[ 52 ] 1759 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، أَخْبَرَنَا حُجَيْنٌ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا ، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ ، قَالَ فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا ، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ ، كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ : وَاللَّهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي ؛ إِنِّي وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ قَالَ : إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ ، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ؛ فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْحَقِّ ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ . فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ : مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَتَشَهَّدَ ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ ، وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الْأَمْرِ نَصِيبًا فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا ، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا : أَصَبْتَ ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ . [ 53 ] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ . قَالَ ابْنُ رَافِعٍ : حَدَّثَنَا ، وَقَالَ الْآخَرَانِ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ عُقَيْلٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ ، وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ ، فَقَالُوا : أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ ، فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ . قَوْلُهُ : ( فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ) أَمَّا هِجْرَانُهَا فَسَبَقَ تَأْوِيلُهُ ، وَأَمَّا كَوْنُهَا عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ : ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةً ، وَقِيلَ : شَهْرَيْنِ ، وَقِيلَ : سَبْعِينَ يَوْمًا ، فَعَلَى الصَّحِيحِ قَالُوا : تُوُفِّيَتْ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ عَلِيًّا دَفَنَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَيْلًا ) فِيهِ جَوَازُ الدَّفْنِ لَيْلًا ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ النَّهَارَ أَفْضَلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلَيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ ) أَمَّا تَأَخُّرُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الْبَيْعَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلِيٌّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَاعْتَذَرَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَعَ هَذَا فَتَأَخُّرُهُ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي الْبَيْعَةِ ، وَلَا فِيهِ . أَمَّا الْبَيْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَةُ كُلِّ النَّاسِ ، وَلَا كُلِّ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعِقْدِ ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ مُبَايَعَةُ مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ ، وَأَمَّا عَدَمُ الْقَدْحِ فِيهِ ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْإِمَامِ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَيُبَايِعَهُ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ إِذَا عَقَدَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِلْإِمَامِ الِانْقِيَادُ لَهُ ، وَأَلَّا يُظْهِرَ خِلَافًا ، وَلَا يَشُقَّ الْعَصَا ، وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ بَيْعَتِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ خِلَافًا وَلَا شَقَّ الْعَصَا ، وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَهُ لِلْعُذْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَكُنِ انْعِقَادُ الْبَيْعَةِ وَانْبِرَامُهَا مُتَوَقِّفًا عَلَى حُضُورِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُضُورُ لِذَلِكَ وَلَا لِغَيْرِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ قَدْحٌ فِي الْبَيْعَةِ وَلَا مُخَالَفَةٌ ، وَلَكِنْ بَقِيَ فِي نَفْسِهِ عَتَبٌ فَتَأَخَّرَ حُضُورُهُ إِلَى أَنْ زَالَ الْعَتَبُ ، وَكَانَ سَبَبُ الْعَتَبِ أَنَّهُ مَعَ وَجَاهَتِهِ وَفَضِيلَتِهِ فِي نَفْسِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، رَأَى أَنَّهُ لَا يُسْتَبَدُّ بِأَمْرٍ إِلَّا بِمَشُورَتِهِ وَحُضُورِهِ ، وَكَانَ عُذْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَاضِحًا ; لِأَنَّهُمْ رَأَوُا الْمُبَادَرَةَ بِالْبَيْعَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَافُوا مِنْ تَأْخِيرِهَا حُصُولَ خِلَافٍ وَنِزَاعٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ ، وَلِهَذَا أَخَّرُوا دَفْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عَقَدُوا الْبَيْعَةَ ؛ لِكَوْنِهَا كَانَتْ أَهَمَّ الْأُمُورِ ، كَيْلَا يَقَعَ نِزَاعٌ فِي مَدْفِنِهِ أَوْ كَفَنِهِ أَوْ غُسْلِهِ أَوِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَنْ يَفْصِلُ الْأُمُورَ فَرَأَوْا تَقْدِيمَ الْبَيْعَةِ أَهَمَّ الْأَشْيَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَاللَّهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ ) أَمَّا كَرَاهَتُهُمْ لِمَحْضَرِ عُمَرَ ، فَلِمَا عَلِمُوا مِنْ شِدَّتِهِ وَصَدْعِهِ قُلُوبَهُمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ طَابَتْ عَلَيْهِ وَانْشَرَحَتْ لَهُ ، فَخَافُوا أَنْ يَكُونَ حُضُورُ عُمَرَ سَبَبًا لِتَغَيُّرِهَا . وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : ( لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ ) فَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ خَافَ أَنْ يُغْلِظُوا عَلَيْهِ فِي الْمُعَاتَبَةِ ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ لِينُ أَبِي بَكْرٍ وَصَبْرِهِ عَنِ الْجَوَابِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَرُبَّمَا رَأَى مِنْ كَلَامِهِمْ مَا غَيَّرَ قَلْبَهُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ خَاصَّةٌ أَوْ عَامَّةٌ ، وَإِذَا حَضَرَ عُمَرُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَأَمَّا كَوْنُ عُمَرَ حَلَفَ أن لا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ فَحَنَّثَهُ أَبُو بَكْرٍ وَدَخَلَ وَحْدَهُ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهِ الْإِنْسَانُ إِذَا أَمْكَنَ احْتِمَالُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ ، وَلَا تَكُونُ فِيهِ مَفْسَدَةٌ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ بِإِبْرَارِ الْقَسَمِ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ ، يُقَالُ : نَفِسْتُ عَلَيْهِ بِكَسْرِ الْفَاءِ ( أَنْفَسُ ) بِفَتْحِهَا ( نَفَاسَةً ) وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْحَسَدِ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ ) مَعْنَى شَجَرَ : الِاخْتِلَافُ وَالْمُنَازَعَةُ ، وَقَوْلُهُ : ( لَمْ آلُ ) أَيْ : لَمْ أُقَصِّرْ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ يُقَالُ : رَقِيَ كَعَلِمَ يَعْلَمُ ، وَالْعَشِيُّ بِحَذْفِ الْهَاءِ هُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : ( صَلَّى إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ إِمَّا الظُّهْرَ وَإِمَّا الْعَصْرَ ) وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ صِحَّةِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ · ص 428 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب تصدق رسول الله بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه · ص 566 ( 12 ) باب تصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه 1759 - 52 و 54 [1278] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ من الفيء ، وَفَدَكٍ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ. إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي هَذَا الْمَالِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا ، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ ، قَالَ: فَهَجَرَتْهُ ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلاً ، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاسِ جِهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي ؟ إِنِّي وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ ، وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ ، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ، فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْحَقِّ ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ ، رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الْأَمْرِ نَصِيبًا ، فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا ، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ. وَقَالَوا: أَصَبْتَ ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ . وَفَي رِوَايِةٍ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ خَيْبَرَ ، وَفَدَكٍ ، وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ ، وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ ، فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ ، وَنَوَائِبِهِ ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ . ( 12 ) ومن باب: تصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما وصل إليه من الفيء والخمس سيأتي العذر لفاطمة عن طلبها ميراثها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا. وقوله : ( مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ) ؛ كانت الأراضي التي تصدق بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصيرت إليه بثلاثة طرق : أحدها : ما وصى له به عند موته مُخَيْريق اليهودي لما أسلم يوم أحد ، وكانت سبعة حوائط في بني النضير . وما أعطاه الأنصار من أرضيهم . والثاني : حقه من الفيء من سائر أرض بني النضير ، حين أجلاهم ، وكذلك نصف أرض فدك ، صالح أهلها على النصف بعد حنين ، وكذلك ثلث أرض وادي القرى ، صالح عليه يهود ، وكذلك حصنان من حصون خيبر : الوطيح ، والسلالم : أحدهما صلح ، وأجلى أهلها . والثالث : سهمه من خمس خيبر ، وما افتتح منه عنوة ، وهو حصن الكتيبة ، خرج كله في خمس الغنيمة منها ، وأقسم الناس سائرها ؛ حكاه أبو الفضل عياض . فهذه الأراضي التي وصلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كان يأخذ منها حاجة عياله ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . وهي التي تصدق بها ، حيث قال : ( ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومؤونة عاملي فهو صدقة ). فلما مات - صلى الله عليه وسلم - عمل فيه أبو بكر رضي الله عنه كذلك ، ثم عمر ، ثم عثمان ، غير أنه يُروى : أن عثمان أقطع مروان فدك ، وهو مما نُقم على عثمان . قال الخطابي : لعل عثمان تأول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أطعم الله نبيًا طُعمةً فهي للذي يقوم من بعده ) ، فلما استغنى عثمان عنها بماله ، جعلها لأقربائه . قلت : وأولى من هذا : أن يقال : لعل عثمان دفعها له على جهة المساقاة ، وخفي وجه ذلك على الراوي ، فقال : أقطع . والله تعالى أعلم . وقوله : ( إنما يأكل آل محمد في هذا المال ) ؛ يعني هنا بآل محمد : نساءه ، كما قال في الحديث الآخر : ( ما تركت بعد نفقة نسائي ). وقوله : ( فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته ، فلم تكلمه ) ؛ لا يظن بفاطمة رضي الله عنها أنها اتهمت أبا بكر فيما ذكره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لكنها رضي الله عنها عظم عليها ترك العمل بالقاعدة الكلية ، المقررة بالميراث ، المنصوصة في القرآن ، وجوّزت السهو والغلط على أبي بكر ، ثم إنها لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولملازمتها بيتها ، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران ، وإلا فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) ، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم ، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسيدة نساء أهل الجنة ؟ ودفْنُ علي لفاطمة ليلاً ، يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في صيانتها ، وكونه لم يؤذن أبا بكر بها ؛ لعله إنما لم يفعل ذلك لأن غيرَه قد كفاه ذلك ، أو خاف أن يكون ذلك من باب النعي المنهي عنه ، وليس في الخبر ما يدل على : أن أبا بكر لم يعلم بموتها ، ولا صلَّى عليها ، ولا شاهد جنازتها ، بل اللائق بهم ، المناسب لأحوالهم حضور جنازتها ، واغتنام بركتها ، ولا تسمع أكاذيب الرَّافضة المبطلين ، الضالين ، المضلين. وقوله : ( وكان لعلي من الناس جهة حياة فاطمة ) ؛ جهة ؛ أي : جاه واحترام ، كان الناس يحترمون عليًّا في حياتها كرامة لها ؛ لأنها بضعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو مباشر لها ، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر ، انصرف الناس عن ذلك الاحترام ، ليدخل فيما دخل فيه الناس ، ولا يفرق جماعتهم . ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناس عليه بكل إكرام وإعظام ؟! وقوله : ( ولم يكن علي بايع تلك الأشهر ) ؛ يعني : الستة الأشهر التي عاشتها فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يظن بعلي أنه خالف الناس في البيعة ، لكنه تأخر عن الناس لمانعٍ منعه ، وهو الموجدة التي وجدها حيث استُبِدَّ بمثل هذا الأمر العظيم ، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره ، وبمشورته لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار ، كما هو معروف في حديث السقيفة ، فسابقوا الفتنة ، فلم يتأت لهم انتظاره لذلك ، وقد جرى بينهم في هذا المجلس من المحاورة والمكالمة ، والإنصاف ما يدل : على معرفة بعضهم بفضل بعض ، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض ، ومحبة بعضهم لبعضٍ ما يشرق به الرافضي اللعين ، وتُشرق قلوب أهل الدِّين . والنفاسة هنا : الحسد . و( أزيغ ) : أميل عن الحق . وقوله : ( فغلبه عليها علي ) ؛ يعني : على الولاية عليها ، والقيام بها . وكأن العباس رأى عليًّا أقوى عليها ، وأضلع بها ، فلم يعرض له بسببها ، فعبَّر الراوي عن هذا بالغلبة ، وفيه بُعْد . و( تعروه ) : تنزل به . وقوله : ( قال : فهما على ذلك إلى اليوم ) ؛ يعني : إلى يوم حدَّث الراوي بهذا الحديث ، وقد ذكرنا زيادة البُرقاني في هذا المعنى . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى .