛ لما يتعلق به من التبعات والحقوق . والله تعالى أعلم

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث