باب تصدق رسول الله بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه
) باب تصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما وصل إليه من الفيء ومن سهمه 1759 - 52 و 54 [1278] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ من الفيء ، وَفَدَكٍ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي هَذَا الْمَالِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا ، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ ، قَالَ: فَهَجَرَتْهُ ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلاً ، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنْ النَّاسِ جِهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنْ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي ؟ إِنِّي وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ ، وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ ، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ، فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْحَقِّ ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ ، رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الْأَمْرِ نَصِيبًا ، فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا ، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ . وَقَالَوا: أَصَبْتَ ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ .
وَفَي رِوَايِةٍ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ خَيْبَرَ ، وَفَدَكٍ ، وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ ، وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ ، فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ ، وَنَوَائِبِهِ ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ . ( 12 ) ومن باب: تصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما وصل إليه من الفيء والخمس سيأتي العذر لفاطمة عن طلبها ميراثها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا . وقوله : ( مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ) ؛ كانت الأراضي التي تصدق بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصيرت إليه بثلاثة طرق : أحدها : ما وصى له به عند موته مُخَيْريق اليهودي لما أسلم يوم أحد ، وكانت سبعة حوائط في بني النضير .
وما أعطاه الأنصار من أرضيهم . والثاني : حقه من الفيء من سائر أرض بني النضير ، حين أجلاهم ، وكذلك نصف أرض فدك ، صالح أهلها على النصف بعد حنين ، وكذلك ثلث أرض وادي القرى ، صالح عليه يهود ، وكذلك حصنان من حصون خيبر : الوطيح ، والسلالم : أحدهما صلح ، وأجلى أهلها . والثالث : سهمه من خمس خيبر ، وما افتتح منه عنوة ، وهو حصن الكتيبة ، خرج كله في خمس الغنيمة منها ، وأقسم الناس سائرها ؛ حكاه أبو الفضل عياض .
فهذه الأراضي التي وصلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كان يأخذ منها حاجة عياله ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . وهي التي تصدق بها ، حيث قال : ( ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومؤونة عاملي فهو صدقة ) . فلما مات - صلى الله عليه وسلم - عمل فيه أبو بكر رضي الله عنه كذلك ، ثم عمر ، ثم عثمان ، غير أنه يُروى : أن عثمان أقطع مروان فدك ، وهو مما نُقم على عثمان .
قال الخطابي : لعل عثمان تأول قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أطعم الله نبيًا طُعمةً فهي للذي يقوم من بعده ) ، فلما استغنى عثمان عنها بماله ، جعلها لأقربائه . قلت : وأولى من هذا : أن يقال : لعل عثمان دفعها له على جهة المساقاة ، وخفي وجه ذلك على الراوي ، فقال : أقطع . والله تعالى أعلم .
وقوله : ( إنما يأكل آل محمد في هذا المال ) ؛ يعني هنا بآل محمد : نساءه ، كما قال في الحديث الآخر : ( ما تركت بعد نفقة نسائي ) . وقوله : ( فأبى أبو بكر أن يدفع لفاطمة شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته ، فلم تكلمه ) ؛ لا يظن بفاطمة رضي الله عنها أنها اتهمت أبا بكر فيما ذكره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لكنها رضي الله عنها عظم عليها ترك العمل بالقاعدة الكلية ، المقررة بالميراث ، المنصوصة في القرآن ، وجوّزت السهو والغلط على أبي بكر ، ثم إنها لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولملازمتها بيتها ، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران ، وإلا فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) ، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم ، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسيدة نساء أهل الجنة ؟ ودفْنُ علي لفاطمة ليلاً ، يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في صيانتها ، وكونه لم يؤذن أبا بكر بها ؛ لعله إنما لم يفعل ذلك لأن غيرَه قد كفاه ذلك ، أو خاف أن يكون ذلك من باب النعي المنهي عنه ، وليس في الخبر ما يدل على : أن أبا بكر لم يعلم بموتها ، ولا صلَّى عليها ، ولا شاهد جنازتها ، بل اللائق بهم ، المناسب لأحوالهم حضور جنازتها ، واغتنام بركتها ، ولا تسمع أكاذيب الرَّافضة المبطلين ، الضالين ، المضلين . وقوله : ( وكان لعلي من الناس جهة حياة فاطمة ) ؛ جهة ؛ أي : جاه واحترام ، كان الناس يحترمون عليًّا في حياتها كرامة لها ؛ لأنها بضعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو مباشر لها ، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر ، انصرف الناس عن ذلك الاحترام ، ليدخل فيما دخل فيه الناس ، ولا يفرق جماعتهم .
ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناس عليه بكل إكرام وإعظام ؟! وقوله : ( ولم يكن علي بايع تلك الأشهر ) ؛ يعني : الستة الأشهر التي عاشتها فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يظن بعلي أنه خالف الناس في البيعة ، لكنه تأخر عن الناس لمانعٍ منعه ، وهو الموجدة التي وجدها حيث استُبِدَّ بمثل هذا الأمر العظيم ، ولم يُنتظر مع أنه كان أحق الناس بحضوره ، وبمشورته لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجال مخافة ثوران الفتنة بين المهاجرين والأنصار ، كما هو معروف في حديث السقيفة ، فسابقوا الفتنة ، فلم يتأت لهم انتظاره لذلك ، وقد جرى بينهم في هذا المجلس من المحاورة والمكالمة ، والإنصاف ما يدل : على معرفة بعضهم بفضل بعض ، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض ، ومحبة بعضهم لبعضٍ ما يشرق به الرافضي اللعين ، وتُشرق قلوب أهل الدِّين . والنفاسة هنا : الحسد . و( أزيغ ) : أميل عن الحق .
وقوله : ( فغلبه عليها علي ) ؛ يعني : على الولاية عليها ، والقيام بها . وكأن العباس رأى عليًّا أقوى عليها ، وأضلع بها ، فلم يعرض له بسببها ، فعبَّر الراوي عن هذا بالغلبة ، وفيه بُعْد . و( تعروه ) : تنزل به .
وقوله : ( قال : فهما على ذلك إلى اليوم ) ؛ يعني : إلى يوم حدَّث الراوي بهذا الحديث ، وقد ذكرنا زيادة البُرقاني في هذا المعنى . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى .